في النخاسين باعة العبيد
ينبغي أن يعرف عليهم عريفًا ثقة عارفًا، بما لا كفارة لهم منه، أنهم لا يخفون عيبًا قد ظهر وعملوه، من ذكر ولا أنثى، ويتفقدون عهدة المماليك المقدمة في أيدي
[ ٣٥٦ ]
مواليهم، ليعلم منها ما قد شرط على المشتري من ذلك، لا سيما العبد الذي مع الغرباء، ويطالبون بضمناء من أهل البلد، ويكتب اسمه وصنعته في دفتره؛ لئلا يكون العبد مسروقًا، أو يكون له أهل، وإذا كان في العهدة ذكر لنفسه، فهي كناية عن المخبور. ولا يبيعون جارية إلا من دمها، أعني في أيام حيضها، وتنظره امرأة يوثق بدينها، وتتأمله؛ لئلا يكون دمًا فاسدًا.
ولا يبيعون صبيًا ولا صبية، من الجلب على أهل الذمة؛ لئلا يهودونه أو ينصرونه، بل إذا كانت جارية نصرانية فصيحة، ومعها أولادها دون البالغ، فإن أولادها لاحقين بها، ولا يقبل قول جلاب ولا دعواه، إذا ادعى على من قد جلبه من العجم الذين لا يفقهون، أنهم نصارى. ولا يفرق بين جارية وأولادها، ومن أراد شراء جارية، جاز له أن ينظر إلى وجهها، وكفيها، فإن طلب استعراضها في بيته، والخلوة بها، فلا يمكنه النخاس، إلا أن يكون عنده نساء في منزله، وإن أراد شراء غلام، فله أن ينظر منه ما فوق السرة، وما دون الركبة، هذا كله قبل عقد البيع، وأما بعده، فله أن ينظر إلى جميع بدن الجارية.
ولا يفرق بين جارية وأولادها، إلا أن يكونوا بوالغ، وعن تراض بينهم. ويستحلف النخاسون أيضًا أنهم لا يشترون مملوكًا على أكياسهم للتجارة، ولا يدسوا من يشتريه لهم على سبيل الشركة ولا غيرها على سائر الوجوه والأسباب. وينبغي أن يتفقدوا لون المملوك والمملوكة، فإنه إذا كان خاملًا دل على علة كبده، أو الطحال، أو المعدة، أو بواسير ينزف منها دم، ثم يتفقد ظاهر البدن بنفسه في موضع نير مضيء، كيما لا يخفى أن كان به بهق رقيق، فإن البهق في ابتدائه يكون خفيفًا، وإنما يكون بياضًا رقيقًا، أو سوادًا في الموضع، ثم يقوى، ويزيد بتزايد الأيام، وأما القوباء، فإن ابتداءها خشونة تحث في الموضع، ثم تقوى، وتزيد على مدى الأيام.
وإن كان في موضع من بدنه تشبيه بشامة، أو لصقة، أو وشم، فليتفقد ذلك تفقدًا كثيرًا، فربما كان في ذلك الموضع برص فكوى، أو وشم فصبغ ليخفى، فإذا امتدت الأيام محى الصبغ، واتسع البرص عن موضع الكي أو الوشم، فإذا كانت شامة يشك فيها، فليدخل الحمام، ويغسل المكان المشكوك فيه بالماء، وإن كان كيًا أو وشمًا في موضع منكر سُئل عنه، ويتفقد ذكاء سمعه، وكمال كلامه، وعقله، ثم يتفقد شعر الرأس وجلدته، هل فيها حزازًا وشقيقة، ويتفقد حدقة العين، وحدقته هل هي صافية
[ ٣٥٧ ]
معتدلة في العظم، ومبلغ حدة نظره، وصفاء بياض العين، فإن كدورته وظلمته منذرة بالجذام، وغن كان فيها صفرة دل على زيادة الكبد، وإن كان فيها عروق حمر كثيرة ظاهرة، فإنه يسأل.
ويتفقد أجفانه هل هي نقية، وكيف سهولة حركتها، فإن الغليظة جربة في الأكثر، أو مستعدلة، والعسيرة الحركة رديئة، ويتفقد أجفانه، وحواجبه، فإن كانت حواجبه رديئة مع رداءة جفونه، لا سيما إن كان به بحة في صوته، وحمرة في وجهه، ويتفقد جلاء نفسه من أنفه وفمه؛ لئلا يكونا ابخرين، وينظر إلى شكل الأنف، فإن غلظة، أو انحناءه، أو اعوجاجه يدل على أن في داخله بواسير، فينظر فيها في الشمس، وينظر إلى سهولة تنفسه، ويتفقد حال أسنانه في الاستواء، والنقاء، والقوة، وهل فيها شيء يتحرك، أو يتآكل، فإن الأسنان القوية طويلة البقاء، والرقيقة سريعة السقوط، ويعتبر مع ذلك البدن كله.
ويتفقد رقبته واستواءها، ويغمز عليها ويجس، ويتفقد هل فيها بترة، أو أثر قوبة، فإنه ربما كان هناك غدد تتولد منها الخنازير، وينظر إلى الصدر هل هو عريض لحيم، فإن الرقيق النحيف مع الأكتاف البارزة يدل على السل، ويأمره بالمشي، ويتفقد قوة قبضه، فإن ضعف ذلك دليل على ضعف العصب، ويؤمر بالعدو، وينظر هل يعتريه في عنقه ربو، أو سعال، ويقدر يديه ورجليه بعضهما ببعض، فربما كانت إحداهما أقصر من الأخرى، ويتفقد حال مفاصلة في سلاستها للحركات، ويتفقد ساقه هل فيها عروق ثخان واسعة، فإن ذلك يؤدي إلى الدوالي، وداء الفيل، وسائر بقية أموره يستعان عليها بالذين يعرفون الأمزجة وطبائعها، فينبغي مراعاة جميع ذلك.
* * *