في النجارين والبنائين والفعلة والنشارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفًا له دين وبصيرة بصناعتهم، فقد يوافق أكثر الصناع على أجرة معلومة كل يوم، فيتأخرون عند الغدو، وينصرفون قبل المساء، فينبغي أن يشترط في ذلك بما يمتنع منه، ولا ينصرفوا إلا مساءً، ومن البنائين والنجارين من يقرب على أصحاب الأشغال من يعملونه لهم، ويهونونه عليهم، ويقللون مؤونته، حتى إذا نشطوا إليه، وشرعوا فيه، طالبوهم بزيادة المؤونة عما قرروه، فكان في ذلك خطر، وغش؛ لأنه ربما افتقر، وركبه دين بسببه، وربما ألجأته الضرورة فباع الموضع بسبب المطالبة قبل إتمامه، وفي هذا أذية عظيمة، فينبغي أن يتقدم المحتسب بالمنع من ذلك أتم المنع، بالأيمان المؤكدة، ومتى لم يستعمل من يبنى من الصناع ما لم يصح به من زوايا، وموازين، وخيوط، ثم جرى فيما عمله زيغ، أو ميل، أو انحراف عن الاستواء، لزمه عيب ذلك وفساده، إلى أن يعود صحيحًا مستقيمًا، ومتى قطع البناؤون من أخشاب الناس المستأجرة للدعائم شيئًا، لزمهم أرشه، وعليه الأدب بعد الإنذار.
ويلزم الفعلة بلباس التباين الملحم، فإن فيه سترة لعوراتهم عند تعريهم في أشغالهم، في طلوعهم ونزولهم، ولا ينصرفون إلا عند المغيب، وكذلك البناؤون والنشارون، فيلزمهم أن يعمل كل مقص ثلاث أنفس، أحدهم يحد المنشار، وإذا تعب واحد من الاثنين ناب عنه الآخر إلى أن يأخذ صاحبه راحة، ولا ينصرفوا إلى آخر النهار، ويمنعوا
[ ٣٥٤ ]
من اشتراك جميعهم على الناس، بل يكونوا مثل النجارين والبنائين ما يعملوا إلا بما قسم الله ورزق، وأن لا يحرقوا شيئًا مما ينشرونه فيتلفون الخشب، ويستحق من التجار، فمن فعل هذا بعد الإنذار أدب، ويحلف البناؤون بحضرة عريفهم أنهم لا يأخذون من الجبّاسين رشوة، ولا هدية، على سائر الوجوه كلها، ليكتموا منهم قلن نضج الجبس، فإنه لا يدخل، ويدخل في القصرية وقت خلطه بالماء بسرعة، فهذا الجيد النضيج، وإن دخل في القصرية، أو جف بسرعة على الحائط للوقت، فهو جبس قليل النضج، فيجب أن يُراعى ذلك، فإن فيه تحملًا على المشتري في الوزن، وفسادًا فيما بيّنا به، وسوء عاقبة، فيجب الأدب على الجباس، والوقاد، والبناء إذا كتم ذلك، بعد الإعذار إليهم أجمعين.
ويجب على البنائين أيضًا نصيحة أرباب العمل ممن يبنون له بالجير والأصطال في الصهاريج والقنوات، وما يشاكل ذلك، أن يكون الخلط الجيد الذي تحمد عاقبته، خمسة عيارات جير مصفى بالماء العذب، وعيار واحد منها أصطال مسحوق من الطوب العتيق والمتوسط، وأربعة رماد من رماد الأتاتين وما يشاكله، وما بين جير مصفى ودونه، خمسة رماد، واثنين جير، فجميع ما ذكرناه واجب على البنائين القيام به، وأن ينصحوا صاحب العمل، ومن خالف أدب وأشهر، بعد الإعذار إليه.
ومن شأن البنائين القيم به أن يبيضوا موضع الإنسان، وأن يكثروا من أخلاط الجير في جبس البياض وقت عجنه، ليسهل عليهم بسطه على الحيطان، وقلة حفظه لها، وثباته عليها، فيمنعون من ذلك. ويجب على البنائين إذا بنوا الحيطان، أن لا يبنوها بالطوب القليل النضج اللين، فإنه يتفتت بعد مدة، فيسقط ما فوقه، ويخرب الحائط، فيأمرهم أن يجعلوه حشوًا مع الطوب، وبالله التوفيق.
* * *