لم تحظ القرينة بالاتفاق على صلاحيتها كدليل لبناء الأحكام القضائية إلا أنه بالرغم مما يبدو لنا من خلاف حول تحكيم القرائن في فصل النزاع القضائي، فإن جميع المذاهب لا تخلو من إعمال القرائن في بعض المسائل حتى ولو كان ذلك تحت ستار العرف والعادة. ولكن هذا التحكيم للقرائن يختلف من مذهب لآخر، فيتسع مداه لدى فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ويتوسط لدى الحنفية ويضيق عند فقهاء الشافعية والظاهرية.
وقبل أن نعرض أمثلة توضح أخذ المذاهب المختلفة بالقرائن نطرح أولا أدلة الفريقين، القائلين بتحكيم القرائن والمانعين لها.
أدلة القائلين بالقرينة:
أولا: القرآن الكريم:
لعل من نافلة القول أن نذكر أنه ليس في القرآن الكريم نص قطعي الدلالة على اعتبار القرينة في الأحكام أو عدم اعتبارها، ولكن القائلين بالقرينة قد استنبطوا اعتبارها بدلالة ظنية لبعض النصوص في القرآن الكريم ورأوا جواز الأخذ بها.
والآيات التي استنبط منها الفقهاء جواز الأخذ بالقرينة في الأحكام هي:
(١) قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . (يوسف: (١٨) .
(٢) قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم﴾ . (يوسف: ٢٦- ٢٨) .
[ ٦٢ / ١٢٩ ]
ومحل الاستدلال الوارد في هذه الآيات ما ذكره المفسرون من أنّ يعقوب -﵇- استدل بقرينة سلامة القميص من التمزيق عَلى كذب دعوى إخوة يوسف﵇ - بأن الذئب قد أكله، وكذلك استدل الشاهد بقرينة قدّ القميص من دبر على كذب امرأة العزيز وبراءة يوسف﵇-.
ونرى الآن منهجهم في استنباط حكم القرينة من هذه الآيات.
الشاهد الأول:
يقول ابن العربي المالكي عن قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ ﴾ الآية: "فيها ثلاث مسائل- نذكر منها:
المسألة الأولى: إنما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم فروي في الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التلبيب. والعلامات إذا تعارضت تعيَّن الترجيح، فيقضى بجانب الرجحان وهي قوة التهمة لوجوه تضمنها القرآن، منها طلبهم إياه شفقة ولم يكن من فعلهم ما يناسبها فيشهد بصدقها بل كان سبق ضدها وهي تبرمهم، ومنها أن الدم يحتمل أن يكون في القميص موضوعًا، ولا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من تخريق، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات (العلامات) وتعارضها.
المسألة الثانية: القضاء بالتهمة إذا ظهرت كما قال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ولا خلاف في الحكم بالتهمة، وإنما اختلف الناس في تأثير أعيان التهم"١.
ومن ذلك أيضا قول القرطبي في تفسيره "استدل فقهاؤنا بهذه القرينة على إعمال الأمارات في مسائل الفقه كالقسامة وغيرها وأجمعوا على أنّ يعقوب -﵇- استدل على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب عَلى الناظر أن يلحظ الأمارات والعلاقات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهى قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها"٢.
_________________
(١) ١ أحكام القرآن ٣/ ١٠٦٥. ٢ تفسير القرطبي ٩/ ١٥٠.
[ ٦٢ / ١٣٠ ]
الشاهد الثاني:
إنه لما نشب النزل بين يوسف -﵇- وامرأة العزيز التي قذفته بما قذفته من إرادة الفاحشة، قال يوسف -﵇- مكذبا لها، ودفعا لما نسب إليه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ فعند ذلك جاء دور الشاهد الذي وصفه القرآن الكريم بأنه من أهلها والذي فصل الخطاب بما ذكره من القرائن التي بان بها الحق وانفض بها النزاع.
والقرائن التي ذكرها الشاهد هي أنه إذا كان قميص يوسف قدّ من القبل فالمرأة صادقة في دعواها بأنه هو الذي أرادها، أما إذا كان قدّ من دبر فهي كاذبة ويوسف بريء من التهمة. والحاصل أن القميص قدّ من دبر، وهذا دليل إدباره عنها وهو دليل براءته١.
وقد يعترض على العلامة المذكورة إذ أنها لا تدل قطعا على براءة يوسف - ﵇ - لاحتمال أن الرجل قصد المرأة بطلب الفاحشة فغضبت عليه المرأة فعدت خلفه لتضربه، فعلى هذا الوجه قد يتمزّق القميص من دبر، والمرأة بريئة من الذنب.
وأجيب على هذا الاعتراض بأن القرائن كانت كثيرة وكفيلة بصرف هذه التهمة عنه، أما القرينة المذكورة في الآية إنما جاءت دليلا مرجحا ومقويا لتلك القرائن، ومن هذه القرائن التي ذكرها المفسرون أن يوسف - ﵇- كان عبدا في ظاهر الأمر والعبد لا يمكن أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، كما أنهم رأوا أن المرأة زيّنت نفسها على أكمل الوجوه، ولم يكن على يوسف -﵇- آثارًا للتزين. ثم إنّ أحوال يوسف -﵇- في المدة الطويلة تدل على براءته إذ لم يروا منه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر وذلك مما يقوى الظن. وقيل: إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة٢.
فلما حصلت هذه الأمارات الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كانت من المرأة استحى الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف هو الصادق والمرأة كاذبة، أظهر الله ليوسف دليلا يقوي تلك الدلائل فجاءت تلك القرينة على لسان الشاهد.
كما اعترض على هذه القرينة من ناحية الشاهد المذكور، فقد اختلفوا فيه فقيل: "إنه كان ابن عم المرأة وكان حكيما يستشره الملك"، وقيل: "إنه طفل تكلّم في المهد". فقالوا: إن كان
_________________
(١) ١ أحكام القرآن٣/١٠٧٣، تفسير الطبري ١٢/ ١١٦، تفسير الرازي ٥/ ١٧٩. ٢ تفسير الرازي ٥/ ١٧٩، تفسير الخازن ٣/١٦.
[ ٦٢ / ١٣١ ]
الشاهد طفلا تكلم في المهد لا يكون في الآية دليل على إعمال الأمارات إذ أن الدليل هو كلام الصبي في مهده.
وقد دفع هذا الاعتراض بأنه يستبعد أن يكون الشاهد صبيا بل كان رجلا حكيما وهو الذي يناسب سياق الآية، فلو أنطق الله الطفل لكان كافيا قوله: "إنها كاذبة" ولما احتاج إلى نصب العلامة، ثم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ليكون أولى بالقبول في حق المرأة ولو كان صبيا لا يتفاوت الحال كونه من أهلها أو من غير أهلها. كما أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا لمن تقدمت معرفته بالواقعة وإحاطة بها١.
وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي، ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص٢
وهناك اعتراض ثالث هو أن هذه الآية تبيِّن شرع السابقين وشرع من قبلنا لا يلزمنا.
وقد أجيب على هذا الاعتراض بالأدلة التي يحتج بها مثبتو العمل بشرع من قبلنا إذا لم يرد دليل على نسخه عنا.
ثانيا: السنة الشريفة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم:
كذلك احتجّ القائلون بالقرينة في الأحكام بآثار كثيرة وردت عن النبي ﷺ وصحابته، ومن هذه الآثار:
(١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: "إنما ذهب بابنك "، وقالت الأخرى: "إنما ذهب بابنك"، فتحاكمتا إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينكما"، فقالت الصغرى: "لا تفعل يرحمك الله هو ابنها "، فقضى به للصغرى"٣.
فاستدل بقرينة رضا الكبرى أن يشقّه نصفين وعدم شفقتها عليه أنه ليس ابنها، بينما أشفقت الصغرى وامتنعت عن الدعوى حتى لا يذهب الطفل، فهذا يدل على أنه ابنها إذ أن الله أودع في قلوب الأمهات الشفقة على أبنائهن.
_________________
(١) ١ روح المعاني ١٢/ ٢٢٢، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٧١، والكشاف بهامشه الانتصاف ٢/٩٣. ٢ أحكام القرآن لابن العربي٣/١٠٧٣، تبصرة الحكام لابن فرحون٢ /٩٣. ٣ صحيح البخاري ٤/ ١٠٤ "كتاب الفرائض ".
[ ٦٢ / ١٣٢ ]
(٢) ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أردت السفر إلى خيبر، فقال لي رسول الله ﷺ: "إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته"١.
فأقام العلامة مقام الشهادة.
(٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها؟ " قال: "إذنها صماتها". أو قال: "أن تسكت"٢.
فجعل ﵊ صماتها قرينة على الرضا.
(٤) أنه ﷺ حينما صالح يهود خيبر كان لحي بن أخطب مال كثير فأخفوه عن النبي ﷺ، فسألهم عنه؟ فقال ابن أبي الحقيق عم حيّ ابن أخطب: "أذهبته الحروب والنفقات"، فقال ﷺ: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، ثم دفعه إلى الزبير فضربه حتى أقر بمكان المال٣. فيظهر اعتماده ﷺ على الأمارات وشواهد الحال قرب العهد وكثرة المال.
(٥) عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: "عرِّفها سنة ثم اعرف وكاءها ووعاءها وعفاصها ثم استنفع بها فإن جاء ربها فأدها إليه"٤. فأمر رسول الله ﷺ الملتقط أن يدفع اللقطة إلى صاحبها بمجرد الوصف لأن وصفه لها بما يطابق الواقع قرينة على ملكيته.
(٦) أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل قال لهم رسول الله ﷺ: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: "لا". قال: "فأرِياني سيْفيكُمَا"، فلما نظر فيهما قال لأحدهما: "هذا قتله وقضى له بسلبه" ٥.
(٧) أنه ﷺ حكم بالقافة وجعلها من أدلة ثبوت النسب وليس فيئها إلا مجرد العلامات والأمارات٦.
_________________
(١) ١ سنن أبى داود ٣/ ٣٥١. ٢ صحيح البخاري كتاب "النكاح " ٣/٢٠٧. ٣ السيرة النبوية لابن هشام ٣/٣٣٧. قال في فتح الباري: "أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات ". انظر فتح الباري ٧/ ٣٨٦. ٤ رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح" سنن الترمذي٦/١٧٣. ط. الصاوي- مصر. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٦٢. ٦ القافة جمع قائف كبائع وباعة وهو من يعرف النسب بالشبه. وفى الصحيحين أن مجززا المدلجي رأى أسامة-
[ ٦٢ / ١٣٣ ]
(٨) حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ برجم المرأة التي ظهر حملها ولا زوج لها ولا سيد. كما ورد في المتفق عليه قوله في شأن الرجم: "وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"١.
(٩) كذلك ما ورد في الموطأ وكذلك عن مسلم عن عمر وعثمان وابن مسعود -رضوان الله عليهم - بحد من وجدت منه رائحة الخمر٢.
هذا نزر قليل من الأدلة الكثيرة التي أوردها مثبتو العمل بالقرائن في القضاء راعيت في اختياره قوة الثبوت ووضوح الدلالة، ولنقف الآن قليلا مع أدلة المانعين لإعمال القرائن في بناء الأحكام القضائية.
أدلة المانعين:
تتركز حجة هؤلاء في خطورة الأخذ بالقرائن لما يحوطها من الاحتمالات من شأنها أن تؤدي إلى القصاص من متهم بريء، أو إنزال العقوبة على شخص لا يستحق العقاب.
ومن الآثار الواردة في هذا المعنى:
(١) ما روي أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي ﵁ فقال: "أنا قتلته"، قال علي: "اذهبوا به فاقتلوه"، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعًا، فقال: "يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي"، فردوه، فقال الرجل: "يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته" فقال علي للأول: "ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟ " قال: "يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت ألا يقبل مني وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله"، فقال علي: "بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟ " قال: "إني رجل قصاب وخرجت إلى حانوتي في الغلس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت
_________________
(١) وزيدا قد غطيا رءوسها وبدت أقدامها فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض "، فسُرّ رسول الله -ﷺ- لكون المشركين كانوا يشككون في نسبهما لاختلاف لونيهما. انظر البخاري (باب الفرائض) ٣/ ١٣٩، مسلم بشرح النووي١٠/ ٤٢. ١ بلوغ المرام مع سبل السلام ٤/٨. ٢ الموطأ مع المنتقى ٣/١٤٢. ط. السعادة. مصر، وانظر صحيح مسلم مع شرح النووي١١/٢١٦.
[ ٦٢ / ١٣٤ ]
خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: "هذا قتل هذا ما له قاتل سواه"، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه"، فقال علي للمقر الثاني: "فأنت كيف قصتك؟ " فقال: "أغواني الشيطان فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق". فقال للحسين ﵁: "ما الحكم في هذا؟ " قال: "يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ " (المائدة:٣٢) فخلّى عليّ عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال"١.
وقد وقع نظير تلك القضية في عهده -ﷺ- إلا أنها ليست في القتل.
عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها فقال: "أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر"، فأتوا به النبي ﷺ فقال الرجل: "إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني"، فقالت: "كذب، هو الذي وقع عليَّ "، فقال رسول الله ﷺ: "انطلقوا به فارجموه"، فقام رجل فقال: "لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل" واعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ: الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال: "أما أنت فقد غفر لك"، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر ﵁: "أرجم الذي اعترف بالزنا"، فأبى رسول الله ﷺ وقال: "لا. لأنه قد تاب"، وفي رواية فقالوا: "يا رسول الله أرجمه"، فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم"٢.
وعند الترمذي أمر برجمه، فقال: "ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم"٣.
مما لا شك فيه أن هذين الأثرين يوهنان الأخذ بالقرينة ويفتان في عضد الاحتجاج بها ويقويان شبهة المانعين للعمل بها من حيث أن شواهد الحال كثيرا ما تكذب، وأن الأمر قد
_________________
(١) ١ الطرق الحكمية ص ٦٧. ٢ الحديث رواه أبو داود في سنه ٤/٢٣٣ مع حاشيته عون المعبود. ٣ سنن الترمذي٦/٢٣٦.
[ ٦٢ / ١٣٥ ]
يكون خلاف ما دلت عليه القرائن الظاهرة، فلو أخذنا بها لذهبت دماء وأموال لمجرد الاحتمال. غير أنه لا يفوتنا في هذه المقام أن نورد ما ذكره الإمام ابن القيم﵀- عن هذين الأثرين.
يقول ابن القيم عن القضية التي عرضت على أمير المؤمنين علي﵁-: "وهذا إن كان صلحا وقع برضا الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، وبعد فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي"١.
رأي ابن القيم: أن القصاص قد وجدت موجباته فليس هناك ما يمنع استيفاءه، اللهم إلا أن يكون قد تم ذلك برضاء الأولياء، فكأنه يرى نقصان الرواية لكونها لم تبين وجه عدول أمير المؤمنين علىّ عن استيفاء القصاص.
أما الحديث الثاني فيقول عنه: "وهذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب في متنه"، ويقصد بالاضطراب في المتن ورود رواية بعدم رجم الذي اعترف بالزنا، ورواية الترمذي أنه أمر برجمه. قال ابن القيم: "إن الراوي إما أن يكون قد جرى على المعتاد برجم المعترف، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا، فوهم وقال: إنه أمر برجم المعترف. ثم بين أن الذين رجمهم رسول الله ﷺ معروفون، ولم يكن هذا من بينهم. والظاهر أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا عند رسول الله ﷺ ولم يرجمه، وعلم أن من هديه رجم الزاني فقال: "وأمر برجمه".
وبعد أن بيّن ابن القيم - ﵀- هذا الاضطراب في متن الحديث، ووهّم أحد رواته ذكر أن القرائن في هذا الحديث مع أنها دلت على خلاف الواقع، إلا أن الرسول ﵊ قد حكّم القرائن أيضا، وإلا فكيف أمر رسول الله -ﷺ- برجم المتهم الذي كان مغيثا للمرأة مع عدم إقراره ولم تقم شهادة على رؤية الزنا. قال: "فيقال: - والله أعلم- إن هذا مثال إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: "هو هذا" وهذا لوث ظاهر، وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة ولما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد أربعة بزنا المرأة لم يحكم برجمها إذا ظهر أنها عذراء أو ظهر كذبهم"٢
_________________
(١) ١ الطرق الحكمية: ٦٧. ٢ المرجع السابق: ص٧٠- ا ٧.
[ ٦٢ / ١٣٦ ]
يتبين من هذا أن الإمام ابن القيم يرى أن هذين الأثرين لا يمنعان العمل بالقرينة، إنما يؤيدان الحكم بالقرائن إذ أنه ﵇ أمر برجم الرجل الذي وجد عند المرأة وادّعى إغاثتها وليس هناك ما يدعوه إلى إصدار هذا الحكم بالرجم إلا القرائن الظاهرة. ويرى ابن القيم أن في هذا الحديث تأييدًا لمذهبه القاضي بإعمال القرائن في إثبات الحدود.
[ ٦٢ / ١٣٧ ]