في النظر في الأسواق والطرقات
ينبغي أن تكون الأسواق في الارتفاع والاتساع على ما وضعته الروم قديمًا، ولا يجوز لأحد من السوقة إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الممر الأصلي؛ لأنه عدوان وتضييق على المارة، فيجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله، لما في ذلك من إلحاق الضرر بالناس، ويجعل لأهل كل صنعة سوقًا يختص بهم، تعرف صناعتهم، ومن كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار، كالخباز، والجردقاني، فالمستحب أن يبعد حوانيتهم عن البرازين والعطارين، لعدم المجانسة بينهم وحصول الأضرار.
وينبغي للمحتسب ويستحب له أن يجعل له على أهل كل صنعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليسهم، مشهورًا بالثقة والأمانة، يكون
[ ٢٩٦ ]
مشرفًا على أحوالهم، ويطالعه بأخبارهم، وما جلب إلى سوقهم من المتاجر والبضائع، وما تستقر عليه من الأسعار، وغير ذلك من الأسباب التي يلزم المحتسب معرفتها، لقوله ﷺ: "استعينوا على كل صنعة بصالح من أهلها".
ولا يجوز للمحتسب أن يسعر البضائع على أهلها، ولا أن يلزمهم بيعها بسعر معلوم، فقد غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقال الناس: يا رسول الله، سعِّر لنا، فقال ﷺ: "هو القابض والباسط والمسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا في مال".
وإنما إذا رأى المحتسب أحدًا قد احتكر الطعام من سائر الأقوات، وهو أن يشتري في وقت الغلاء، ويتربص به ليزداد في ثمنه أكثر منه، ألزمه بيعه إجبارًا؛ لأن الاحتكار حرام، والمنع من فعل الحرام واجب، وقد قال النبي ﷺ: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون".
ولا يجوز تلقى الركبان، وهو أن تقدُم قافلة فيلتقيهم إنسان خارج البلد، فيخبرهم بكساد ما معهم ليبتاعه منهم رخيصًا، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ونهى عن بيع السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق، فإن عثر المحتسب بمن يقصد ذلك، عزره وردعه عن فعله.
وينبغي أن يمنع أحمال الحطب، والحلفاء، وأحمال التبن، وروايا الماء، والرماد، وما أشبه ذلك، من الدخول إلى الأسواق، لما فيه من الضرر بلباس الناس، ويأمر أهل الأسواق بكنسها، وتنظيفها من الأوساخ، وغير ذلك مما يضر بالناس، فإن النبي ﷺ قال:
[ ٢٩٧ ]
"لا ضرر ولا إضرار".
وأما الطرقات وأزقة الحارات، فلا يجوز لأحد إخراج جدار داره إلى الممر المعهود، وكذلك كل ما فيه أذية على السالكين، كمجاري الأوساخ الخارجة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق، فإنه يكلف بسده في الصيف، ويحفر له في داره حفرة يجمع فيها.
ولا يجوز التطلع إلى الجيران من الأسطحة والنوافذ، ولا أن يجلس الرجال في طرقات النساء من غير حاجة، فمن فعل ذلك عزره المحتسب، سيما إذا رأى رجلًا أجنبيًا مع امرأة أجنبية يتحدثان في موضع خلوة، فإنه أكثر للتهمة في حقها، وإذا تكررت خيانة رجل من أهل السوق أدبه، فقد روى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، أمر بضرب رجل وجب عليه الحد، فقال له وهو يضربه: قتلتني يا أمير المؤمنين، فقال له: الحق قتلك، قال: فارحمني، قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد. فإن عاد إلى الخيانة أقامه من السوق.
* * *