في الصيادلة والعقاقير
ينبغي أن يعرف عليهم عريفًا ثقة عارفًا بمعيشتهم؛ لأن العقاقير نحو ثلاثة آلاف عقار، ولها أشباه وأمثلة تقاربها وتدانيها في الصورة، وتنافيها وتبعد عنها في المزاج والمنفعة، فينبغي أن يعدل بما يشترى منها إلى من قد نصب لذلك قبل استعمالها، فإذا تبين ما هو ذهب الشك فيه وفي استعماله، فتكون النفس إليه قابلة، وإلى نحوه ساكنة. والذي
[ ٣٢٨ ]
وجب على مؤلف هذا الكتاب ذكر ما يؤدي إليه من غش بعض هذه الأدوية، وهو يقسم بالله العظيم على من عرف شيئًا من غش الصيدلة، وغيرها من سائر الأشياء المغشوشة، ممن وقف على كتابنا هذا أن ينبه في آخر كتابنا هذا، وإن أمكنه التنبيه على معرفة استخراج غشه فليذكره، راجيًا بذلك ثواب الله ﷿.
فينبغي للمحتسب أن يباشرهم، ويخوفهم، ويعظهم، وينهرهم بالعقوبة، والتعزير، ويعتبر عليهم عقاقيرهم في كل أسبوع، فمن غشوشهم المشهورة أنهم يغشون الأفيون المصري بشياف الماميتا، ويغشونه أيضًا بعصارة ورق الخس البري، ويغشونه أيضًا بالصمغ، وعلامة غشه أنه إذا أذيب بالماء ظهرت له رائحة كرائحة الزعفران، إن كان مغشوشًا بالماميتا، وإن كانت رائحته ضعيفة، فهو بالخس، والذي هو مر صافي اللون، ضعيف القوة، فهو مغشوش بالصمغ.
وقد يغشون الراوند بنبتة يقال لها: راوند الدواب، تنبت بالشام، وعلامة غشه أن الراوند الذي لا رائحة له ويكون خفيفًا، هو الجيد، وأقواه الذي يسلم من السوس، وإذا نقع كان في لونه صفرة، وما خالف هذا اللون والصفة كان مغشوشًا بما ذكرناه، والجيد من الإثمد ما كان لفتاته بريق، وكان ذا صفاء صالح وهو نقي من الوسخ، سريع التفتيت.
وقد يغشون الطباشير بالعظام المحروقة، ومعرفة غشها أنها إذا طرحت في الماء رسبت العظام وطفا الطباشير، وقد يغشون التمر هندي بلحم الأجاص، وقد يغشون الحضض بعكر الزيت ومرائر البقر، في وقت طبخه، ومعرفة غشه أنه إذا طرح منه شيء في النار، فإن الخالص يلتهب، ثم أنه إذا أطفيته بعد الالتهاب تصير له رغوة كلون الدم، وأيضًا فإن الجيد منه أسود، ويرى داخله ياقوتي اللون، وما لا يلتهب وما لا يرغى يكون مغشوشًا بما ذكرنا.
[ ٣٢٩ ]
وقد يغشون القَسْط بأصول الراسن، ومعرفة غشه أن القسم له رائحة، وإذا وضع على اللسان يكون له طعم، والراسن بخلاف ذلك، وقد يغشون زغب السنبل السفيل بزغب القلقاس، ومعرفة غشه أنه إذا وضع في الفم يغثى ويحرق، والسنبل المسحوق يغش ليزيد في وزنه بالأثمد يرش عليه، وكذلك السِّك مسك المدقوق، وقد يغشون الأفربيون بالباقلاء اليابس المدقوق، وقد يغشون المصطكى بصمغ الأبهل.
ومنهم من يغش المقل بالصمغ القوي، ومعرفة غشه أن الهندي تكون له رائحة ظاهرة إذا بُخر به، وليس فيه مرارة، والأفتيمون الأقريطشى يغشونه بالشامي، وقد يغشونه بزغب البسبايج، ومنهم من يغش المحمودة بلبن البيتوع المجمدي، ومعرفتها أنك تضعها على اللسان، فإن قرصك فهي مغشوشة، ومنهم من يغشها بنشارة القرون، ويأخذونه ويعجنونه بماء الصمغ، ويعملونه كهيئة المحمودة، ومنهم من يغشها بدقيق الباقلاء، ودقيق الحمص، ومعرفة ذلك أن الخالصة صافية اللون مثل الغِرى، والمغشوشة بخلاف ذلك.
وقد يغشون المر بالصمغ المنقوع بالماء، وضفة غشه أن الخالص يكون خفيفًا، ولونه واحد، وإذا كسر ظهر فيه أشياء الأظافر ملساء، تشبه الحصى، وتكون له رائحة طيبة، وما كان منه ثقيلًا، لونه لون الزفت، فلا خير فيه، ومنهم من يغش قشور اللبان بقشور شجر الصنوبر، ومعرفة غشه أن يلقى في النار، فإن التهب وفاحت له رائحة طيبة فهو خالص، وإن كان بالضد فهو مغشوش، ومنهم من يغش المرزنجوش ببزر الحندقوق.
[ ٣٣٠ ]
وقد يغشون الشمع بشحم المعز وبالقلفونية، وقد يذرون فيه عند سبكه دقيق الباقلاء، والرمل الناعم، والكحل الأسود المسحوق، ثم أنه يجعل ذلك بطانة للشمعة، ثم يغمسها بعد ذلك في الشمع الخالص، ومعرفة غشه أنك إذا أشعلت الشمعة ظهر فيها ذلك، وقد يغشون الزنجار بالقلقند والرخام، ومعرفة غشه أن تبل إبهامك وتغمسها فيه، ثم تدلك به السبابة، فإن نَعِم وصار كالزبد فهو خالص، وإن ابيض وتحبب فهو مغشوش، وأيضًا يترم منه بين الأسنان، فإن وجدته كالرمل فهو مغشوش بالرخام، وأيضًا تحمى صفيحة في النار، ثم تذره عليها، فإن احمر فهو مغشوش بالقلقند، وإن اسودَّ فهو خالص.
وقد يختارون من الأهليلج الأسود إهليلجًا أصفر، ويبيعونه من الكابلى، وقد يغشون الماء على الخيار شنبر، ويلفونه في الأكيسه عند بيعه، فيزيد لهم كل رطل نصفًا، ومنهم من يأخذ اللك ويسليه على النار، ويخلط مع الآجر المسحوق، والمغرة، ثم يخلطه ويعقده، ويبسطه أقراصًا، ويكسره بعد جفافه، ويبيعه على أنه دم الأخوين، ومنهم من يدق العلك دقًا جريشًا، ويجعل فيه شيئًا من الجاوشير على النار في العسل النحل، ويلقي فيه شيئًا من الزعفران، فإذا إلى دارغر ألقى فيه العلك، وحركه إلى أن يشتد، ثم يعمله أقراصًا إذا برد، ويكسره ويخلط معه الجاوشير، فلا يظهر فيه.
وأما جميع الأدهان الطيبة وغيرها، فإنهم يغشونها بدهن الخل، وهو الشيرج بعد أن يغلى، ويطرح فيه قلب الجوز، وقلب اللوز مرضوضًا؛ ليزيل رائحته وطعمه، ثم يمزجه بالأدهان، ومنهم من يأخذ نوى المشمش ليستخرج دهنه، ويخلطه بالشيرنج، ويبيعه على أنه دهن لوز، ومنهم من يغش دهن البلسان بدهن السوس، ومعرفة غشه أن يقطر منه شيء على خرقة صوف، ثم يغسل، فإن زال منها ولم يؤثر فيها فهو خالص، وإن أثر فهو مغشوش، وعلامة دهن البلسان الخالص أن نغمس فيه سنبلة وتشعلها، فإن اشتعلت فهو خالص، وإذا قطر على اللبن جمد للوقت، وأيضًا إن الخالص منه إذا قطر في الماء
[ ٣٣١ ]
الحار، فيصير في قوام اللبن، والمغشوش يطفو مثل الزيت، ويصير كواكبًا على وجه الماء.
وقد يخلطون دهن العراق بدهن الشام، أعني الورد والبنفسج، وهذا تدليس، وقد أعرضت عن أشياء كثيرة في هذا الباب لم أذكرها، ليخفى غشها مخافة من تعليمها، وإنما ذكرت ما قد اهر غشه بين الناس، ويتعاطاه كثير منهم، وقد أمسكت عن أشياء ليست بمشهورة قد ذكرها صاحب كتاب كيمياء العطر، كما أمسكن عن أشياء كثيرة قد ذكرها يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته المعروفة بكيمياء الطبايخ، فرحم الله من وقع في يده ذلك الكتاب فمزقه.
* * *