يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْجَزَّارُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا، يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَأَنْ يَنْحَرَ الْإِبِلَ مَعْقُولَةً، وَيَذْبَحَ الْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ مُضْطَجِعَةً عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَلَا يَجُرُّ الشَّاةَ بِرِجْلِهَا جَرًّا عَنِيفًا، وَلَا يَذْبَحُ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ (^٢)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَيَلْزَمُهُ فِي الذَّبْحِ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ وَالْمَرِيءَ، وَالْحُلْقُومَ، وَلَا يَشْرَعَ فِي السَّلْخِ بَعْدَ الذَّبْحِ حَتَّى تَبْرُدَ الشَّاةُ، وَيَخْرُجَ مِنْهَا الرُّوحُ؛؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ، " لَا تُسْلَخُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ حَتَّى تَبْرُدَ ".
وَتَجُوزُ الذَّكَاةُ (^٣) بِكُلِّ شَيْءٍ إلَّا السِّنَّ، وَالظُّفْرَ (^٤)، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ الذَّكَاةِ بِهِمَا، وَيُنْهِي الْمُحْتَسِبُ عَنْ نَفْخِ لَحْمِ الشَّاةِ بَعْدَ السَّلْخِ؛ لِأَنَّ نَكْهَةَ (^٥) الْآدَمِيِّ تُغَيِّرُ اللَّحْمَ، وَتُزَفِّرُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُقُّ اللَّحْمَ مِنْ الصِّفَاقَيْنِ (^٦)، وَيَنْفُخُ فِيهِ الْمَاءَ، وَلَهُمْ أَمَاكِنُ يَعْرِفُونَهَا فِي اللَّحْمِ يَنْفُخُونَ فِيهَا الْمَاءَ فَيُرَاعِيهِمْ الْمُحْتَسِبُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْعَرِيفِ (^٧)، وَمِنْهُمْ مِنْ يُشْهِرُ فِي الْأَسْوَاقِ الْبَقَرَ السِّمَانَ، ثُمَّ يَذْبَحُ غَيْرَهَا، وَهَذَا تَدْلِيسٌ.
_________________
(١) الجزار هو الذي يذبح الماشية للبيع، والقصاب هو الذي يبيعها للناس.
(٢) في س "كال"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(٣) في س "الزكاة"، وما هنا من ص، ل، ع. انظر الحاشية التالية بهذه الصفحة.
(٤) أجمع العلماء بأن التذكية أو الذكاة - أي الذبح - جائزة بكل ما أنهر الدم وفرى الأوداج، من حديد أو صخر أو عود أو قضيب؛ واختلفوا في جواز استخدام السن (العظم) والظفر - مثل مدى بلاد الحبشة - لأن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر بالدم غالبًا. (ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، جـ ١، ص ٣٥٨).
(٥) في س "نهكة"، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٦) في جميع النسخ "السفاقين"، وما هنا من أقرب الموارد، جـ ١، ص ٦٥٢؛ ويقصد بالصفاق جلد البطن. (الثعالبي: فقه اللغة، ص ٩٥).
(٧) في ل، هـ "فيراعيهم العريف عند غيبة المحتسب".
[ ٢٧ ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْقَصَّابُونَ فَيَمْنَعُهُمْ الْمُحْتَسِبُ مِنْ إخْرَاجِ تُوَالِي (^١) اللَّحْمِ مِنْ حَدِّ مَصَاطِبِ حَوَانِيتِهِمْ (^٢)، بَلْ تَكُونُ مُتَمَكِّنَةً فِي الدُّخُولِ عِنْدَ (^٣) حَدِّ الْمِصْطَبَةِ وَالرُّكْنَيْنِ (^٤)، لِئَلَّا تُلَاصِقُهَا (^٥) ثِيَابُ النَّاسِ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهَا. وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يُفْرِدُوا (^٦) لُحُومَ الْمَعْزِ عَنْ لُحُومِ الضَّأْنِ، وَلَا يَخْلِطُوا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَيُنَقِّطُوا لُحُومَ الْمَعْزِ بِالزَّعْفَرَانِ (^٧)، لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا، وَتَكُونُ أَذْنَابُ الْمَعْزِ مُعَلَّقَةً عَلَى لُحُومِهَا إلَى آخِرِ الْبَيْعِ، وَيُعْرَفُ لَحْمُ الْمَعْزِ بِبَيَاضِ شَحْمِهِ، وَدِقَّةِ ضِلْعِهِ. وَلَا يَخْلِطُونَ لُحُومَ الْمَعْزِ بِشُحُومِ الضَّأْنِ، وَلَا اللَّحْمَ السَّمِينَ بِاللَّحْمِ الْهَزِيلِ، وَيُعْرَفُ شَحْمُ الْمَعْزِ بِبَيَاضِهِ، وَصَفَائِهِ، وَشَحْمُ الضَّأْنِ بِعُلُوِّ صُفْرَتِهِ.
وَيَأْمُرُهُمْ بِبَيْعِ الْأَلْيَاتِ مُفْرَدَةً عَنْ اللَّحْمِ، وَلَا يُخَالِطُهَا جِلْدٌ، وَلَا لَحْمٌ.
وَإِذَا فَرَغَ [الْقَصَّابُ] مِنْ الْبَيْعِ، وَأَرَادَ الِانْصِرَافَ أَخَذَ مِلْحًا مَسْحُوقًا، وَنَثَرَهُ عَلَى الْقِرْمِيَّةِ (^٨) الَّتِي يُقَصِّبُ عَلَيْهَا اللَّحْمَ، لِئَلَّا تَلْحَسَهَا الْكِلَابُ، أَوْ يَدِبَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِلْحًا، وَإِلَّا فَالْأُشْنَانُ (^٩) الْمَسْحُوقُ يَقُومُ مَقَامَهُ. وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ لَا يُشَارِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِئَلَّا يَتَّفِقُوا عَلَى سِعْرٍ وَاحِدٍ.
وَيَمْنَعُهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ (وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ [الْقَصَّابُ] الشَّاةَ بِأَرْطَالِ لَحْمٍ مَعْلُومَةٍ، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ [الْجَزَّارُ] كُلَّ يَوْمٍ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا شَكَّ الْمُحْتَسِبُ فِي الْحَيَوَانِ - هَلْ هُوَ مَيْتَةٌ
_________________
(١) التوالى الأعجاز من اللحم المذبوح. (لسان العرب).
(٢) في س "جوانبها"، وفي ع، هـ "حوانيتها"، والتصويب المثبت هنا تقتضيه اللغة.
(٣) في س "عن"، وما هنا من هـ.
(٤) في س "الركبتين"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(٥) في س "تلاصقهم"، وما هنا من ل، هـ.
(٦) في س "تلاصقهم"، وما هنا من ع، هـ.
(٧) الزعفران -ويسمى أيضا الورس- نبات يشبه السمسم، يكثر في اليمن، ويستعمل للتلوين باللون الأصفر. (Mez: Op. Cit) الترجمة العربية، جـ ٢، ص ٢٦٥.
(٨) القرمية -والقرمة أيضا- قطعة من الخشب يقطع عليها اللحم. (Dozy.Supp. Dict. Ar) .
(٩) في س "الاشنان"، وما هنا بأثر النسخ الأخرى. والأشنان نبات لا ورق له، وأغضانه رقيقة، وطعمه يميل إلى الملوحة. (ابن البيطار: المفردات، جـ ١، ص ٣٧ - ٣٨)، ويبدو أن طريقة استخدامه بدلا من الملح هي أن تدق الأوراق والأغصان حتى تصبح مسحوقا.
[ ٢٨ ]
أَوْ مَذْبُوحٌ - أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَإِنْ رَسَبَ فَهُوَ مَذْبُوحٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْسُبْ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ إذَا طُرِحَ فِي الْمَاءِ، فَمَا كَانَ مَذِرًا (^١) فَهُوَ يَطْفُو، وَمَا كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ يَرْسُبُ.
وَيَعْتَبِرُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَى صَيَّادِي الْعَصَافِيرِ، وَسَائِرِ الطُّيُورِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا دِينَ لَهُ، [، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُصَلُّونَ. فَلْيَتَّقِ اللَّهَ الْمُحْتَسِبُ فِي أَمْرِهِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُمْ رِشْوَةً، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدِيَّةً، لِئَلَّا يَتَسَلَّطُوا بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُنَجِّسُوا مَعَايِشَهُمْ] (^٢)، وَرُبَّمَا اخْتَلَطَ مَعَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الطُّيُورِ الْمَيِّتَةِ (^٣) فَبَاعُوهُ مَعَ الْمَذْبُوحَةِ (^٤).
_________________
(١) المذر في اللغة الفاسد. (لسان العرب).
(٢) ما بين الخاصرتين وارد في ص، م فقط.
(٣) في س "المبت"، وما هنا من ص.
(٤) في س "المذبوح"، وما هنا من ص.
[ ٢٩ ]