إذا كنا قد تناولنا آراء الفقهاء في كتابة الديون من حيث الوجوب وعدمه، ورأينا أن البعض يرى الوجوب والبعض الآخر يرى نسخ الوجوب، والجمهور يرى ندب الكتابة من غير نسخ، فهل تكفي الكتابة دليلا في الإثبات، وما قيمة السند المكتوب وما مدى حجيته
[ 63 - 64 / ١١١ ]
على ما دُوِّن فيه؟ وهل يحكم القاضي بما هو مسطور في السند متى ما رفع إليه سند يتضمن حقا من الحقوق وليس عليه أن يقبل أي طعن في صحته وصحة ما حمله السند؟.
لاشك أن الكتابة المشار إليها في الآية الكريمة أصبحت مستندا خطيا لأن المكتوب يحوي إقرارا بما تضمنه السند موقعا عليه من المدين المقر وبشهادة كاتب السند أو الشهود الذين وقعوا على صحة إقرار المدين بالسند وعليه فإن حجية السند هنا تأتي من توقيع المقر والإشهاد فقويت دلالته على الحق، ولاشك أن الفقهاء عاملوا الإقرار بالكتابة معاملة الإقرار باللسان سواء بسواء.
غير أننا نلاحظ خلافا بين الفقهاء في قبول الكتابة كدليل إثبات للحقوق، والذي يبدو لي من أغلب عباراتهم أنهم يقصدون المكتوب الذي لم يشهد عليه كإقراره بدين أو بحق لآخر بخط يده، أو كتابته لهبة لم يشهد عليها، وكذلك الأوراق التي لا تصدر من جهة رسمية، فإن بعض الفقهاء يرون أن مثل هذه المكاتيب لا يثبت القاضي بها ما تضمنته من حقوق لعدم تيقن صدورها من المنسوبة إليه ولإمكان تزوير الخطوط.
وقد أبرز ابن القيم ﵀ هذا الخلاف في كتابه الطرق الحكمية في فصل (الطريق الثالث والعشرون- الحكم بالخط المجرد) ومن أقواله في ذلك:
"أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه والعمل به فقد اختلف في ذلك، فعن أحمد ثلاث روايات، إحداهن: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه وإن لم يذكره، والثانية: أنه لا ينفذه حتى يذكره، والثالثة: أنه إذا كان في حرزه وحفظه نفذه وإلا فلا".
"والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يعتمد على الخط لا في الحكم ولا في الشهادة، وفى مذهبه وجه آخر أنه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظا عنده كالرواية الثالثة عن أحمد".
"وأما مذهب أبي حنيفة، فقال الخفاف، قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظه- كإقرار الرجل بحق من الحقوق- وهولا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنه لا يحكم بذلك ولا ينفذه حتى يذكره".
"وأما مذهب مالك فقال في الجواهر: لا يعتمد على الخط إذا لم يذكره لإمكان التزوير عليه".
"وقال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها أو أعلم بها أحدا، هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد
[ 63 - 64 / ١١٢ ]
عرف خطه وكان مشهور الخط فإنه ينفذ ما فيها".
"قال القاضي: وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة لأنها عمل، والشهادة على العمل طريقها الرؤية".
"وأجاز مالك الشهادة على الخطوط وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط، وقال الطحاوي خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله شذوذا"١.
يظهر من هذا النقل أن بعض الفقهاء يتحرجون من الإثبات بالكتابة ويرون أنها لا تصلح دليلا يعتمد عليه، وكما قدمت أن الشبهة التي يعتمد عليها هذا الفريق من الفقهاء في رد الدليل الكتابي هي تشابه الخطوط وإمكان محاكاتها وتزويرها، ولذا يجب على القاضي ألا يبني حكمه على مجرد الخط. ولعل هؤلاء يدور بخلدهم قصة عثمان ﵁ والفتنة التي أدت إلى مقتله، فإن المتسببين في قتله- كما يحكي لنا التاريخ الإسلامي- قد صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه فكان ما كان.
غير أن أدلة هؤلاء المانعين للإثبات بالكتابة تضعف تماما أمام الحجج الواضحة التي أوردها المجيزون للإثبات بالكتابة والتي تقوم- زيادة على ما قدمنا من ندب الله ﷿ لكتابة الديون بسبب القرض أو بسبب عقد مالي- على:
أولًا: أن النبي ﷺ كان يبعث بكتبه ورسائله إلى الملوك وغيرهم وتقوم بها حجته، وفى الجامع للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قالوا: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة كأني أنظر إلى وبيصه ونقشه محمد رسول الله٢.
ثانيا: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" ٣.
قال ابن القيم: "ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة"٤.
_________________
(١) ١ الطرق الحكميه ص ٢٩٩- هـ ٣٠. ٢ صحيح البخاري٤/٢٣٧ (كتاب الأحكام- باب الشهادة على الخط) . ٣ صحيح البخاري ٣/ ١٢٤ (كتاب الوصايا) . ٤ الطرق الحكمية ص ٣٠١.
[ 63 - 64 / ١١٣ ]
ثالثا: كُتُب النبي ﷺ إلى أهل خيبر: "إما أن يدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب"١.
رابعا: إجماع أهل الحديث على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده وجواز التحديث به، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشذوذ٢.
خامسا: اعتماد فقهاء هذه الأمة وأئمتها على الكتابة في حفظ السنة والفقه، وقد تقدم قول ابن القيم في ذلك.
وفي نظري أن هذا القول هو الصواب وهو الأرفق بالناس في معاملاتهم وأقضيتهم ولأن الكتابة تدل على المقصود كدلالة الألفاظ، ولأن هذا القول هو الذي أختاره حذاق الأئمة كما هو ظاهر من النقول.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري٤/٢٣٧ (كتاب الأحكام- باب الشهادة على الخط) . ٢ الطرق الحكمية ص ٣٠١، وأنظر المستصفى للغزالي ١/١٦٦.
[ 63 - 64 / ١١٤ ]