جاء الإسلام بشريعة عادلة ونظم إنسانية تحترم الإنسان وتكرمه وتمنحه الرعاية والحماية والأمان. وقد أبان الفقهاء أن الأمان للأجنبي يتمثل في تحقيق الدولة الإسلامية الأمن والحماية لمن لجأ إليها (١) . وقد عرّفه فقهاء المالكية بأنه " رفع استباحة دم الحربي، واسترقاقه وماله حين قتاله. مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما " (٢) . وقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في تمتع الأجنبي بالأمان. قال الإمام الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسيره لقوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام وحتى يرجع إلى داره ومأمنه ووطنه (٤) .
_________________
(١) انظر: الإسلام والعلاقات الدولية: محمد الصادق عفيفي، ص٣١٧، دار الرائد العربي، بيروت ١٤٠٦هـ.
(٢) انظر: الحطاب، ج٣، ص٣٦٠؛ حاشية العدوي على الخرشي، ج٣، ص١٤١.
(٣) سورة التوبة، الآية رقم: ٦.
(٤) تفسير الحافظ ابن كثير، ج٢، ص١٢٧.
[ ١٦ ]
وقال الإمام القرطبي ﵀: " وقد كان المشركون يطلبون لقاء رسول الله ﷺ لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم، وقد أجمع الفقهاء على أن من طلب الأمان لسماع كلام الله والتعرف على شرائع الإسلام يجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه للآية الكريمة، وإن حكمها باق مستمر إلى يوم القيامة، ولم يشرع الجهاد في الإسلام إلا لتمكين كل فرد من العالم من سماع كلام الله في أمن واطمئنان وحرية تامة " (١) . وقد قرر الإمام الفقيه الحسن البصري ﵀ وكذا مجاهد ﵀ أن هذه الآية من محكم آي الذكر الحكيم إلى يوم القيامة (٢) .
ومن خلال هذه النصوص الشرعية والأقوال الفقهية يتضح كفالة الإسلام في تمتع المستأمن في المحافظة على نفسه وماله لكونه إنسانًا ما دام محافظًا على الآداب والسلوك الإسلامي وفقه العلاقات الدولية وفهمه له ولم ينحرف عنه. ومما يزيد تمتع الأجنبي بالأمان في شريعة سيد الأنام ﷺ أن الفقهاء - ﵏ - قالوا: إن المستأمن بمنزلة أهل الذمة في دارنا إجماعًا (٣) .
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: الإمام القرطبي، ج٥، ص٢١١.
(٢) انظر: تفسير الزمخشري، ج٢، ص٢٩؛ الرازي، ج٤، ص٣٩٨.
(٣) انظر: شرح السير الكبير، ج٢، ص٢٢٦.
[ ١٧ ]
وقد أشار الإمام السرخسي [٤٨٣ هـ ت] في المبسوط: " أن أموالهم صارت مضمونة بحكم الأمان فلا يمكن أخذها، ولا تقيد حريتهم في الاعتقاد والتنقل والمسكن، ولا يزج بهم في السجون وتجب رعاية هذا الأمان ما دام ساري المفعول " (١) .
ولا شك أن هذا التمتع إنما هو مصدر للرعاية الحقيقية التي منحتهم إياها الشريعة الإسلامية أكثر من القانون الدولي. وقد رتب الفقهاء على هذه الامتيازات أنه لا يجوز لدار الإسلام تسليم المستأمن إلى دولته دون الرجوع إليه ورضاه بذلك ولو على سبيل المبادلة بأسير مسلم (٢) .
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع: الكاساني، ج٧، ص١٠٧.
(٢) انظر: شرح السير الكبير، ج٣، ص٣٠٠؛ العلاقات الدولية في الحروب الإسلامية: الشيخ علي قراعة، ص٨٦، دار مصر للطباعة.
[ ١٨ ]
كما تظهر لنا سماحة الإسلام بصورة تدعو على الإعجاب والإكبار لعظمة هذه الشريعة الإسلامية ذات النزعة الإنسانية إذا علمنا أنه يدعو ببر المستأمن، والرفق في معاملته؛ فهذا الفقيه الضليع الإمام الشيباني - ﵀ - يقول: " لا بأس أن يصل المسلم الرجل المشرك قريبًا كان أم بعيدًا، محاربًا كان أم ذميًا، لحديث «سلمة بن الأكوع. قال: صليت الصبح مع النبي (ﷺ فقال: هل أنت واهب لي ابنة أم قرفة؟ قلت: نعم، فوهبتها له، فبعث بها إلى خاله حزن بن أبي وهب وهو مشرك وهي مشركة» . «وبعث رسول الله ﷺ بخمسمائة دينار إلى مكة حين قحطوا، وأمر بدفعها إلى أبي سفيان بن حرب ليتولى توزيعها على المحتاجين من أهل مكة» (١) . فأي امتياز وتمتع للأجنبي في نظام أو قانون مثل الإسلام. فلم تكن نظرية بل كانت سلوكًا واقعيًا في حياة المسلمين وفي صلاتهم وعلاقاتهم بغيرهم وهي جزء لا يتجزأ من العقيدة. وإن الخروج على العهود وعدم الالتزام (٢) بها وتطبيقها يعد خيانة والله لا يحب الخائنين.
_________________
(١) انظر: السير الكبير، ج١، ص٦٩.
(٢) انظر: أصول العلاقات الدولية في الإسلام: عمر أحمد الفرجاني، ص١٣١، طرابلس، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ١٣٩٣هـ؛ العلاقات الدولية في الحروب الإسلامية / ص ٨٧.
[ ١٩ ]