فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الْبَزَّازِينَ (^١)
وَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّجِرَ فِي الْبَزِّ إلَّا مَنْ عَرَفَ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَعُقُودَ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَارْتَكَبَ الْمَحْظُورَاتِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: " لَا يَتَّجِرُ فِي سُوقِنَا إلَّا مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِهِ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا، شَاءَ، أَوْ أَبَى ". وَقَدْ رَأَيْت فِي هَذَا الزَّمَانِ أَكْثَرَ بَاعَةِ الْبَزِّ فِي الْأَسْوَاقِ يَفْعَلُونَ فِي بِيَاعَاتِهِمْ مَا لَا يَحِلُّ عَمَلُهُ، مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] (^٢). فَمِنْ ذَلِكَ النَّجْشُ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَلَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ، لِيُغْرِ غَيْرَهُ، وَهَذَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّجْشِ». رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا».
وَلَا يَزِيدُ فِي السِّلْعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تُسَاوِي، لِيُغْرِ بِهَا النَّاسَ فَيَكُونُ حَرَامًا. وَمِنْ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ. وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (^٣)، فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ (^٤) آخَرَ: " رُدَّهَا وَأَنَا أَبِيعُك خَيْرًا مِنْهَا بِهَذَا الثَّمَنِ، أَوْ مِثْلَهَا بِدُونِ هَذَا الثَّمَنِ "؛ فَهَذَا الْفِعْلُ أَيْضًا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خُطْبَةِ أَخِيهِ». وَمِنْهُمْ مَنْ يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ، فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ آخَرَ: " أَنَا أُعْطِيك أَجْوَدَ مِنْهَا بِهَذَا الثَّمَنِ، أَوْ مِثْلَهَا بِدُونِ هَذَا الثَّمَنِ، ثُمَّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ السِّلْعَةَ فَيَرَاهَا الْمُشْتَرِي؛ وَهَذَا [أَيْضًا] حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ (^٥) - ﷺ -: «لَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ». وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ
_________________
(١) البَزّازون - والمفرد بَزَّاز - هي بائعو الثيّاب. (الصعيدي: الإفصاح في فقه اللغة، ص ٦٨٤).
(٢) الإضافة من سائر النسخ الأخرى.
(٣) الخيار اصطلاح فقهى يستعمل في البيع، وله ثلاث حالات، وهي إتمام البيع فورا، أو البيع خلال ثلاثة أيام تبدأ من يوم عقد الصفقة، أو البيع بشرط أن يلتزم البائع قبول السلعة إذ ظهر فيها عيب. (السرخسي: المبسوط، جـ ١٣، ص ٣٨). وتوجد كثير من هذه الاصطلاحات الفقهية هنا فيما يلي، وقد عني المؤلف بشرحها في مواضعها، وليس ثمت حاجة إلى التعليق عليها إلا إذا كان التعليق أهمية خاصة.
(٤) في س "لرجل"، وما هنا من ل، هـ.
(٥) في س "لقول"، وما هنا من ع، ل، هـ.
[ ٦١ ]
لِلْمُشْتَرِي: " بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ مِثْلَ مَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ ثَوْبَهُ، أَوْ بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا ".
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لِلتَّاجِرِ: " بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنْ تَبِيعنِي ثَوْبَكَ، أَوْ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ [دَرَاهِمَ] (^١) نَقْدًا، أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً ". وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُ السِّلْعَةَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، أَوْ يَبِيعُهَا (^٢) عَلَى شَرْطِ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ إلَى قُدُومِ الْحَاجِّ، أَوْ إلَى دِرَاسِ الْغَلَّةِ، أَوْ عَلَى عَطَاءِ السُّلْطَانِ "، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً مِنْ تَاجِرٍ مِثْلِهِ] (^٣)، ثُمَّ يَبِيعُهَا لِرَجُلٍ آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ -؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ حَرَامٌ، لَا يَجُوزُ لَهُمْ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ، [وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: " إذَا لَمَسْت الثَّوْبَ بِيَدِك وَلَمْ تَشْتَرِهِ لَزِمَك الْبَيْعُ ". وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ (^٤)، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: " بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ الَّذِي مَعِي بِالثَّوْبِ (^٥) الَّذِي مَعَك "، فَإِذَا نَبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (^٦) ثَوْبَهُ إلَى الْآخَرِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. وَلَا يَجُوزُ (^٧) بَيْعُ الْحَصَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: " بِعْتُك مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ ثَوْبٍ "، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (^٨) - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْحَصَاةِ»، وَأَرَادَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَصْلٌ :
وَيَعْتَبِرُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَيْهِمْ صِدْقَ الْقَوْلِ فِي أَخْبَارِ الشِّرَاءِ، وَمِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ (^٩)، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَفْعَلُونَ مَا لَا يَجُوزُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يُخْبِرُ بِرَأْسِ (^١٠) الْمَالِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْأَجَلَ يُقَابِلُهُ (^١١)
_________________
(١) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م فقط.
(٢) في س "بسلعة"، وما هنا من ع بعد التصويب لغويّا.
(٣) الإضافة من سائر النسخ الأخرى.
(٤) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.
(٥) الإضافة من ل، هـ فقط.
(٦) في س "منهم"، وما هنا من ص، م، ع، ل.
(٧) الإضافة من ل فقط.
(٨) راجع حاشية ٥، ص ١٥.
(٩) المرابحة في مصطلح الفقهاء بيع السلعة بربح معروف للمشتري، فيدفعه راضيا فوق الثمن الأصلي. (ابن الحاج: المدخل، جـ ٤، ص ٣١).
(١٠) في س "راس"، وما هنا من ص، م، ل، هـ. ورأس المال هنا هو الثمن الأصلى للسلعة المعروضة للبيع.
(١١) في س "مقابله"، وما هنا من ص، ل، هـ.
[ ٦٢ ]
قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ، وَطَلَبَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، نَقَصَهُ (^١) [الْمُشْتَرِي] مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ (^٢) عَلَى بَائِعِهَا، يُخْبِرُ بِرَأْسِ مَالِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَاطِئُ جَارَهُ، أَوْ غُلَامَهُ، فَيَبِيعُهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا، ثُمَّ يَشْتَرِيه مِنْهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، لِيُخْبِرَ بِهَا فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَيَقُولُ اشْتَرَيْته بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ وَجَمِيعُ ذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ.
فَإِذَا اشْتَرَى [التَّاجِرُ] ثَوْبًا بِعَشَرَةِ [دَرَاهِمَ (^٣)]، ثُمَّ قَصَّرَهُ بِدِرْهَمٍ، [وَطَرَّزَهُ بِدِرْهَمٍ (^٤)]، وَرَفَاهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ اشْتَرَيْته بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا، بَلْ يَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، [أَوْ هُوَ عَلَيَّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَصَّرَهُ وَطَرَّزَهُ وَرَفَاهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُولُ رَأْسُ مَالِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا (^٥)]، لِأَنَّهُ (^٦) يَكُونُ كَاذِبًا، بَلْ يَقُولُ اشْتَرَيْته بِعَشَرَةِ [دَرَاهِمَ (^٧)]، وَعَمِلْت فِيهِ عَمَلًا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ [دَرَاهِمَ (^٨)]. فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَعْتَبِرَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَيَتَفَقَّدَ مَوَازِينَهُمْ وَأَذْرِعَتِهِمْ؛ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ شَرِكَةِ الْمُنَادِي وَالدَّلَّالِ (^٩)، وَيُرَاعِيَ حُسْنَ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ الْمُشْتَرِينَ وَجَلَّابِي (^١٠) الْبَضَائِعِ، وَصِدْقَ الْقَوْلِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
_________________
(١) في س "فقبض"، وما هنا من ل، هـ.
(٢) الأرش في اللغة الدية والخدش، والمقصود هنا التعويض يدفعه البائع عن العيب الذي قد يوجد في السلعة بعد بيعها. (القاموس المحيط؛ ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، جـ ٢، ص ١٥١).
(٣) الإضافة من ل.
(٤) ما بين الحاصرتين وارد في هـ فقط.
(٥) الإضاءة من ل، هـ، ص.
(٦) في س "بل أَنَّهُ"، وما هنا من هـ.
(٧) ، (^٨) الإضافة من ل، هـ، ص، م.
(٨) يقابل هذه الفقرة في ص، م عبارات تختلف عما في المتن هنا حتَّى نهاية الفصل، ونصها: "ويراعى [المحتسب] الدلالين، فإن فيهم من ينادي على السلعة حتَّى تنتهي [المناداة]، ويشتريها هو لنفسه، ويقول للتاجر ما رضى صاحبها ببيعها. ومن الدلالين من لا يبيع التاجر سلعة إلا أن يُجعل له شيء عنده، ومنهم من يزيد في السلعة من عنده. وتدليسهم كثير، فليراعيهم [المحتسب] ولا يهمل أمرهم، فإنهم قليلو الدين. قال بعضهم إبليس علمهم الكذب، وزادوا على الكذب الأيمان الحانثة، والله أعلم".
(٩) في س "جلابين".
[ ٦٣ ]