فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الشرابيين (^١)
لَا يَعْقِدُ الْأَشْرِبَةَ وَيُرَكِّبُ الْمَعَاجِينَ والجوارشنات (^٢) إلَّا مَنْ اشْتَهَرَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَظَهَرَتْ خِبْرَتُهُ، وَكَثُرَتْ تَجْرِبَتُهُ، وَشَاهَدَ تَجْرِيبَ الْعَقَاقِيرِ وَمَقَادِيرَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ (^٣) بِهَا. وَلَا يُرَكِّبُهَا [الشَّرَابِيُّ] إلَّا مِنْ الْكُنَّاشَاتِ (^٤) الْمَشْهُورَةِ، والأقراباذينات (^٥) الْمَعْرُوفَةِ، مِثْلِ أقراباذين سابور (^٦)، وَالْمَلْكِيِّ (^٧)، وَالْقَانُونِ (^٨)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ﷿، وَيَخْشَى الْيَوْمَ الْآخَرَ مِنْ التَّهَاوُنِ بِهَا وَالتَّفْرِيطِ بِأَوْزَانِهَا، وَأَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا مَا يُنَافِيهَا وَيَسْلُبُهَا خَاصِّيَّتَهَا، مِثْلَ عَسَلِ الْقَصَبِ الْمُدَبَّرِ بِاللَّبَنِ الْحَلِيبِ وَالْخَلِّ والإسفيداج (^٩)؛ فَإِنَّ هَذَا يَعْمَلُهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَيَخْرُجُ صَافِيَ اللَّوْنِ طَيِّبَ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، فَيُرَكِّبُ مِنْهُ الْأَشْرِبَةَ
_________________
(١) المقصود بالشّرابيّين - والمفرد شرابيّ - صناع الأشربة، وهي الأدوية السائلة على اختلافها، ويقابل الشرابيّ في المصطلح الحاضر لفظ صيدلي. انظر (Dozy. Supp. Dict. Ar.) .
(٢) الجوارشنات هي الأدوية الهاضمة الطعام. (التهانوني: کشاف اصطلاحات الفنون، جـ ١، ص ٢٣٠).
(٣) في س "والخبره"، وما هنا من ل، هـ.
(٤) الكنّاشات - والمفرد كناشة - لفظة آرامية معناها "المجموعة"، والمقصود هنا مجموعة المذكرات الطبية المصطلح عليها. Dozy: Supp. Dict. Ar."
(٥) الأقراباذينات - ومفردها أقرابادين (Pharmacopee) - دستور الأدوية. Dozy: Supp) Dict. Ar.) .
(٦) المقصود بهذا الاسم سابور بن سهل النصراني، رئيس بيمارستان جنديسابور، في عهد الخليفة المقتدي بالله؛ وكانت وفاة سابور هذا سنة ٢٥٥ هـ؛ أي ٨٦٨ م. (ابن النديم: الفهرست، ص ٢٩٧؛ ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء، جـ ١، ص ١٦١).
(٧) الملكي - أو كامل الصّناعة الطبّية - اسم الكتاب الذي صنفه الطبيب على بن العبّاس المجوسي للملك عضد الدولة بن بويه الديلمي المتوفي سنة ٣٧٢ هـ؛ أي ٩٨٢ م؛ ولم تعرف سنة وفاة هذا الطبيب. (ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء، جـ ١، ص ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٨) القانون كتاب ألفه ابن سينا (٣٧٥ - ٤٢٨ هـ، ٩٨٥ - ١٠٣٦ م) في الأدوية والأمراض. (ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطبّاء، جـ ٢، ص ٦).
(٩) الاسفيداج رماد الرصاص، وكان يدخل في عمل المراهم المفيدة في معالجة الأورام. (ابن سينا: القانون، جـ ١، ص ٢٥٨؛ الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ١٤٩).
[ ٥٦ ]
وَالْمَعَاجِينَ بَدَلًا مِنْ السُّكَّرِ وَالْعَسَلِ النَّحْلِ. فَيُحَلِّفُهُمْ الْمُحْتَسِبُ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ، وَيُحَرِّفُ الْأَمْزِجَةَ وَيُفْسِدُهَا. وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ (^١) أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى السَّوَادِ إذَا أُضِيفَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ، وَتَظْهَرُ فِيهِ رَائِحَةُ الْخَلِّ إذَا مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ. وَأَيْضًا يَطْرَحُ [الْمُحْتَسِبُ] مِنْهُ شَيْئًا فِي وَسَطِ الرَّاحَةِ، وَيُقَطِّرُ عَلَيْهِ (^٢) الْمَاءَ، ثُمَّ يَحُلُّهُ بِأُصْبُعِهِ، فَإِنَّ الْعَسَلَ يَبْيَضُّ مِثْلَ الفانيد (^٣).
وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَيْهِمْ الْأَشْرِبَةَ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ، فَمَا وُجِدَ فِيهَا حَامِضًا لِتَطَاوُلِ الْمُدَّةِ عَلَيْهِ وَمُتَغَيِّرًا، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى الطَّبْخِ ثَانِيًا، لِفَسَادِ مِزَاجِهَا وَانْحِرَافِ طَبْعِهَا، سِوَى شَرَابِ الْوَرْدِ [وَشَرَابِ] (^٤) الْبَنَفْسَجِ، فَإِنَّ تَغَيُّرَهُمَا يَكُونُ سَرِيعًا، وَرَدَّهُمَا إلَى الطَّبْخِ يَزِيدُهُمَا قُوَّةً وَبَقَاءً وَنَفْعًا لِلْمَعِدَةِ. والسكنجبين (^٥) البزوري، مَتَى كَانَ لَوْنُهُ مَائِلًا إلَى السَّوَادِ فَهُوَ مَغْشُوشٌ بِعَسَلِ الْقَصَبِ الْمَذْكُورِ؛ وَكَذَلِكَ الْمَعَاجِينُ، إذَا تَغَيَّرَتْ فِي الْبَرَانِيِّ وَحَمِضَتْ، أَوْ نَتُنَتْ تَكُونُ مَغْشُوشَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَيَنْبَغِي لِلصَّانِعِ أَنْ يُقَوِّيَ عَقْدَ جَمِيعِ الْأَشْرِبَةِ حَتَّى يَصِيرَ لَهَا قَوَامٌ، وَإِذَا عَقَدَ (^٦) مِنْ الْعُنَّابِ شَرَابًا قَوَّاهُ بِكَثْرَتِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ لُطْفِيَّ (^٧) الدَّمِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْجِنُ عَكِرَ الْخَلِّ بِدِبْسٍ (^٨) وشادوران، ثُمَّ يَدْكُنُ وَيَبِيعُهُ (^٩) عَلَى أَنَّهُ عُصَارَةُ برباريس (^١٠).
_________________
(١) الضمير عائد على عسل القصب الوارد بالصفحة السابقة.
(٢) في س "عليها"، وما هنا من ل.
(٣) الفانيد عصارة القصب تطبخ حتَّى تصير أغلظ وأكثر صلابة من السكر الأبيض المعتاد، وكان هذا الفانيد مستعملا للسعال وبرد الرحم والأمعاء، واشتهرت بلاد مکران بجنوب إيران بصناعته، ومنها حمل إلى البلاد الأخرى. (ابن سينا: القانون، جـ ١، ص ٤٠٥).
(٤) الإضافة من ل، هـ.
(٥) في س "السلنجين"، ومن هنا من ص، ل، هـ. والسكنجبين شراب يَتَّخِذَ من العسل والخلّ (الخوارزي: مفاتيح العلوم، ص ١٠٤)، والسكنجبين البزوري هو الشراب المضاف إليه بزور بعض النباتات بعد دقها. (الشيرازي: كتاب الحاوي في علم التداوي، ص ٢٥).
(٦) في س "عقدت".
(٧) في س "لطفيه"، وما هنا من ع.
(٨) الدبس عسل البلح. (راجع حاشية ٧، ص ٤٠)، والشادروان حجر أسود برّاق (راجع حاشية ٦، ص ٤٨).
(٩) في س "ينقعه"، وما هنا من ل، هـ.
(١٠) البرباريس شجرة شوكية كانت تتخذ عصارتها وحبوبها في الأدوية. (ابن البيطار: المفردات، جـ ١، ص ٥٥؛ مجلة المشرق، سنة ١٩٠٨، العدد ١١، ص ٥٨٣).
[ ٥٧ ]