في السوقة وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفًا ثقة، ويأمر أحدهم أن لا يقدم فرشه خارجًا عن مصطبته بشيء، وأن يجعل فراش أكبرهم إلى داخل حانوته، وإذا أجلس البياع على ميزانه صبيًا دون البلوغ، اشترط على معلمه أنه إذا بخس كانت العقوبة واقعة به دون صبيه، وبعد الشرط، فلا يمنع الصبي التعيش.
ويعبر موازينهم، وصنجهم، وأقداحهم، ويمنعوا من أن يكون في حوانيتهم دستان من الصنج، والأرطال حديد لا يكون في شيء منها حلقة أصلًا، ويختم بالخواتم الرصاص، ويكتب عليها المحتسب، ويرسم الختم بخطه، ويفتقد كل قليل، وربما جلدوا على اللفت وزنوا به في جملة الأرطال، وينبغي إذا شرع في الوزن أن يسكن الميزان، ويضع فيها البضاعة، ولا يهمز حافة الكفة بإبهامه، فإن ذلك بخس وتدليس.
ولا يكون في ميزانهم الفضة صنجة ثلاثة دراهم، ولا في ميزان الأرطال ثلث رطل؛ لأن الثلث يشابه النصف رطل، وكذلك صنجة الثلاثة تشابه الدرهمين، ويعتبر حبات القمح التي في موازينهم، فقد تنقع ويدس في أجسامها ما يزيد في ثقلها من أطراف الأبر وغيرها. وتكون كفات موازين الذهب والفضة خفافًا، ومساميرها فولاذًا. وتكون موازينهم الفضة من بين أيديهم حتى يشرف عليها من يزن أو يوذن له.
[ ٣٠١ ]
ويأمرهم أن يجعلوا ما يبيعون به من الدراهم في بطون موازينهم، ولا يتركوها في جملة ما في أيديهم من الصنج، بحيث ألا يكون فوق فراخ موازينهم إلا الصنج لا يغر. ولا ينقد أحد دراهم الناس وبين يديه جوز، أو لوز، ولا شيء من المكسرات، فربما يسقط فيها من دراهم الناس عند النقد، ويجمعها إذا انصرفوا. ويكون سائر ما يكتالون به مختومًا بالرصاص، ومنقوشًا في طرفها اسم الإمام؛ لئلا يبردوا رءوس المكاييل بعد العيار فتنقص. ويكون سائر ما يكال به سعة أسفله أو قريب منه، ويفتقدها بعد ذلك كل قليل؛ لئلا يصب فيها ما ينقصها مثل الجبس وغيره.
وربما حشيت أواقي الزيت التي يطوفون بها البيعة، والمكاييل، بالقير في أسفلها، ويقلعها إذا خاف. ويلزمون أن تكون موازين الأرطال متعرضة في قوس الدكان ليشاهد الزبون ما يحمل له من الأرطال عند الوزن والمأكولات. ويمنعهم أن لا يجعلوا في كفة الميزان خيطًا من حلفاء، فإنه يمنعها النزول، ويجنبها بسرعة الرجحان. ولا يكون لشيء من الأوزان خطافًا، فإن الغرض منه أن يعلق في الكفة القدامية، فتكون الخيانة بمقدار وزنه، وتكون جميع موازينهم وأوعيتهم التي لأطعمة الناس نظيفة مصونة بالأغطية والشد عليها.
ويمنعوا أن يسقوا الجبن السناري بالزيت الطيب، ولا بالشيرج؛ لأنه تدليس. وربما فجوه بأفواههم، فيكون ذلك ضررًا لمن يأكله. ولا يغسلوا الجبن الحيسى في مطاهر الحمامات. ويمنع من يرطب التمر بالماء، ومن يرش الماء الممزوج بعسل القصب على الرطب. وكذلك باعة الزيت يمنعون من فجه بالماء، وينهاهم عن بيع ما دون من البطيخ، والقثاء، والتين، والرطب، وما قد تناهى نضجه حتى يهرأ قشره من جميع ذلك. وتكون ملاعق بيع الصابون من خشب، فإن صدأ ملاعق الحديد يبقى في الصابون، فإن طبوعها محرقة لما يتعلق منه في الملابس.
ويعتبر عليهم الزيوت في زمن نفاقها، فإن الزيوت تغش بزيت القرطم في زمنه، إلا أن له دخانًا عظيمًا في النار، وهو يخلط أيضًا في الشيرج لوقته، وكذلك زيت الخس، وهو يعرف بخفته في الوزن، ورقته في الوعاء، وشمه إذا مسح به على ظهر اليد. وقد يخلط الشيرج بالزيت للإنفاق إذا غلا سعره، وجسم الشيرج أخف من جسم الزيت، فلا يمكنهم من ذلك، فإنه غش وتدليس.
وإذا غشوا الخل بالماء، انحبس فيه خشيشة من الراس، فإنها تشرب الماء وتقبله دون
[ ٣٠٢ ]
الخل، ومن معرفته أيضًا إذا صب الخل الحالص على الأرض نش، وإذا كان معيوبًا لم ينش، ومن معرفته أيضًا خذ خوصة أطليها بدهن أو بزيت، ثم اغمسها في الخل، فإن خرجت وعليها الخل، ففيه الماء، وإن خرجت ملساء ليس عليها شيء، فليس فيه ماء.
وكذلك اللبن الحليب إذا كان فيه الماء اغمس فيه شعرة، فإنه لم يطلع منه عليها شيء، وإذا كان خاليًا من الماء طلع اللبن عليها مكللًا، وكذلك إذا غمست فيه الريش، فإنه يشرب الماء دون اللبن فتمصه، فيخرج في فيك، وإذا كان بلا ماء، فإنك تمصها ما يخرج منها شيء، ومن معرفته أيضًا إذا قطر منه على خرقة سال كالدهن وجرى، وإذا لم يكن فيه ماء وقف، وسبيله أن لا يبيعه إلا الغنامة من ضروع الغنم إلى المشترى، وبيعه اللبن الحامض يعتقون عندهم المش الحامض، ثم يخلطونه بالطري، وهو أحد السمائم، ثم يبيعونه حامضًا، فيمنعون من ذلك، ويحلفون عليه، وتفتش دكاكينهم، ويلزمون بأن يكون بيعهم وشراؤهم بالقسط الجروى، وهو أربعة أرطال ونصف.
ويمنعون من عمل المريء المطبوخ وبيعه، فإن الفلاسفة يذكرون أنه يورث الجذام، ويعتبر عليهم غش المري الشعير الذي يعملون به من رُب الخروب، أو من عسل القصب، والملح، والكامون الأسود، والكاراويا، والشمار، ويبيعونه، فهو يبين في اليد من قلة ذكائه، وإنه يفسد ما يعمل به من الطعام، ويفسد طعمه ورائحته. ويمنعهم أن يدهنوا النبيدة البائتة بالزيت، وتباع في هيئة الطرية، فإن هذا تدليس. ويعتبر عليهم الكوامخ، والملوحات، والمخللات، فإنها كثيرة التغيير والاستحالة، فيخزنونها ويستحلون بيعها، فما وجد في شيء منها عتيق أو تغيير، رمى على المزابل.
ويفتقد أوعيتهم التي عندهم من الأوساخ، والتهاون بتركها مكشوفة، ولا يمكنون من ذلك، والسبب في فساد الكوامخ وحموضها وكرخها والدود المتولد فيها، أن تكون في الأصل قليلة الملح، والعلف بالعطائر، فتحمض، وربما خلطوه بغيره ففسد الكل، ويتولد فيه الدود، فيراعى ذلك بالعطر والذوق.
والبصل المخلل إذا طلع عليه الكرخ، وكان محبسه يابسًا، يأمرهم بتنظيفه من قشره، ويلقى عليه الخل، فإنه ينصلح ويثبت، وإن كان جسمه لينًا، وفيه خمج، فينبغي أن يرمي. وإن تغير اللفت المخلل ولان جسمه، فيجب أن يرمي على المزابل. وكذلك
[ ٣٠٣ ]
الكشك قد يعمل من القمح العتيق، ويسقى بماء الخمير، والمش، ويترك حتى يختمر ويحمض، فيعتبر هذا عليهم بالذوق والنظر والرائحة.
والبقالون يلزمون بيع جميع ما يبيعون من البقول بشداته التي يشترونه بها، ولا يحلوا حزمة يعملونها اثنتين، ولا شرش كبير يفرقونه حزمًا صغارًا، ويبيعوا جميع البقول مغسولة منقية من الحشيش والطاقات المصغرة. ويأمرهم بقطع سعد أصول الخس. والفجل لا يباع إلا مغسولًا. وإذا بات عندهم شيء في دكاكينهم من الخضروات، فلا يخلطوه من طري يومه، ويمنعون من ذلك، فإن ذلك غش وتدليس. وينهاهم أيضًا عن غسل البصل والثوم الطري الأخضر، فإنه يزيده نتونة وزفرة، ويتفقد عليهم أرطالهم وموازينهم، ومن خالف هذا أدب.
* * *