في مقابل ما منح الوافد والديبلوماسي من حقوق وحماية ورعاية وأمان وتكريم فإن إخلاله بالأمن القومي للدولة الإسلامية يترتب عليه تبعات عقابية قاسية. فالأمن القومي للدولة الإسلامية هو عبارة عن " مجموعة مصالحها الحيوية، فكل دولة تهتم بالحفاظ على تلك المصالح سواء أكانت سياسية أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية معنوية أو روحية أو أمنية، كما أن مفهوم الأمن القومي هو العمل على مقاومة كل من يحاول مخالفة قواعد الأنظمة المرعية والتشكيك في مبادئ الدول وقيّمها " (١) .
_________________
(١) انظر: نظم الحكم المعاصر: محمد الشافعي أبو راس، ص١٣٣، عالم الكتب، القاهرة، ١٩٧٧م.
[ ٢٩ ]
وقد أدركت الدولة الإسلامية في سياساتها الخارجية منذ نشأتها الأولى هذا الأمر وأعطته جل الاهتمام، فزودت سفراءها بالتعليمات، والسلوكيات والآداب التي ينبغي أن يتجملوا بها أمام الدول والهيئات والمؤسسات والمنظمات العالمية فمما أوصتهم به الديبلوماسية الإسلامية عدم التدخل في شؤون المرسل إليه، وأمور مملكته، والتحريض على الراعي والرعية، أو أن يتصلوا بشخصيات مشتبه في أمرها لدى سلطات الدولة المرسل إليها لأن الديبلوماسي أو الوافد إلى دولة أخرى ينبغي أن يكون كما قال الملك الظاهر برقوق: " أعمى، أخرس، غزير العقل، ثقيل الرأس " (١) .
_________________
(١) انظر: النظم الديبلوماسية في الإسلام: صلاح الدين المنجد، ص٦٦، دار الكتاب الجديد، بيروت، ١٤٠٣هـ.
[ ٣٠ ]
ولهذا أبان الفقهاء ﵏ ومنهم الإمام الفقيه الأوزاعي [٨٨ - ١٥٧هـ] أنه إذا صدر من السفير أو الديبلوماسي أعمال تخل بالقواعد والآداب المرعية في نظم الدولة الإسلامية ينبذ إليه على سواء - أي يعلم بسحب الأمان عنه - ويؤمر بمغادرة دار الإسلام طردًا أو ترحيلا أو إبعادًا ذلك لأن مهام وظيفة الوافد والديبلوماسي توجب عليه أن يطرق الوسائل المشروعة وإذا لم يلتزم بها كان للدولة (١) المعتمد لديها أن تعده شخصًا غير مرغوب فيه، أو أن تطلب إلى دولته استدعاءه أو أن تعلّمه مباشرة عند الاقتضاء بمغادرة إقليمها. ومسلك الفقهاء المسلمين - ﵏ - هذا سابق لقواعد القانون الدولي الحديث المتفق عليها في اتفاقية فيينا التي جاء فيها في المادة الحادية عشرة في بند إنهاء حصانة الوافد والمبعوث الديبلوماسي أن " للدولة المعتمد لديها في أي وقت من الأوقات وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس بعثتها أو أي عضو من أعضائها أصبح شخصًا غير مقبول وغير مرغوب فيه" (٢) .
وهذا العمل يندرج تحت نظم الدولة الإسلامية وتشريعاتها التي تحرم الإخلال بالأمن والفوضى حفاظًا على بيضة الدولة الإسلامية وكيانها (٣) .
_________________
(١) انظر: الأوزاعي وتعاليمه الإنسانية والقانونية «السير والقانون الدولي»: صبحي محمصاني، ص٣٦٤، دار العلم للملايين.
(٢) انظر: القانون الدولي العام: محمود جنينة، ص١٥٨، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، ط٢، ١٩٣٨م.
(٣) انظر: جرائم أمن الدولة وعقوبتها في الفقه الإسلامي: أستاذنا يوسف الشال ﵀، ص٩١، المختار الإسلامي.
[ ٣١ ]