في الحمامات، وقوامها، وذكر منافعها ومضارها، وما يلزم حراسها، والبلانين، والمزينين، والوقادين، وباعة النورة
اعلم وفقك الله أنه قد ذكرنا في هذا الباب وفي اللذين قبله، أمورًا ليست من قبيل الحسبة، وإنما ذكرها لعموم الانتفاع بها ومعرفتها، وهي لائقة بهذا الباب، ولعمري إن الحكمة ضالة كل حكيم، والفائدة حسنة حيث وجدت، قال بعض الحكماء: خير الحمام ما قدم بناؤه، واتسع هواؤه، وعذب ماؤه، وقدر الوقاد وقوده بقدر مزاج من أراد وروده. واعلم أن الفعل الطبيعي للحمام هو التسخين بهوائه، والترطيب بمائه، فالبيت الأول مبرد، والثاني مسخن مرتفع، والثالث مسخن مجفف.
[ ٣٢٠ ]
والحكام يشتمل على منافع ومضار، فأما منافعها: فتوسع المسام، وتستفرغ الفضلات، وتحلل الرياح، وتحبس الطبع عن السهولة، وتنظف الوسخ والعرق، وتذهب الحكة، والجرب، والإعياء، وترطب الدماغ، وتجود الهضم، وتنضج النزلات والزكام، وتنفع من حمى يوم، ومن حمى الدق. وأما مضارها عند طول القيام فيها، فإنها تسقط شهوة الطعام، وتضعف الباه، وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة، وقد تستعمل في الريق والخلو، فتجفف تجفيفًا شديدًا، وتهزل، وتضعف.
وقد تستعمل الحمام على قرب عهد بالشبع فتسمن البدن، إلا أنها تحدث سددًا، وأجود استعمال الحمام على الشبع بعد الهضم الأول، فإنه يرطب البدن ويسمنه، ويحسن بشرته، فينبغي للمحتسب أن يأمر ضامن الحمام بنظافتها، وكنسها، وغسلها بالماء الطاهر، غير ماء الغسالة، يفعلون ذلك كل يوم مرتين، ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة؛ لئلا يتعلق به السدر، والخطمى، والصابون، فتزلق عليها أرجل الناس، ويغسلون الخزانة من الأوساخ المجتمعة في مجاريها، والعكر الراكد في أسفلها كل شهر مرة؛ لأنها إن تركت أكثر من ذلك، تغير الماء فيها في الطعم والرائحة.
ولا يسد الأنابيب بشعر المشاطة، بل يسدها بالليف والخرق الطاهرة. ويستحلفون بأن لا يخلوا في الأحواض ماء، ويخولها كل ليلة. وإذا استعملت مياه الأحواض، ولم ينضحوها، ولا يغسلوها، وأصبحوا ليسيبوا عليها الماء، وأراد المحتسب معرفة ذلك، جعل ماء الحوض وماء الميزاب في إنائين متساويين في السعة والوزن ويزنهما، فإن رجح ماء الحوض على ماء الميزاب فهو لابد، وقد يدركه أيضًا بشمه.
ويبخر الحمام بالفحم واللبان في كل يوم مرتين، لا سيما إذا شرع في كنسها وغسلها، ومتى بردت الحمام، فينبغي أن يبخرها بالخزامى، فإنه يحمي هواءها، ويطيب رائحتها، وفي أيام الشتاء يزيد في بخورها الميعة اليابسة. ويجب عليه تقديم استعماله سحرًا، لما يحتاج إليه ما يتطهر قبل الصلاة. وتسد المنافس التي يدخل منها الدخان الذي يسمى الزنبور، فإن ذلك مضرة لعيون الناس ورءوسهم، ويأمر ضامن الحمام أيضًا بأن يجعل عنده ميازر يكريها أو يعيرها لمن يحتاج، فإن الغرباء والفقراء قد
[ ٣٢١ ]
يحتاجون إلى ذلك، فإن كشف العورة حرام، وقد لعن رسول الله ﷺ الناظر والمنظور، وكذلك ما يقلب به الماء، إما اصطال نحاس، وإما قطع خشب.
ويمنع من الدخول إليها الأجذم، والأبرص، وأصحاب العاهات الظاهرة، ولا يدع الأساكفة تغسل فيها الجلود، فإن الناس يتضررون برائحة الدباغ، وكذلك من كانت صنعته نقل السماد والجيف، وإلا أن يغتسل ويتنظف قبل أن يدخل إلى الحمام، وكذلك البوارين والسماكين.
ويلزم القومة بنظافتها، وغسل أعقاب أبوابها، وأن لا يقطعوا إطلاق مياه الطهور من أحواضها، وأن تكون محاكهم معروضة على النار، أو تنقع في الماء والملح كل ليلتين، ويعتنوا بجلاء الأحواض قبل انصرافهم، وإذا أخذ الحارس أجرة على حفظ ملابس الناس وعدم شيء منه، لزمه غرمه.
ولا يستقبل البلان الرأس ومنابت الشعر استقبالًا، ولا يأكل ما يغير نكهته، كالبصل والثوم، فإنه يضر الناس، ويلزمون في خلط الزرنيخ والجير أن يلقى على كل عشرة أوزان من الجير الأبيض وزنًا واحدًا من الزرنيخ الخالص، وإن قصّر عن ذلك أضرت النورة بالصفراوى، والعليل، وبالقلق لطول مكثها، فيعتبر النورة عليهم بريشة أو بصوفة تغمس فيها وتترك لحظة، فإن تلاشت، وإلا أدّب صاحبها بعد إنذاره وتحذيره، ويأمرهم أن لا يمكنوا الباعة من غسل الأجبان في مطاهر الحمامات.
وسبيل المزينين أن يصلحوا لحية كل أحد على مقدار ما يليق بوجهه، وأن يكون حديدهم رطبًا قاطعًا، ويأمرهم أن لا يحلقوا رأس صبي دون البلوغ إلا بإذن وليه، ولا يحلقوا ذقن مخنث، ولا يزينوا له صدغًا، ولا لغيره من المردان والأحداث، وأن لا يعمقوا شرط الحجامة؛ لئلا يقطعوا ما تحتها من الشريانات الرقاق، فيشترط ذلك عند مواضع المحاجم، وهذا موجود قوي، مما يصيب الناس، وهذا التعميق في الشرط الحجامة سببه، فينبغي أن يعتبر على المزينين هذا الأمر بورقه سلق، أو بورقة موز تلصق على قطعة طين لين، ويتقدم المزين بشرط الورقة، فإن نفذ مشراطه إلى الطين أدب، وإن خفف كان علامة حذقه، وإنه إذا شرط لم يؤمل، فيكون ذلك سببًا للسلامة.
ويأمر المدلك أن يدلك يده بقشور الرمان؛ لتصير خشنة فيخرج الوسخ، ويستلذ بها الإنسان، ويمنع من دلوك الفول، والعدس، فإن ذلك طعام لا يجوز امتهانه، ويعتبر على
[ ٣٢٢ ]
باعة الدلوك ما يغشون به، فمن ذلك ما يغشون به السدر بالرمل، وبخبز الفجل، والحناء بالرمل، وقد يغشون خبز الفجل بزبل الدواب المطحون، والأشنان بالرمل.
والوقادون في الحمامات يتقدم إليهم، ويأمرهم بأن لا يوقدوا بسماد، ولا بطعام، وأن يتفقدوا مجاريها، ويحسنوا تدبيرها، ولا يقطعوا ماء الطهور عنها، وإن قل، ولا تقطع إرسال ميازيب المسلخ؛ ليكون ذلك عونًا على نظافة الأسطوان، ولا يبيت الماء في أحواض الحرارة، ولا يمكن السوقيون أن يأخذوا من رماد الحمام؛ لأنهم يغشون به رمادهم إذا باعوه للزيادة في ثمنه، فيمنعون من ذلك.
وقيل: إن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله نهى عن الفقاع، فإنه ربما غشوه وعملوه من غبار الطواحين، فإذا أراد المحتسب امتحانه عليهم، أمر أن تغلى كيزانه في الماء الحار وهي مملوءة مسدودة، ثم يقلبها عند غليانها، فإن تعذر ولم ينزل من كيزانه، فهو غبار معمول، وإن كان من شعير انساب ونزل بلا كدر. ويؤمرون بتكثير أفاويه ومسكه، ويقللون من سدابه لعلة فساده للباه. والفقاع مكروه في الشرع والطب جميعًا.
* * *