وَهُوَ ثَابت من وُجُوه
أَحدهمَا تَفْضِيل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
وَالثَّانِي تَفْضِيل النَّهْي عَن الْمُنكر
وَالثَّالِث توعيد التارك لَهما أَو لأَحَدهمَا وتعزيزه من حَيْثُ الْكتاب وَالسّنة والأثر قَالَ الله تَعَالَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أفضل الْأَعْمَال الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَشَنَآن الْفَاسِقين يَعْنِي بغضهم فَمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ شدّ ظهر الْمُؤمنِينَ وَمن نهى عَن الْمُنكر رغم أنف الْمُنَافِقين
وَرُوِيَ سعيد عَن قَتَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ ذكر لنا أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﵇ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة فَقَالَ أَنْت الَّذِي تزْعم أَنَّك رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ صلَة الرَّحِم قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ أَي الْأَعْمَال أبْغض إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الْإِشْرَاك بِاللَّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ
[ ٢٠٥ ]
قطيعة الرَّحِم قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من قوم يكون فيهم رجل يعْمل بِالْمَعَاصِي ويقدرون أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ فَلَا يغيرون إِلَّا عمهم الله تَعَالَى بِالْعَذَابِ قبل أَن يموتوا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يَعْنِي أَنْتُم خير أمة وَيُقَال مَعْنَاهُ وكنتم مكتوبين فِي اللَّوْح خير أمة أخرجت للنَّاس أخرجكم الله تَعَالَى لأجل النَّاس لكَي تأمروا بِالْمَعْرُوفِ يَعْنِي بالصالحات وتنهوا عَن الْمُنكر يَعْنِي تمْنَعُونَ أهل الْمعاصِي من الْمعْصِيَة فالمعروف مُوَافقا للْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَالْمُنكر مَا كَانَ مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَقد ذمّ الله تَعَالَى أَقْوَامًا بترك النَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي لَا يُنْهِي بَعضهم بَعْضًا عَن الْمُنكر فَقَالَ ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ يَعْنِي هلا ينهاهم علماؤهم وفقهاؤهم وقراؤهم عَن القَوْل الْفَاحِش وَأكل الْحَرَام ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى إِن الله تَعَالَى لَا يعذب الْعَامَّة بِعَمَل الْخَاصَّة وَلَكِن إِذا ظَهرت الْمعاصِي فَلم ينكروا فقد اسْتحق الْقَوْم جَمِيعًا للعقوبة وَذكر أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى يُوشَع بن نون أَنِّي مهلك من قَوْمك أَرْبَعِينَ الْفَا من خيارهم وَسِتِّينَ ألفا من شرارهم فَقَالَ يَا رب هَؤُلَاءِ أشرار فَمَا بَال الأخيار قَالَ إِنَّهُم لم يغضبوا
[ ٢٠٦ ]
بغضبي وأكلوهم وشاربوهم وَقَالَ النَّبِي ﵇ مثل المداهن فِي حُقُوق الله تَعَالَى وَالْوَاقِع فِيهَا والقائم عَلَيْهَا كَمثل ثَلَاثَة كَانُوا فِي سفينة فاقتسموا مَنَازِلهمْ فَصَارَ لأَحَدهم أَسْفَلهَا فَبينا هم فِيهَا إِذْ أَخذ الْقدوم فَقَالُوا لَهُ مَا تُرِيدُ فَقَالَ أخرق فِي مَكَاني خرقا فَيكون المَاء أقرب إِلَيّ وَيكون هَذَا لي ومهراق مائي فَقَالَ بَعضهم أتركوه أبعده الله تَعَالَى يخرق من حَقه مَا يَشَاء وَقَالَ بَعضهم لَا تَدعُوهُ يخرقها فيهلكنا وَيهْلك نَفسه فَإِنَّهُم إِن أخذُوا على يَدَيْهِ نجا ونجوا وَإِن لم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ هَلَكُوا وَهلك وَعَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو يسلطن الله تَعَالَى عَلَيْكُم سُلْطَانا ظَالِما لَا يجل كبيركم وَلَا يرحم صغيركم وَيَدْعُو خياركم فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم ويستنصرون فَلَا ينصر لَهُم وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يغْفر لَهُم وروى حُذَيْفَة بن الْيَمَانِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشك أَن الله تَعَالَى يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من عِنْده ثمَّ لتدعونه فَلَا يستجيب لكم قَالَ العَبْد وَمن الْحَاصِل على ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حب الدُّنْيَا قَالَ ﵇ أَنْتُم الْيَوْم على بَيِّنَة من ربكُم يَعْنِي على بَيَان قد بَين الله تَعَالَى لكم طريقكم مَا لم يظْهر فِيكُم سكرتان سكرة الْعَيْش وسكرة الْجَهْل فَأنْتم الْيَوْم تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون
[ ٢٠٧ ]
عَن الْمُنكر وتجاهدون فِي سَبِيل الله وستحولن عَن ذَلِك إِذا فَشَا فِيكُم حب الدُّنْيَا فَلَا تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَلَا تنهون عَن الْمُنكر وتجاهدون فِي غير سَبِيل الله فالقائمون يَوْمئِذٍ بِالْكتاب سرا وَعَلَانِيَة كالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قَالَ وَمن حب الدُّنْيَا محبَّة النَّاس قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا رَأَيْت الْقَارئ محب فِي جِيرَانه مَحْمُود عِنْد إخوانه فَاعْلَم أَنه مداهن وَذكر فِي الرَّوْضَة وتارك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كتارك الصَّلَاة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ كالمصلي وكما لَا يحل ترك الصَّلَاة كَذَلِك لَا يحل ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ ﵇ يحْشر يَوْم الْقِيَامَة أنَاس من أمتِي من قُبُورهم إِلَى الله تَعَالَى على صُورَة القردة والخنازير بِمَا داهنوا أهل الْمعاصِي وَكفوا عَن نهيهم وهم يَسْتَطِيعُونَ وَعَن درة بنت أبي لَهب أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب وأوصلهم للرحم وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر وَعنهُ ﵇ أَنه قَالَ كل كَلَام ابْن آدم عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن الْمُنكر وَذكر الله تَعَالَى
وَمن فضائله مَا حكى أَن زاهدا من التَّابِعين كسر ملاهي مَرْوَان بن الحكم الخلفية فَأتى بِهِ وَأمر أَن يلقى بَين الْأسد فألقي فملا دخل ذَلِك
[ ٢٠٨ ]
الْموضع أفْتَتح الصَّلَاة فجَاء ت الْأسد وحركت ذنبها حَتَّى اجْتمع إِلَيْهِ مَا كَانَ فِي ذَلِك الْبَيْت من الْأسد وَجعلت تلحسه بألسنتها وَهُوَ يُصَلِّي وَلَا يُبَالِي فَلَمَّا أصبح مَرْوَان قَالَ مَا فعل بزاهدنا قَالَ ألقِي بَين يَدي الْأسد قَالَ أنظروا هَل أَكلته فَجَاءُوا فوجودوا الْأسد قد أستأنسوا بِهِ فتعجبوا من ذَلِك فأخرجوه وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخَلِيفَة فَقَالَ لَهُ مَا كنت تخَاف مِنْهُم قَالَ لَا كنت مَشْغُولًا متفكرا طول اللَّيْل لم أتفرغ إِلَى خوفهم قَالَ بِمَاذَا تفكر قَالَ هَذِه الْأسد وحوش وَقد جَاءُوا إِلَيّ يلحسون ثيانبي بألسنتها كنت أتفكر أَن لُعَابهَا طَاهِر أم نجس فتفكري هَذَا مَنَعَنِي عَن الْخَوْف مِنْهَا فتعجب مِنْهُ وخلى سَبيله
فَإِن قيل مَا ذكرْتُمْ وَأَن دلّ على فَضِيلَة الاحتساب وَلَكِن عندنَا مَا يأباه بَيَانه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ تعلق قوم بِظَاهِر هَذِه الْآيَة فِي ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَرَأَوا فِيهَا رخصَة فِي ترك فرضين من فروض الدّين وَلم يعرفوا تَأْوِيل الْآيَة وأقوال الصَّحَابَة ﵃ فِيهِ وبيانها وَاجِب ومعرفتها فَرِيضَة وَقد مدح الله تَعَالَى فِي كِتَابه الصَّالِحين بِهِ وَجعله الْمقَام الْأَعْلَى من مقَام التائبين بست
[ ٢٠٩ ]
درحات لقَوْله تَعَالَى التائبون والعابدون إِلَى قَوْله ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ والدلائل فِيهِ من الْكتاب وَالسّنة بأَمْره مُتَعَدد يُمكن إِنْكَاره فَلَا تعَارض بَين هَذِه الْآيَة وَبَين مَا ذكرنَا من وُجُوه
أَحدهَا أَن من شَرط التَّعَارُض التَّسَاوِي فِي الشَّرْط والاطلاق بَين الحجتين فقولنا النَّهَار مَوْجُود لَا يناقص قَوْلنَا النَّهَار لَيْسَ بموجود إِذا غربت الشَّمْس وَهَذِه الْآيَة مَشْرُوطَة بِشَرْط الاهتداء بقوله تَعَالَى إِذا اهْتَدَيْتُمْ فَكَانَ عدم الضَّرَر بلزم النَّفس شُرُوطًا بِشَرْط الأهتداء وَمن الاهتداء مُتَابعَة الدَّلَائِل الدَّالَّة على فَرضِيَّة الْحِسْبَة
وَالثَّانِي إِن قَوْله من ضل لَا يتَنَاوَل الْمعْصِيَة لِأَن الضلال على الاطلاق هُوَ الْكفْر لِأَن الْمُسلم مهتد وَإِن أقترف ذَنبا فَكَانَ المُرَاد هُوَ الْكَافِر لَا يكون هَا هُنَا إِلَّا ذِمِّيا وَالذِّمِّيّ لَا يتَعَرَّض لَهُ لبذله الْجِزْيَة فَكَانَت هَذِه الأية ساكتة عَن الاحتساب فِي حق الْمُسلمين كَيفَ وَأَن السِّيَاق وَهُوَ تَحْرِيم الْبحيرَة والسائبة نَازل فِي الْكفَّار
وَالثَّالِث وَهُوَ أَنه لَا تعَارض بَينهمَا لاختلافهما فِي الْوَقْت فَإِن مَا ذكرنَا من الْآيَة وَارِدَة حَال قُوَّة الدّين وَغَلَبَة المهتدين وَهَذِه الْآيَة حَال ضعف الدّين
[ ٢١٠ ]
وَغَلَبَة المفسدين مَا رَوَاهُ ثَعْلَبَة الْخُشَنِي عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا يثبت التَّعَارُض مَعَ إختلاف الْوَقْت بَين الحجتين وَلَا يُقَال التَّقْيِيد لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد لأَنا نقُول الاحتساب مَشْهُور فِي الصَّحَابَة خطب أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ إِنَّكُم تأولون هَذِه الْآيَة وَقَرَأَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل﴾ الْآيَة وَأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن النَّاس إِذا عمل فيهم بِالْمَعَاصِي وَلم يُغيرُوا أوشك أَن يعمهم الله تَعَالَى بعقابه فَأخْبر أَنه لَا رخصَة فِيهَا وَجَاء رجل إِلَى عمر ﵁ وَقَالَ إِنِّي لأعمل بأعمال الْبر كلهَا إِلَّا خَصْلَتَيْنِ قَالَ وَمَا هما قَالَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ لقد طمست سَهْمَيْنِ من سِهَام الْإِسْلَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى غفر لَك وَإِن شَاءَ عذبك وَعَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قيل لَهُ لَو جَلَست فِي هَذِه الْأَيَّام لَا تَأمر وَلَا تنهي وَذكر الْآيَة فَقَالَ أها لَيست لي وَلَا لَا صَحَابِيّ لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَنحن الشاهدون وَلَكِن هَذِه الأقوام يجيئون من بعدِي إِن قَالُوا لم يضل مِنْهُم وَعَن عبد الله ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن بني إِسْرَائِيل لما وَقع فيهم النَّقْص جعل الرجل يرى أَخَاهُ يرى أَخَاهُ على الذَّنب فينهاه عَنهُ ثمَّ يلقاه من الْغَد فَلَا يمنعهُ مَا يرى مِنْهُ بِأَن يكون خليطه وأكيله وشريبه فَضرب الله تَعَالَى قُلُوب بَعضهم بِبَعْض فَنزلت فيهم ﴿لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد﴾ إِلَى
[ ٢١١ ]
قَوْله ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا بيد الظَّالِم فتناصروه على الْحق وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ ذَات يَوْم للنَّبِي مَتى يتْرك النا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وهما سيد الْأَعْمَال قَالَ إِذا أَصَابَهُم مَا أصَاب بني إِسْرَائِيل قَالَ قلت وَمَا أصَاب بني إِسْرَائِيل قَالَ إِذا كَانَت المداهنة فِي خياركم فداهنوا فجاركم وَجَاء الْملك فِي صغَار كم وَالْفِقْه فِي أشراركم فَعِنْدَ ذَلِكُم تلبسكم فتْنَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ قيل أَو قلت يَا رَسُول الله تخسف الأَرْض وفيهَا الصالحون قَالَ نعم بأدهانهم وسكوتهم عَن أهل الْمعاصِي وَعَن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِن أُنَاسًا من أمتِي يحشرون من قُبُورهم على صُورَة القردة والخنازير بِمَا كَانُوا داهنوا النَّاس وآكلوهم وشاربوهم وجالسوهم وَعَن أبن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر قَالَ مَالك بن دِينَار قَرَأت فِي الزبُور من كَانَ
[ ٢١٢ ]
لَهُ جَار يعْمل بِالْمَعَاصِي فَلم يَنْهَهُ فَهُوَ شَرِيكه
وَفِي شرعة الْإِسْلَام وَأعظم الْوَاجِب على من يخالط النَّاس الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا ينفع عمل لله تَعَالَى مَعَ ترك الْغَضَب لله تَعَالَى قَالَ بِلَال بن سعد إِن الْمعْصِيَة إِذا أخفيت لم تضر إِلَّا صَاحبهَا وَإِذا أعلنت أضرت الْعَامَّة وَكَانَ الثَّوْريّ رَحمَه الله تَعَالَى إِذا رأى الْمُنكر وَلَا يَسْتَطِيع أَن يُغَيِّرهُ بَال دَمًا فَحق على كل مُسلم أَن يكون فِي الحمية والغيرة والصلابة بِهَذَا الْمَكَان ويغتنم الْكَلِمَة الْحق عِنْد الْأَمِير الجائر فَإِنَّهَا من أفضل الْجِهَاد وَدخل عبد الرَّحْمَن على الْحجَّاج فَقَالَ يَا حجاج فَلَا يسرف فِي الْقَتْل أَنه كَانَ منصورا قَالَ الْحجَّاج لأسقين الأَرْض من دمك قَالَ مَا فِي بطن الأَرْض خير مِمَّا على ظهرهَا قَالَ لاذيقنك الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر فَقَالَ لَو علمت يَا حجاج أَنَّك تقدر على ذَلِك لعبدتك من دون الله تَعَالَى
رُوِيَ بِأَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْمَلَائِكَة أَن عذبُوا قَرْيَة كَذَا قَالَ فصاحت الْمَلَائِكَة إِلَى رَبهم قَالُوا يَا رب أَن فيهم عَبدك فلَانا العابد قَالَ الله تَعَالَى سمعوني ضجيجه فيهم فَإِن وَجهه لم يتَغَيَّر غَضبا لمحارمي وَقَالَ رجل لِقَتَادَة أَنِّي أَرَاك تقع فِي أهل الْأَهْوَاء فَلَا آمن عَلَيْك أَن يُقَاتِلُوك فيقتلوك فَقَالَ أما أَنَّك قد
[ ٢١٣ ]
نصحتني فَلَا بُد لي أَن أكافيك إِذا هم قتلوني فَمَا بَقِي من أَجلي فَهُوَ لَك وَمَا بَقِي من رِزْقِي فَهُوَ عَلَيْك صَدَقَة وَقَالَ ﵇ أَيّمَا قوم حَضَرُوا ظَالِما بظُلْم فَلم يَقُولُوا لَهُ جَمِيعًا ظلمت يعمهم الله تَعَالَى بعذابه وخطب مُعَاوِيَة يَوْمًا على مِنْبَر دمشق فَقَالَ أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالشَّام فَإِنَّهَا الأَرْض المقدسة ومنازلهم الْأَنْبِيَاء وَأَرْض الْمَحْشَر والمنشر أَيهَا النَّاس لَا تمنعوا موتى فَأَنِّي لكم جنَّة وَالله لَو ولد أَبُو سُفْيَان النَّاس كَانُوا كلهم حلماء أما من أحد مِنْكُم من يجيبني فَقَامَ صعصعه فَقَالَ أما قَوْلك عَلَيْكُم بِبِلَاد الشَّام فَإِنَّهَا الأَرْض المقدسة فَإِن الأَرْض لَا تقدس النَّاس بل أَعْمَالهم تقدسهم وَأما قَوْلك أَرض الْمَحْشَر والمنشر فَإِن الْمَحْشَر لَا يبعد عَن الْمُؤمن وَلَا يقرب الْكَافِر وَأما قَوْلك منَازِل الْأَنْبِيَاء فلعمري من نزل منَازِل الْأَنْبِيَاء لَا يدْخل مداخلهم فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا يدْخل مداخلهم من عمل بأعمالهم وَأما قَوْلك لَو ولد أَبُو سُفْيَان النَّاس كَانُوا كلهم حلماء فقد ولد من هُوَ خير من أبي سُفْيَان النَّاس وَفِيهِمْ الْحَلِيم وَالسَّفِيه وَأما قَوْلك إِنِّي لكم جنَّة فَكيف إِذا احترقت الْجنَّة وعطلت السّنة وَاخْتلفت الألسن فَقَالَ مُعَاوِيَة لحقت بِوَجْهِك فِي النَّار قَالَ فَمن ذَلِك
[ ٢١٤ ]
أقرّ قَالَ لَا أَرض لَك إِنَّك كَائِن هَهُنَا قَالَ إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده فَقَالَ مُعَاوِيَة لأسيرنك فِي الْبِلَاد ولأحمينك عَن الرشاد قَالَ إِذا أجد فِي الأَرْض سَعَة وَفِي مفارقتك درعة
وَذكر فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة رجل سمى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ الغوغاء إِن قَالَ ذَلِك على وَجه الرَّد والانكار يخَاف عَلَيْهِ الْكفْر وَكَذَا لَو قيل لرجل لَا تَأمر بِالْمَعْرُوفِ قَالَ مراجة كارست وَقيل لرجل فلانرا أَمر مَعْرُوف كن فَقَالَ مرا أوجه كروه است فَقَالَ مرا أزَوجهُ آزاراست أَو قَالَ مرا أورارواست أَو قَالَ من عافيت كزيده أم أَو قَالَ مراباني فُضُولِيّ جه كار وَالله تَعَالَى أعلم
[ ٢١٥ ]
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ