فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الصَّيَارِفِ (^١)
التَّعَيُّشُ (^٢) بِالصَّرْفِ خَطَرٌ عَلَى دِينِ مُتَعَاطِيهِ، بَلْ لَا بَقَاءَ لِلدِّينِ مَعَهُ إذَا كَانَ الصَّيْرَفِيُّ جَاهِلًا بِالشَّرِيعَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَحْكَامِ الرِّبَا. فَالْوَاجِبُ أَلَّا يَتَعَاطَاهُ [أَحَدٌ] (^٣) إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالشَّرْعِ، لِيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ مِنْ أَبْوَابِهِ. وَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَفَقَّدَ سُوقَهُمْ، وَيَتَجَسَّسَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ عَثَرَ بِمَنْ رَابَى - أَوْ فَعَلَ فِي الصَّرْفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرِيعَةِ - عَزَّرَهُ وَأَقَامَهُ مِنْ السُّوقِ. هَذَا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِأُصُولِ مَسَائِلِ الرِّبَا، وَأَنَّهُ [لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ (^٤) أَنْ] يَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ؛ فَإِنْ أَخَذَ [الصَّيْرَفِيُّ] زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ، أَوْ تَفَرَّقَا (^٥) قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا.
وَأَمَّا بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، فَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ (^٦)، وَيُحَرَّمُ فِيهِ النَّسَا (^٧) وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَالِصِ بِالْمَغْشُوشِ، وَلَا بَيْعُ الْمَغْشُوشِ بِالْمَغْشُوشِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، كَبَيْعِ الدَّنَانِيرِ الْمِصْرِيَّةِ (^٨) بِالدَّنَانِيرِ الصُّورِيَّةِ (^٩)، أَوْ الصُّورِيَّةِ
_________________
(١) يعرّف الفقهاء الصَّرف بأنه عقد بيع السلع أو العملة بعضها ببعض، بشروط خاصة وردت في في كتب الفقه؛ والصّراف هو الذي يتولى هذه العملية. (لسان العرب؛ Ency. Isl. Art. Sarf) .
(٢) في س "التمعيش"، وجميع النسخ الأخرى أخطأت كذلك في إيراد هذا اللفظ، والصواب لغة كالمثبت هنا بالمتن.
(٣) الإضافة من ل، هـ.
(٤) الإضافة من ل، هـ، بعد تعديل العبارة بما يناسب الأسلوب.
(٥) التفرق يقصد به افتراق المشتري عن البائع.
(٦) التفاضل عدم المثلية في النقود. (ابن رشد: بداية المجتهد، جـ ٢، ص ١٦١).
(٧) النسا - والنسيا والنسيئة أيضًا - الدفع مؤجلا، وهو عكس الفور. (ابن رشد: بداية المجتهد جـ ٢، ص ١٦٠ - ١٦١).
(٨) الدنانير المصرية هي الدنانير القديمة التي ضربت في عهد الفاطميين الأوائل، وقد احتفظت بعيارها على مرّ السنين. (٤٤٨ De Bouard: I' Evolution Monetaire de I' Egypte Medievale p.) .
(٩) الدنانير المصرية هي الدنانير القديمة التي استخدمها أهل الشام والعراق في معاملاتهم منذ أيام الفاطميين، وكان ضربها بمدينة صور بالشام، ولذا نسبت إليها. ثم سقطت تلك المدينة في يد الصليبيين سنة ٥١٨ هـ (١١٢٤ م)، فلم يبطل ضرب الدنانير الصورية بها إلا بعد وفاة الخليفة الآمر الفاطمي، على أنها ظلت متداولة بين لمسلمين مدة طويلة، ونقشت صور ملوكهم على وجوهها. راجع (٤٧٤ - ٤٧١. Sauvaire: Op. Cit. Journ، As. ٧ e Serie، T. XV pp؛ وكذلك القلشقند: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٤٤١).
[ ٧٤ ]
ب) بِالصُّورِيَّةِ، أَوْ الدَّرَاهِمِ الأحدية (^١) بِالدَّرَاهِمِ الْقَرَوِيَّةِ (^٢)، لِوُجُودِ الْجَهْلِ بِمِقْدَارِهَا (^٣) وَعَدَمِ التَّمَاثُلِ بَيْنَهَا (^٤). وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ دِينَارٍ صَحِيحٍ بِدِينَارِ قُرَاضَةٍ (^٥) لِاخْتِلَافِ قِيمَتِهَا، وَلَا دِينَارٍ قَاشَانِيٍّ (^٦) بِدِينَارٍ سَابُورِيٍّ (^٧) لِاخْتِلَافِ صِفَتِهِمَا. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ دِينَارٍ وَثَوْبٍ بِدِينَارَيْنِ.
وَقَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ الصَّيَارِفِ وَالْبَزَّازِينَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَيُعْطِي (^٨) [الْمُشْتَرِي] دِينَارًا وَيَجْعَلُهُ قَرْضًا، ثُمَّ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِدِينَارَيْنِ، فَيَصِيرُ لَهُ عِنْدَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِجُمْلَتِهَا. وَهَذَا حَرَامٌ أَيْضًا، لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً؛ وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يُقْرِضْهُ الدِّينَارَ لَمَا اشْتَرَى مِنْهُ الثَّوْبَ بِدِينَارَيْنِ.
وَمِنْهُمْ أَيْضًا مَنْ يَشْتَرِي الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فِضَّةٍ، أَوْ بِالْقَرَاطِيسِ الْإِفْرِنْجِيَّةِ (^٩)، ثُمَّ يَقُولُ لِلْبَائِعِ: " أَحِلْ بِهَا عَلَيَّ غَرِيمًا لَك، لِتَبْرَأَ أَنْتَ مِنْ نَقْدِهَا وَوَزْنِهَا، أَوْ اسْتَجْرِهَا مِنْ عِنْدِي قَلِيلًا قَلِيلًا "، فَيُوَافِقُهُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ لِفَرْطِ جَهْلِهِ؛ وَهَذَا
_________________
(١) لعل المقصود بتلك التسمية الدراهم التي ضربها الحجاج بن يوسف في العراق، بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، إذ المعروف أنه نقش عليها "قل هو الله أحد"، ونهى أن يضرب أحد غيرها. (المقريزي: إغاثة الأمة بكشف الغمة، ص ٥٤).
(٢) ساد استعمال هذه الدراهم بالسند والملتان من بلاد الهند، واختلطت بالدراهم القاهرية والقهرية. راجع (٥١١ - ٥١٠. Sauvaire: Op، Cit. Journ. As. ٧ e Serie T. ١٨، pp؛ المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص ٤٨٢).
(٣) في س "بمقدارها"، وما هنا من ص، ع، هـ.
(٤) في س "بينهما" وما هنا يتطلبه الأسلوب.
(٥) تطلق القراضة على القطع الصغيرة التي تقص من الدينار والدرهم، وتستخدم في التجارة. ).٥١٤ - ٥١٣. Sauvaire: op، Cit. T. ١٨، pp؛. Dozy: Supp. Dict. Ar) .
(٦) في س "قاساني"، والنسبة إلى مدينة قاشان بالقرب من أصبهان، وقد كان بها دار لضرب النقود. راجع (٥٠٩. Sauvaire: Op. Cit. F. ١٨، P)؛ وكذلك Lane -Poole) Catalogue of the Collection of Arabic Coins preserved in the Khedivial Lilbrary at Cairo، p. ٣٣٨) . انظر أيضًا (ياقوت: معجم البلدان، جـ ٧، ص ١٣).
(٧) النسبة إلى مدينة سابور بفارس، وهي المدينة التي أسسها سابور أحد ملوك الفرس القدماء، وكان بها دار لضرب النقود. (١٩ - ١٨. Lane - Poole:op. Cit. pp؛ ياقوت: معجم البلدان، جـ ٥، ص ٤ - ٥؛ ابن الأثير: الكامل، جـ ٩، ص ١٤١، ١٦٨).
(٨) في س فيعطيه، وقد حذف الضمير وأثبت الاسم التوضيح.
(٩) القراطيس الإفرنجية هي العملة من الفضة التي تعامل بها الصليبيون بالشام؛ إذ القراطيس في الأصل القضبان من الفضة. (المقريز: السلوك، جـ ١، ص ١٨٠، حاشية ٣). وقد كثر تداول هذه القراطيس بين المسلمين بالشام، وكانت تقدر حسب قيمتها من الدينار، فتارة تزيد قيمتها وتارة تنخفض، مما جعل التجار يجأرون بالشكون لنور الدين محمود ويطلبون منه أن يضرب الدينار باسمه، ولكنه رفض إبقاء على الموجود منها عند الناس. (أبو شامة: كتاب الروضتين، جـ ١، ص ١٤).
[ ٧٥ ]
كُلُّهُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ. فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَعْتَبِرَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا لَمْ نَذْكُرْهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ وَزْنَ (^١) الْأَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ إذَا فُرِّقَتْ نَقَصَتْ نَقْصًا بَيِّنًا، وَلِهَذَا كَثِيرٌ [مِنْ] الصَّيَارِفِ يَكْرَهُ قَبْضَهَا لِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ أَرْبَعَةً، وَيَعِدُهُ بِقَبْضِ الْبَاقِي فِي وَقْتٍ آخَرَ. أَمَّا اعْتِبَارُ مَوَازِينِهِمْ وَصِنَجِهِمْ فَقَدْ سَبَقَ [ذِكْرُهُ] (^٢)، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) في س، "وزنة" وما هنا من ں ل.
(٢) ما بين الحاصرتين وارد في ل فقط.
[ ٧٦ ]