فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الْبَيَاطِرَةِ
الْبَيْطَرَةُ عِلْمٌ جَلِيلٌ سَطَّرَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَوَضَعُوا فِيهَا تَصَانِيفَ [كَثِيرَةً] (^١). وَهِيَ أَصْعَبُ عِلَاجًا مِنْ أَمْرَاضِ الْآدَمِيِّينَ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَيْسَ لَهَا نُطْقٌ تُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا تَجِدُ مِنْ الْمَرَضِ وَالْأَلَمِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى عِلَلِهَا بِالْجَسِّ وَالنَّظَرِ، فَيَفْتَقِرُ الْبَيْطَارُ إلَى حِذْقٍ (^٢) وَبَصِيرَةٍ بِعِلَلِ الدَّوَابِّ وَعِلَاجِهَا؛ فَلَا يَتَعَاطَى الْبَيْطَرَةَ إلَّا مَنْ لَهُ دِينٌ يَصُدُّهُ عَنْ التَّهَجُّمِ عَلَى الدَّوَابِّ بِفَصْدٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ كَيٍّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَخْبَرَةٍ، فَيُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الدَّابَّةِ، أَوْ عَطَبِهَا.
فَصْلٌ :
وَيَنْبَغِي لِلْبَيْطَارِ أَنْ يَنْظُرَ [إلَى] (^٣) رُسْغِ الدَّابَّةِ، وَيَعْتَبِرَ حَافِرَهَا قَبْلَ تَقْلِيمِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحْنَفَ (^٤)، أَوْ مَائِلًا، نَسَفَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَدْرًا يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَالُ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الدَّابَّةِ. قَائِمَةً جَعَلَ الْمَسَامِيرَ الْمُؤَخَّرَةَ صِغَارًا وَالْمُقَدَّمَةَ كِبَارًا، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهَا بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ صَغَّرَ الْمُقَدَّمَةَ وَكَبَّرَ الْمُؤَخَّرَةَ. وَلَا يُبَالِغُ [الْبَيْطَارُ] فِي نَسْفِ الْحَافِرِ فَتَغْمِسُ الدَّابَّةُ، وَلَا يُرْخِي الْمَسَامِيرَ فَيَتَحَرَّكُ النَّعْلُ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْحَصَى وَالرَّمْلُ، فَتَرْهَصُ (^٥) [الدَّابَّةُ] (^٦)؛ وَلَا [يَنْبَغِي لَهُ أَنْ] يَشُدَّهَا قَوِيًّا (^٧) عَلَى الْحَافِرِ فَتُزْمَنُ [الدَّابَّةُ] (^٨).
وَاعْلَمْ أَنَّ النِّعَالَ الْمُطَرَّقَةَ أَلْزَمُ لِلْحَافِرِ، وَاللَّيِّنَةَ أَثْبُتُ لِلْمَسَامِيرِ الصُّلْبَةِ، وَالْمَسَامِيرَ الدَّقِيقَةَ خَيْرٌ مِنْ الْغَلِيظَةِ. وَإِذَا احْتَاجَتْ الدَّابَّةُ إلَى فَتْحِ
_________________
(١) الإضافة من ل.
(٢) في س "حس" وما هنا من ل، هـ.
(٣) الإضافة من هـ.
(٤) الحنف أن يكون حافر الدابة مائلا إلى الداخل. (القلقشندي: صبح الأعشى، جـ ٢، ص ٢٨).
(٥) الرَّهصة وجع يصيب حافر الدابة بسبب حجر يدخل بين النعل والحافر، فلا تطيق الدابّة وضع الحافر كله على الأرض. (کتاب في البيطرة، لم يعرف اسم مؤلفه، وهو موجود بدار الكتب المصرية برقم ٢٠٠ طب، وصفحاته ليست مرقومة).
(٦) الإضافة من ص، م.
(٧) في س "قوة"، وما هنا من ع، ل، هـ.
(٨) الإضافة من ع.
[ ٨٠ ]
عِرْقٍ أَخَذَ [الْبَيْطَارُ] الْمِبْضَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، وَجَعَلَ نِصَابَهُ فِي رَاحَتِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ رَأْسِهِ مِقْدَارَ نِصْفِ ظُفْرٍ، ثُمَّ فَتَحَ الْعِرْقَ تَعْلِيقًا (^١) إلَى فَوْقٍ بِخِفَّةٍ وَرِفْقٍ. وَلَا يَضْرِبُ [الْبَيْطَارُ] الْعِرْقَ حَتَّى يَجُسَّهُ بِإِصْبَعِهِ، سِيَّمَا عُرُوقِ الْأَوْدَاجِ، [فَإِنَّهَا خَطِرَةٌ لِمُجَاوَرَتِهَا الْمَرِيءَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ عُرُوقِ الْأَوْدَاجِ] (^٢) خَنَقَ الدَّابَّةَ خَنْقًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْدُرَ (^٣) عُرُوقُ الْأَوْدَاجِ، فَيَتَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِمَّا أَرَادَ.
فَصْلٌ :
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ [الْبَيْطَارُ] (^٤) خَبِيرًا بِعِلَلِ الدَّوَابِّ، وَمَعْرِفَةِ [مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ] (^٥)، وَمَا يَحْدُثُ فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ، فَيَرْجِعُ النَّاسُ إلَيْهِ إذَا اخْتَلَفُوا فِي [عَيْبِ] (^٦) الدَّابَّةِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْطَرَةِ أَنَّ عِلَلَ الدَّوَابِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ عِلَّةً، مِنْهَا الْخُنَّاقُ (^٧)، [وَالْخُنَانُ (^٨) الرَّطْبُ، وَالْخُنَانُ الْيَابِسُ، وَالْجُنُونُ] (^٩)، وَفَسَادُ (^١٠) الدِّمَاغِ، وَالصُّدَاعُ (^١١)، وَالْحُمْرُ (^١٢)،
_________________
(١) المقصود بذلك تعليق العرق إلى أعلا. (القاموس المحيط).
(٢) ما بين الخاصرتين وارد في ص، م، ل، هـ.
(٣) المقصود بذلك إظهار العروق. (القاموس المحيط).
(٤) الإضافة من ع.
(٥) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م فقط.
(٦) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.
(٧) الخناق ضيق في البلعوم. (الخوارزم: مفاتيح العلوم، ص ٩٧).
(٨) الخنان داء يصيب الدابة، يَتَسبَّب عنه مسيل القيح من المنخرين، والدموع من العينين. (ابن الأحنف: کتاب البيطرة، ص ١٧٣)
(٩) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م، ل، هـ.
(١٠) فساد الدماغ مرض يصيب الدابّة في رأسها، وأعراضه تنکيس الرأس وارتعاد الفرائص، واسترخاء الأذنين، والسَّهو فلا تستطيع الدابة أن تهتدى لما بين يديها. (كتاب في البيطرة. فصل في علل الدواب، انظر ما سبق، ص ٨٠، حاشية ٥).
(١١) الصداع داء يجعل الدابة منكسة الرأس، وعلى عينيها شبه الغشاوة. (ابن الأحنف: کتاب البيطرة، ص ١٨٥ - ١٨٦).
(١٢) الحمر علّة تصيب الدابة في صدرها، نتيجة الإفراط والتخمة من أكل الشعير أو شرب الماء عقب العمل. (ابن الأحنف: كتاب البيطرة، ص ١٣٥ - ١٣٦؛ القلقشندي: صبح الأعشى، ج ٢، ص ٢٧).
[ ٨١ ]
وَالنَّفْخَةُ (^١)، وَالْوَرَمُ، وَالْمُرَّةُ الْهَائِجَةُ (^٢)، والديبة (^٣)، وَالْخُشَامُ (^٤)، وَوَجَعُ الْكَبِدِ، وَوَجَعُ الْقَلْبِ، وَالدُّودُ فِي الْبَطْنِ، وَالْمَغَلُ (^٥)، وَالْمَغْسُ (^٦)، وَرِيحُ السُّوسِ (^٧)، وَالْقُضَاعُ (^٨)، وَالصُّدَامُ (^٩)، وَالسُّعَالُ الْبَارِدُ، وَالسُّعَالُ الْحَارُّ، وَانْفِجَارُ الدَّمِ مِنْ الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ، والبحل (^١٠)، وَالْحَلَقُ، وَعُسْرُ (^١١) الْبَوْلِ، وَوَجَعُ الْمَفَاصِلِ، وَالرَّهْصَةُ (^١٢)، وَالدَّخَسُ (^١٣)، وَالدَّاحِسُ (^١٤)، وَالنَّمْلَةُ (^١٥)، وَالنَّكَبُ (^١٦)، وَالْخُلْدُ (^١٧)، وَاللَّقْوَةُ (^١٨)، وَالْمَاءُ الْحَادِثُ فِي
_________________
(١) النفخة مرض من أمراض الدواب، وأعراضها الامتناع عن البول والروث، وسرعة الوقوع إلى الأرض، والتواء الرأس. (كتاب في البيطرة).
(٢) المُرّة الهائجة مرض أعراضه اشتباك قوائم الدابة، وغلظ البول، وورم الرأس والحلق. (كتاب في البيطرة).
(٣) الديبة ورم في صدر الدابة، وأعراضها امتناع الدابة عن العلف. (كتاب في البيطرة).
(٤) الخشام داء يصيب الدابة في أنفها، فتنتن رائحته. (ابن دريد: الجمهرة، ج ٢، ص ٢٢٤).
(٥) المغل داء يصيب رأس الدابة، وأعراضه انتفاخ البطن، ونتن الروث، وغلظ البول، والعجز عن السير. (كتاب في البيطرة).
(٦) المغس - والمغص أيضًا كما في م - وجع في أسفل البطن والأمعاء. (لسان العرب).
(٧) ريح السوس داء يصيب الحيوان في عجزه، فيمنعه من الاعتدال. (كتاب في البيطرة).
(٨) القضاع داء يحدث في بطن الحيوان. (المخصص: ج ٥، ص ٧٧).
(٩) الصدام داء يصيب صغار الخيل والبغال والحمير، وأعراضه التهاب الأنف والخيشوم والحنجرة، وانتفاخ الغدد اللمفاوية انتفاخا يصعب التنفس، وقد يختنق الحيوان بسبه. (عسکر بك: مبادئ الطب البيطرى، ص ١٩٠).
(١٠) البحل قرحة تصيب ذکر الحيوان. (Dozy: Supp. Dict. Ar) .
(١١) في س "عسار"، وما هنا من ل.
(١٢) انظر ما سبق، ص ٨٠، حاشية ٥.
(١٣) في س "الرحس"، وما هنا من النويرى (نهاية الأرب، ج ١٠، ص ٣٢)، حيث ورد أن الدخس ورم حول الحافر. (ابن الأحنف: كتاب البيطرة، ص ١٥٤).
(١٤) في س "الراحس"، وما هنا من ص، ل، هـ؛ والدحس ورم يحدث عند الحافر. (النويرى: نهاية الأرب، ج ١١، ص ١٠٠، حاشية ٣).
(١٥) النملة شَقّ في الحافر من ظاهره. (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٢، ص ٢٨؛ ابن الأحنف: كتاب البيطرة، ص ١٢٥).
(١٦) النكب داء في كتف الدابة يجعلها تغمز في السير. (القاموس المحيط).
(١٧) الخلد مرض ينقب موضعه من جسم الدابة، ويسيل منه ماء أصفر، فإذا کوى وبرأ، ظهر في موضع آخر، وهكذا حتَّى تنفق الدابة. (القلقشندي: صبح الأعشى، ج ٢، ص ٢٨ - ٢٩).
(١٨) اللقوة اعوجاج شفَّة الدابة من أكل العلف اليابس. (ابن الأحنف: کتاب البيطرة، ص ١٩٤).
[ ٨٢ ]
الْعَيْنِ، والمياخونة (^١)، وَرَخَاوَةُ الْأُذُنَيْنِ، وَالضَّرَسُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ، وَيَفْتَقِرُ الْبَيْطَارُ إلَى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ عِلَاجِهِ، وَسَبَبِ حُدُوثِ هَذِهِ الْعِلَلِ. فَمِنْهَا مَا إذَا حَدَثَ فِي الدَّابَّةِ صَارَ عَيْبًا دَائِمًا، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَصِرْ عَيْبًا دَائِمًا؛ وَلَوْلَا التَّطْوِيلُ لَشَرَحْت مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا وَتَفَاصِيلَ. فَلَا يُهْمِلُ الْمُحْتَسِبُ امْتِحَانَ الْبَيْطَارِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمُرَاعَاةَ فِعْلِهِ بِدَوَابِّ النَّاسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) المياخونة - والمالنخوليا أيضًا - ضرب من الجنون بين الدواب. (الخوارزم: مفاتيح العلوم، ص ٩٦).
[ ٨٣ ]