وَالْفرق بَين الْحَد وَالتَّعْزِير من وُجُوه
[ ١٠٣ ]
أَحدهَا أَن الْحَد مُقَدّر شرعا وَالتَّعْزِير مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام
وَالثَّانِي أَن الْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ وَالتَّعْزِير يجب مَعَ الشُّبُهَات
وَالثَّالِث أَن الْحَد لَا يشرع على الصَّبِي وَالتَّعْزِير يشرع عَلَيْهِ
وَالرَّابِع أَن الْحَد يُطلق على الذِّمِّيّ إِذا كَانَ مُقَدرا وَالتَّعْزِير لَا يُطلق عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُسمى عُقُوبَة لِأَن التَّعْزِير شرع للتطهير وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل التَّطْهِير وَإِنَّمَا يُسمى فِي حق أهل الذِّمَّة إِذا كَانَ غير عُقُوبَة من مَبْسُوط شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ فِي بَاب أَحْكَام أهل الذِّمَّة ولوجوب التَّعْزِير أَسبَاب
[ ١٠٤ ]
مِنْهَا رجل لَهُ غَرِيم جَاءَ إِنْسَان وانتزعه من يَده يُعَزّر وَلَكِن لَا ضَمَان عَلَيْهِ أما التَّعْزِير فَلِأَنَّهُ جنى وَأما عدم الضَّمَان فَلِأَنَّهُ لم يتْلف المَال وَفِي الْخَانِية لَو قَالَ أَنا لَا أعمل بفتوى الْفُقَهَاء أَو لَيْسَ كَمَا قَالَ الْعلمَاء فَإِنَّهُ يُعَزّر وَلَا يكفر وَالتَّعْزِير يثبت مَعَ الشُّبْهَة وَلِهَذَا يسْتَخْلف فِيمَا يُوجب التَّعْزِير وَيحكم فِيهِ بِالنّكُولِ من شرح أدب القَاضِي للخصاف وَذكر فِي الذَّخِيرَة قَالَ أَبُو حنيفَة رَحْمَة الله تَعَالَى لَا يبلغ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَقَالَ أَبُو
[ ١٠٥ ]
يُوسُف لَا يبلغ بِهِ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَن ابي يُوسُف بعد ذَلِك قَالَ فِي رِوَايَة بِضَرْب إِلَى تِسْعَة وَسبعين سَوْطًا وَقَالَ فِي رِوَايَة إِلَى خَمْسَة وَسبعين وَالْأول أصح وَقَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْكتب مُضْطَرب ذكر فِي بعض الْمَوَاضِع مَعَ أبي حنيفَة وَفِي بَعْضهَا مَعَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَاعْلَم بِأَن التَّعْزِير قد يكون بِالْحَبْسِ وَقد يكون بالصفع وتفريك الْأذن وَقد يكون بالْكلَام العنيف وَقد يكون بِالضَّرْبِ وَعَن أبي يُوسُف أَن التَّعْزِير
[ ١٠٦ ]
من السُّلْطَان بِأخذ المَال جَائِز فِي غير حد وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه لَا يبلغ بِهِ الْحَد قَالَ رَسُول الله ﷺ من بلغ حدا فِي غير حد فَهُوَ من الْمُعْتَدِينَ وَبعد هَذَا اعْتبر أَبُو حنيفَة حد العبيد وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَوْطًا فَقَالَ ينقص عَنهُ سَوط وَيضْرب تِسْعَة وَثَلَاثِينَ سَوْطًا وَأَبُو يُوسُف اعْتبر حد الْأَحْرَار وَذَلِكَ ثَمَانُون سَوْطًا وَقَالَ ينقص عَنهُ سَوط وَيضْرب تِسْعَة وَسبعين على أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي أقْصَى التَّعْزِير وَأما أدناه فَهُوَ مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام يُقيم بِقدر مَا يرى الْمصلحَة فِيهِ قَالَ العَبْد ذكر فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي بردة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يجلد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى
[ ١٠٧ ]
فَهَذَا يدل على أَنه لَا يجوز الزِّيَادَة على الْعشْرَة وَلَكِن أَجمعُوا على أَنه يجوز فَكَانَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ أولى
وتسخيم الْوَجْه لَا يجوز لِأَنَّهُ مثله فَإِن قيل رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سخم وَجه شَاهد الزُّور فَنَقُول عساه رأى مِنْهُ مصلحَة خَاصَّة من شرح الْمَنْظُومَة فِي شرح مَسْأَلَة شُهُود الزُّور وَأما مَا اعتاده أهل الْحِسْبَة من إطافة السوقيين بعد تَحْقِيق جنايتهم وخيانتهم فأصله مَا ذكر فِي شرح أدب إطافة السوقين بعد تَحْقِيق جنايتهم وخيانتهم فأصله مَا ذكر فِي شرح أدب القَاضِي للخصاف أَن شَاهد الزُّور يُطَاف بِهِ ذكره فِي الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ