فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الْحَمَّامَاتِ (^١) وَقَوَّمْتهَا
قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ - وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ - أَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ (^٢) الْحِسْبَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِعُمُومِ الِانْتِفَاعِ بِمَعْرِفَتِهَا، وَهِيَ لَائِقَةٌ بِهَذَا الْمَكَانِ. وَلَعَمْرِي إنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ كُلِّ حَكِيمٍ، وَالْفَائِدَةَ (^٣) حَسَنَةٌ حَيْثُ وُجِدَتْ. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: خَيْرُ الْحَمَّامَاتِ مَا قَدُمَ بِنَاؤُهُ، وَاتَّسَعَ هَوَاؤُهُ، وَعَذُبَ مَاؤُهُ، وَقَدَّرَ الْأَتَانُ وَقُودَهُ بِقَدْرِ مِزَاجِ مَنْ أَرَادَ وُرُودَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الطَّبِيعِيَّ [لِلْحَمَّامِ هُوَ] (^٤) التَّسْخِينُ بِهَوَائِهِ، وَالتَّرْطِيبُ بِمَائِهِ؛ فَالْبَيْتُ الْأَوَّلُ مُبَرِّدٌ مُرَطِّبٌ، وَالْبَيْتُ الثَّانِي مُسَخِّنٌ مُرْخٍ (^٥)، وَالْبَيْتُ الثَّالِثُ مُسَخِّنٌ مُجَفِّفٌ. وَالْحَمَّامُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَنَافِعَ وَمَضَارَّ، فَأَمَّا مَنَافِعُهَا فَتَوْسِيعُ الْمَسَامِّ وَاسْتِفْرَاغُ الْفَضَلَاتِ، [وَهِيَ] (^٦) تُحَلِّلُ الرِّيَاحَ، وَتَحْبِسُ الطَّبْعَ إذَا كَانَتْ سُهُولَتُهُ عَنْ هَيْضَةٍ (^٧)، وَتُنَظِّفُ الْوَسَخَ وَالْعَرَقَ، وَتُذْهِبُ الْحَكَّةَ وَالْجَرَبَ [وَالْإِعْيَاءَ] (^٨)، وَتُرَطِّبُ الْبَدَنَ، وَتُجَوِّدُ الْهَضْمَ، وَتُنْضِجُ النَّزَلَاتِ (^٩) وَالزُّكَامَ، وَتَنْفَعُ مِنْ حُمَّى (^١٠) يَوْمٍ، وَمِنْ حُمَّى الدَّقِّ (^١١) وَالرَّبَعِ (^١٢) بَعْدَ نُضْجِ خَلْطِهَا.
وَأَمَّا مَضَارُّهَا فَإِنَّهَا تُرْخِي الْجَسَدَ، وَتُضْعِفُ الْحَرَارَةَ عِنْدَ طُولِ الْمُقَامِ فِيهَا، وَتُسْقِطُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ، وَتُضْعِفُ
_________________
(١) استعمل لفظ الحمام في هذا الباب بصيغتي التذكير والتأنيث، وكلاهما صحيح.
(٢) في س "قبله" وما هنا من ص، ل.
(٣) في س "المفايدة" وما هنا من ص، ل، هـ.
(٤) الإضافة من سائر النسخ الأخرى.
(٥) في س "مرخى" وما هنا من له.
(٦) الإضافة يتطلبها الأسلوب.
(٧) الهيضة مغص وكرب يحدث بعدهما قيء. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٧).
(٨) الإضافة من ص، هـ.
(٩) في س "التركات" وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(١٠) المقصود بذلك الحمى العارضة التي تزول في يوم واحد، وقلما تجاوزت ثلاثة أيام؛ وأعراضها قشعريرة ونخس، وعدم الاستمرار مدة طويلة. (ابن سينا: القانون، ج ٣، ص ٦).
(١١) أعراض هذه الحمى أنها تدوم أياما كثيرة، ولكنها لا تكون قوية الحرارة، وينتهى الإنسان منها إلى ذبول وضنى. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٩).
(١٢) هذه الحمى تأتي يوما ثم تذهب يومين، ثم تعود في اليوم الرابع. (نفس المرجع والصفحة).
[ ٨٦ ]
الْبَاهَ؛ وَأَعْظَمُ مَضَارِّهَا صَبُّ الْمَاءِ الْحَارِّ عَلَى الْأَعْضَاءِ الضَّعِيفَةِ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ الْحَمَّامُ عَلَى الرِّيقِ وَالْخُلُوِّ (^١)، فَتُجَفِّفُ تَجْفِيفًا شَدِيدًا، وَتَهْزِلُ [الْبَدَنَ] (^٢) وَتُضْعِفُهُ (^٣). وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ الْحَمَّامُ عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالشِّبَعِ، فَتُسَمِّنُ الْبَدَنَ، إلَّا أَنَّهَا تُحْدِثُ سَدَدًا (^٤). وَأَجْوَدُ مَا اُسْتُعْمِلَ الْحَمَّامُ عَلَى الشِّبَعِ بَعْدَ الْهَضْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يُرَطِّبُ الْبَدَنَ، [وَيُسَمِّنُهُ] (^٥)، وَيُحَسِّنُ بَشَرَتَهُ.
فَصْلٌ :
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ (^٦) الْمُحْتَسِبُ بِغَسْلِ الْحَمَّامِ وَكَنْسِهَا وَتَنْظِيفِهَا بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، غَيْرِ مَاءِ الْغَسَّالَةِ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ. وَيُدَلِّكُونَ الْبَلَاطَ (^٧) بِالْأَشْيَاءِ الْخَشِنَةِ، لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهِ (^٨) السِّدْرُ (^٩) وَالْخِطْمِيُّ (^١٠) وَالصَّابُونُ، فَتَزْلَقُ أَرْجُلُ [النَّاسِ] (^١١) عَلَيْهَا. وَيَغْسِلُونَ الْخِزَانَةَ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُجْتَمَعَةِ فِي مَجَارِيهَا، وَالْعَكَرِ الرَّاكِدِ فِي أَسْفَلِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ لِأَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الْمَاءُ فِيهَا فِي الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ. وَإِذَا أَرَادَ الْقَيِّمُ الصُّعُودَ إلَى الْخِزَانَةِ لِفَتْحِ الْمَاءِ إلَى الْأَحْوَاضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَصْعَدَ، لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ خَاضَ فِي الْغَسَّالَاتِ. وَلَا يَسُدُّ الْأَنَابِيبَ بِشَعْرِ الْمَشَّاطَةِ، بَلْ يَسُدُّهَا بِاللِّيفِ وَالْخِرَقِ الطَّاهِرَةِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَيُشْعِلُ فِيهَا الْبَخُورَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، سِيَّمَا إذَا شَرَعَ فِي غَسْلِهَا وَكَنْسِهَا.
وَمَتَى بَرَدَتْ الْحَمَّامُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَخِّرَهَا [الْقِيَمُ] بِالْخُزَامَى (^١٢)، فَإِنَّ دُخَانَهَا (^١٣)
_________________
(١) في س وكافة النسخ الأخرى "الخلا"، والواضح أن المقصود هنا هو الخلو من الطعام.
(٢) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م فقط.
(٣) في س "تضعف"، وما أثبت بالمتن يتطلبه الأسلوب.
(٤) السدد هو الاحتباس والمنع في مجرى الدم. (. Dozy: Supp. Dict. Ar) .
(٥) ما بين الحاصرتين وارد في ص، ل، هـ فقط.
(٦) الضمير عائد على قَوَمة الحمّامات.
(٧) في س "البلاد"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(٨) في س "بها"، وما هنا من ع.
(٩) السدر شجر النبق، وكان يستخدم ورقه في الغسل. (لسان العرب).
(١٠) انظر ص ٦٠، حاشية ١.
(١١) الإضافة من النسخ الأخرى.
(١٢) الخزامى - ومفرده خزاماه - عشبة طويلة العيدان، طبية الرائحة. (الصعيدى: الإفصاح، ص ٦٢٩).
(١٣) في س "بخاره"، وما هنا من م، وهو الصحيح لغة.
[ ٨٧ ]
يُحَمِّي هَوَاءَهَا، وَيُطَيِّبُ رَائِحَتَهَا. وَلَا يَحْبِسُ مَاءَ الْغَسَّالَاتِ فِي مَسِيلِ الْحَمَّامِ، لِئَلَّا تَفُوحَ رَائِحَتُهَا؛ وَلَا يَدَعُ الْأَسَاكِفَةَ وَغَيْرَهُمْ يَصْبُغُونَ الْجُلُودَ فِي الْحَمَّامِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَضَرَّرُونَ بِرَائِحَةِ الدِّبَاغَةِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ إلَى الْحَمَّامِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْحَمَّامِيِّ ميازر (^١) يُؤَجِّرُهَا لِلنَّاسِ، أَوْ يُعِيرُهَا (^٢) لَهُمْ، فَإِنَّ الْغُرَبَاءَ وَالضُّعَفَاءَ قَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ. وَيَأْمُرُهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] بِفَتْحِ الْحَمَّامِ فِي السَّحَرِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا لِلتَّطَهُّرِ فِيهَا قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ وَيُلْزِمُ النَّاطُورَ (^٣) حِفْظَ ثِيَابِ النَّاسِ، فَإِنْ ضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - ﵁ -.
فَصْلٌ :
وَيَكُونُ الْمُزَيِّنُ -[وَهُوَ الْبَلَّانُ (^٤) - خَفِيفًا رَشِيقًا بَصِيرًا بِالْحِلَاقَةِ، وَيَكُونُ حَدِيدُهُ رَطْبًا قَاطِعًا، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الرَّأْسَ وَمَنَابِتَ الشَّعْرِ اسْتِقْبَالًا. وَلَا يَأْكُلُ [الْمُزَيِّنُ] مَا يُغَيِّرُ نَكْهَتِهِ، كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِرَائِحَةٍ فِيهِ عِنْدَ الْحِلَاقَةِ.
وَيَبْغِي أَنْ يَحْلِقَ الْجَبِينَ وَالصُّدْغَيْنِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ، وَلَا يَحْلِقَ شَعْرَ صَبِيٍّ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا يَحْلِقَ عِذَارَ أَمْرَدَ وَلَا لِحْيَةَ مُخَنَّثٍ. وَيَأْمُرُ [الْمُحْتَسِبُ] الْمُدَلِّكَ أَنْ يُدَلِّكَ يَدَهُ بِقُشُورِ الرُّمَّانِ، لِتَصِيرَ خَشِنَةً، فَتُخْرِجُ الْوَسَخَ، وَيَسْتَلِذُّ بِهَا الْإِنْسَانُ؛ وَيُمْنَعُ مِنْ دُلُوكِ الْبَاقِلَّا (^٥) وَالْعَدَسِ فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَعَامٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْتَهَنَ.
فَصْلٌ :
وَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْحَمَّامَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَارًا، وَيَعْتَبِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ (^٦)؛ وَإِنْ رَأَى أَحَدًا قَدْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ عَزَّرَهُ عَلَى كَشْفِهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، وَقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) انظر ص ٦٠، حاشية ٤.
(٢) في س "يعرها"، وما هنا من ص، ل، هـ.
(٣) في س "النا" فقط، وما هنا من سائر النسح الأخرى، والمقصود بذالك هنا حارس الثياب في الحمام. (ابن دريد: الجمهرة، ج ٢، ص ٣٧٥؛ لسان العرب).
(٤) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م فقط.
(٥) انظر الفهرس.
(٦) في س "ذكرنا" وما هنا من ل، هـ، م، ع.
[ ٨٨ ]