فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الصَّاغَةِ
يَجِبُ أَلَّا يَبِيعُوا أَوَانِيَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحُلِيِّ الْمَصُوغَةِ إلَّا بِغَيْرِ جِنْسِهَا، لِيَحِلَّ فِيهَا التَّفَاضُلُ، وَإِنْ بَاعَهَا [الصَّائِغُ] بِجِنْسِهَا حُرِّمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَا وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الصَّرْفِ. فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْحُلِيِّ الْمَغْشُوشَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُشْتَرِيَ مِقْدَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْغِشِّ، لِيَدْخُلَ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ صِيَاغَةَ (^١) شَيْءٍ مِنْ الْحُلِيِّ لِأَحَدٍ، فَلَا يَسْبِكُهُ فِي الْكُوَرِ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، بَعْدَ تَحْقِيقِ وَزْنِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَبْكِهِ أَعَادَ الْوَزْنَ. وَإِنْ احْتَاجَ إلَى لِحَامٍ فَإِنَّهُ يَزِنُهُ قَبْلَ إدْخَالِهِ فِيهِ، وَلَا يُرَكِّبُ شَيْئًا مِنْ الْفُصُوصِ وَالْجَوَاهِرِ عَلَى الْخَوَاتِمِ وَالْحُلِيِّ إلَّا بَعْدَ وَزْنِهَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ تَدْلِيسَ الصَّاغَةِ وَغُشُوشَهُمْ خِفْيَةً لَا تَكَادُ تُعْرَفُ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَمَانَتُهُمْ وَدِينُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْ الجلاوات وَالْأَصْبَاغِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَصْبُغُ الْفِضَّةَ صَبْغًا لَا يُفَارِقُ الْجَسَدَ إلَّا بَعْدَ السَّبْكِ الطَّوِيلِ فِي الروباص (^٢)، ثُمَّ يَمْزُجُونَ بِهَا الذَّهَبَ لِلْوَاحِدِ اثْنَيْنِ. فَمِنْ ذَلِكَ صِفَةُ تَصْفِيرِهِ: يُؤْخَذُ ساذنج (^٣) قَدْ شُوِيَتْ وَدُهِنَتْ عَلَى الِانْفِرَادِ، وراسخت (^٤) قَدْ شُوِيَ بِمَاءِ المرنج (^٥) الْمُدَبَّرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَزَاجَ (^٦) وزنجفر (^٧) مَشْوِيَّانِ بِمَاءِ الْعُقَابِ (^٨) الْمَحْلُولِ فِي الْقَارُورَةِ،
_________________
(١) في س "صناعة" وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(٢) الروباص هو الإناء الذي تصهر فيه المعادن، لتصبح خالصة من الشوائب. Dozy: Supp) Dict. Ar.)
(٣) الساذج - والشاذج أيضًا - معرب عن الفارسية "شاذنة" ويسمى كذلك حجر الدم، وهو حجر أحمر معتم قابل للصقل، وله فوائد طبية.). Steingass: Pers. Eng. Dict "
(٤) الراسخت لفظ معربة عن الفارسية، ويطلق على النحاس المخلوط بالكبريت وقليل من حجر الكحل، (Dozy: Supp. Dict. Ar؛. Steingass: Pers. Eng. Dict) .
(٥) المرج نوع من العود. (المخصص، ج ١١، ص ١٩٩).
(٦) انظر ما سبق، حاشية ٧، ص ٤٥.
(٧) الزنجفر حجر الزئبق، ويصنع من الكبريت والزئبق معا. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ١٤٩؛ ابن البيطار: المفردات، ج ٧، ص ١٧٠ - ١٧١).
(٨) العقاب هو نسر البحر، ويطلق هذا الاسم عند الكيميائيين القدماء على ملح النوشادر، وهو المقصود هنا.). Dozy: Supp. Dict. Ar) .
[ ٧٧ ]
ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي السَّحْقِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُشْوَى قَدَحَانِ بِمَاءِ المرنج الْمَذْكُورِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، [ثُمَّ] (^١) بِمَاءِ الْعُقَابِ الْمَحْلُولِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حَجَرًا أَحْمَرَ مِثْلَ الدَّمِ، يُلْقَى مِنْهُ دِرْهَمٌ عَلَى عَشَرَةِ [دَرَاهِمَ] (^٢) قَمَرٍ (^٣) يَرُدُّهُ (^٤) شَمْسًا فِي عِيَارِ سِتَّةَ عَشَرَ، فَإِنْ حُلَّ هَذَا الْحَجَرُ الْإِكْسِيرُ (^٥) الْأَحْمَرُ، ثُمَّ عُقِدَ صَارَ الْقَمَرُ فِي عِيَارِ عِشْرِينَ، يُفَرَّغُ مِنْهُ دَنَانِيرُ تُعْمَلُ مِنْهُ، وَيُعْمَلُ مِنْهُ مَصَاغًا (^٦). وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ راسخت يَشْوِيه بِمَرَارَةِ الْبَقَرِ سَبْعًا، ثُمَّ يُضِيفُهُ إلَى مِثْلِهِ ذَهَبًا مُكَلَّسًا بِصُفْرَةِ الْكِبْرِيتِ الْمُسْتَخْرَجَةِ بِالْجِيرِ وَالْقِلَى (^٧)، ثُمَّ يُشْوَى الْجَمِيعُ بِمَاءِ الْعُقَابِ الْمَحْلُولِ سَبْعًا، ثُمَّ يَدْهُنُهُ بِدُهْنِ زَعْفَرَانِ الطُّورِ سَبْعًا، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حَجَرًا مِثْلَ الْأَوَّلِ، [فَإِنْ حَلَّهُ وَعَقَدَهُ صَارَ أَبْلَغُ مِنْ الْأَوَّلِ] (^٨)، يُقَارِبُ الْمَعْدِنِيَّ، (^٩) وَالْمُلْقَى مِنْهُ قِيرَاطٌ عَلَى دِرْهَمِ قَمَرٍ.
وَقَدْ يَعْمَلُونَ مِنْ الطَّبَّاخَاتِ والجلاوات أَشْيَاءُ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَلَوْلَا [أَنِّي] أَخَافُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى هَذَا السِّرِّ مَنْ لَا دِينَ لَهُ، لَأَوْضَحْت (^١٠) مِنْهُ جُمَلًا كَثِيرَةً، لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الصَّاغَةِ. فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُرَاقَبَةُ اللَّهِ ﷿، وَلَا يُزْغِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا بِهَذَا وَلَا بِغَيْرِهِ. فَإِنْ عَثَرَ الْمُحْتَسِبُ بِأَحَدٍ يَفْعَلُ هَذَا عَزَّرَهُ وَأَشْهَرَهُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا تُرَابُ دَكَاكِينِ الصَّاغَةِ وَرَمَادُهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالْفُلُوسِ، أَوْ بِعَرْضٍ (^١١) مِنْ غَيْرِ الْفُلُوسِ (^١٢)، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يَكُونُ فِيهِ، فَيُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) الإضافة من ص، ل، م.
(٢) الإضافة من هـ.
(٣) ، (^٤) يطلق کيماؤو العرب القمر والشمس على الفضة والذهب. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ١٤٧؛ Dozy: Supp. Dict. Ar.) .
(٤) الإكسير هو المركب من جسد وروح، والأجساد مثل الذهب والفضة والحديد وغيرها من المعادن، والأرواح مثل الكبريت والزئبق والزرنيخ. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ١٥٠، ١٤٧).
(٥) في س "مصوغا"، وما هنا من ع.
(٦) القلي نبات تؤخذ منه مادة ملحية كانت تستخدم في الصباغة. (ابن البيطار: المفردات، ج ٤ ص ٣١).
(٧) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.
(٨) المعدني فيما يبدو، وذلك حسبما ورد بالصفحة التالية، هو المادة المعدنية الخامة.
(٩) في س "وضحت"، وما هنا من ص، ل، هـ، ع.
(١٠) في س "بعوض"، وما هنا من ل، هـ.
(١١) الفلوس - ومفرده فلس - نقد يوناني أثيني قديم، وهو يساوي سدس الدرهم الأتيكى، نسبة إلى بلدة أتيكا ببلاد اليونان أيضًا. وكان وزن الفلس ٧٢ جراما (الكرملى: النقود العربية وعلم النميّات، ص ٦٧، حاشية ٢)، غير أنه كان يطلق عند المسلمين على النقود النحاسية فقط. (المقريزي: إغاثة الأمة، ص ٦٦).
[ ٧٨ ]