اعلم وفقك الله لما كانت الحسبة أمرًا بمعروف، ونهيًا عن منكر، وإصلاحًا بين الناس، وجب أن يكون المحتسب فقيهًا، عارفًا بأحكام الشريعة؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله ﷿، وسُنة نبيه ﷺ، ورُب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، فيرتكب المحظور وهو غير عالم به، ولهذا المعنى كان طلب العلم فريضة على كل مسلم، كما قال النبي ﷺ.
فأول ما يجب على المحتسب أن يعمل بما يعلم، ولا يكون قوله مخالفًا لفعله، فقد قال الله ﷿ في ذم علماء بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وروى أنس بن مالك، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة
[ ٢٩٢ ]
أسرى بي رجالًا تقرض شفاهم بالمقاريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"، وقال الله ﷿ مخبرًا عن شعيب، ﵇، لما نهى قومه عن بخس الموازين ونقص المكاييل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، ولا يكون المحتسب كما قال ابن همام السلولي:
(إذا نُصبوا للقول قالوا فأحسنوا ولكن حسن القول خالفه الفعل)
(وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل)
وقال الآخر:
(لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم)
ويجب على المحتسب أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى، وطلب مرضاته، خالصًا مخلص النية، لا يشوبه في طويته رياء ولا مراء، ويجتنب في رياسته منافسة الخلق، ومفاخرة أبناء الجنس، لينشر الله تعالى عليه رداء القبول، وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة وجلالة، ومبادرة إلى قبول قوله بالسمع والطاعة، وقد قال النبي ﷺ: "من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرهم، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله، أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه".
[ ٢٩٣ ]
وذكروا أن طغتكين أتابك سلطان دمشق، طلب له محتسبًا، فذكر له رجل من أهل العلم، فأمر بإحضاره، فلما بصر به، قال له: إني وليتك أمر الحسبة على الناس، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: إن كان الأمر كذلك، فقم عن هذه الطراحة، وارفع هذا المسند الذي وراء ظهرك، فإنهما حرير، واخلع هذا الخاتم من إصبعك، فإنه ذهب، فقد قال النبي ﷺ في الذهب والحرير: "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حلٌ لإناثها"، قال: فنهض السلطان عن طراحته، وأمر برفع مسنده، وخلع الخاتم من أصبعه، وقال: قد ضممت إليك النظر في أمور الشرطة، قال: فما رأى الناس محتسبًا أهيب منه.
وينبغي للمحتسب أن يكون مواظبًا على سنن رسول الله ﷺ من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، هذا مع القيام على الفرائض والواجبات، فإن ذلك أزيد في توقيره، وأنفى للطعن في دينه. وقد حكى أن رجلًا حضر عند السلطان محمود يطلب الحسبة، فرأى شاربه قد غطى فاه من طوله، وأذياله تسحب على الأرض، فقال له: يا شيخ، اذهب فاحتسب على نفسك، ثم عد واطلب الحسبة على الناس.
وينبغي أن يكون شيمته الرفق في القول، وطلاقة الوجه، وسهولة الأخلاق عند أمره الناس ونهيه، فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب، وحصول المقصود، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقد حكى أن رجلًا دخل على المأمون، فأمره بمعروف ونهاه عن منكر، وأغلظ على المأمون في القول، فقال له المأمون: يا هذا، إن الله تعالى أمر من هو خير منك أن يلين القول لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
[ ٢٩٤ ]
يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، ثم أعرض عنه، ولم يلتفت إليه، ولأن الرجل قد ينال بالرفق ما لا ينال بالتعنيف، كما قال النبي ﷺ: "إن الله رفيق يحب كل رفيق".
وليكن أيضًا متأنيًا، غير مبادر إلى العقوبة، ولا يؤاخذ أحدًا بأول ذنب يصدر، ولا يعاقب بأول زلة تبدو؛ لأن العصمة من الناس مفقودة، فيما سوى الأنبياء.
وإذا عثر بمن نقص المكيال، أو بخس الميزان، أو غش بضاعة، بما يأتي وصفه في أبوابه من أنواع الغشوش، استتابه عن معصيته، ووعظه وخوفه، وحذره العقوبة والتعزير، فإن عاد إلى فعله عزره على حسب ما يليق به من التعزير بقدر الجناية، ولا يبلغ به الحد.
ويتخذ له سوطًا، ودرّة، وغلمانًا، وأعوانًا، فإن ذلك أرعب للقلوب، وأشد خوفًا ويلازم الأسواق والدروب في أوقات الغفلة عنه، ويتخذ له فيها عيونًا يوصلون إليه الأخبار وأحوال السوقة، فقد ذكر أن على بن عيسى الوزير ببغداد وقع إلى محتسب كان في وقت وزارته، ذكروه له بأنه يكثر الجلوس في داره، فكتب له يقول: الحسبة لا تحتمل الحجبة، فطف بالأسواق تدر لك الأرزاق، وإن لزمت دارك صار الأصر كله عليك، والسلام. فإذا فعل المحتسب كذلك، فقد أوفى ما يجب عليه، والذي يجب له أيضًا على سلطانه إدرار الرزق عليه بما يكفيه، وبسط يده، وترك معارضته، وترك الشفاعة عنده في الخاصة والعامة.
ويكون متورعًا عن قبول الهداية من المتعيشين من أرباب الصناعات، فإن ذلك رشوة، قال النبي ﷺ: "لعن الله الراشي والمرتشي"، والتعفف عن ذلك أصون، ويُلزم أيضًا غلمانه وأعوانه، فإن علم أن أحدًا منهم قبل رشوة، أو أخذ هدية، صرفه عنه؛ لتنتفي عنه المطلوب، وتنجلي عنه الشبهات.
ويجب عليه أن يجعل له نائبًا على ساحل البحر مكان ترد إليه الغلة ليعلمه ما يرد إليه
[ ٢٩٥ ]
في كل يوم، ويحتم على مخازن من غلته رسم عبور إلى وقت الحاجة؛ لأن ربما جرى بعد ذلك تفريط في أوجه، وهذا أمر جليل لا ينبغي الغفلة عنه، ولا التفريط فيه. ويلزم المحتسب بعد ذلك أن يفرق الغلة بالتعريف على مقدار ما في البلد، وينظر فيمن عنده من الناس، وذلك مأخوذ من الأحجار التي تطحن في البلد؛ لأن كل حجر فارسي يطحن في كل يوم وليلة ستة أرادب، فإذا جعلناها أقداحًا كانت خمسمائة قدح وستة وسبعين قدحًا، يقيت كل إنسان منها قدح، فهذه الأحجار يعرف بها عدد الناس في كل مدينة بالتقريب.
* * *