تَدْلِيسُ هَذَا الْبَابِ، وَاَلَّذِي بَعْدَهُ كَثِيرٌ، لَا يُمْكِنُ حَصْرُ مَعْرِفَتِهِ عَلَى التَّمَامِ. فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ نَظَرَ فِيهِ، وَعَرَفَ اسْتِخْرَاجَ غُشُوشِهِ، فَكَتَبَهَا فِي حَوَاشِيهِ تَقْرِيبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ أَضَرُّ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْعَقَاقِيرَ، وَالْأَشْرِبَةَ مُخْتَلِفَةُ الطَّبَائِعِ، وَالْأَمْزِجَةِ، وَالتَّدَاوِي عَلَى قَدْرِ أَمْزِجَتِهَا. فَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ لِمَرَضٍ وَمِزَاجٍ، فَإِذَا أُضِيفَ إلَيْهَا غَيْرُهَا أَحْرَفَهَا عَنْ مِزَاجِهَا، فَأَضَرَّتْ بِالْمَرِيضِ لَا مَحَالَةَ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى (^١) الصَّيَادِلَةِ أَنْ يُرَاقِبُوا اللَّهَ ﷿ فِي ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُخَوِّفَهُمْ، وَيَعِظَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ الْعُقُوبَةَ، وَالتَّعْزِيرَ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ عَقَاقِيرَهُمْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ. فَمِنْ غُشُوشِهِمْ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُمْ يَغُشُّونَ الْأَفْيُونَ (^٢) الْمِصْرِيَّ بِشِيَافِ (^٣) ماميتا (^٤)، وَيَغُشُّونَهُ أَيْضًا بِعُصَارَةِ، وَرَقِ الْخَسِّ الْبَرِّيِّ، وَيَغُشُّونَهُ أَيْضًا بِالصَّمْغِ.
وَعَلَامَةُ غِشِّهِ أَنَّهُ إذَا أُذِيبَ بِالْمَاءِ ظَهَرَتْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الزَّعْفَرَانِ، إنْ كَانَ مَغْشُوشًا بالماميتا، وَإِنْ كَانَتْ رَائِحَتُهُ ضَعِيفَةً، وَهُوَ خَشِنٌ، كَانَ مَغْشُوشًا بِعُصَارَةِ الْخَسِّ؛ وَاَلَّذِي هُوَ مُرٌّ صَافِي اللَّوْنِ ضَعِيفُ الْقُوَّةِ، يَكُونُ مَغْشُوشًا بِالصَّمْغِ. وَقَدْ يَغْشَوْنَ الراوند [الصِّينِيَّ] (^٥) بِنَبْتَةِ يُقَالُ
_________________
(١) في س، وسائر النسخ الأخرى "عليهم"، وقد حذف الضمير وأثبت العائد للتوضيح.
(٢) الأفيون لبن الخشخاش الأسود، وكانت تكثر زراعته في صعيد مصر، ومنها يحمل إلى سائر البلدان في العصور الوسطى. (ابن البيطار: المفردات، جـ ١، ص ٤٥ - ٤٦).
(٣) الشِّياف نوع من الأدوية، يَتَّخِذَ قمعًا أو تلبيسة لمعالجة أمراض المستقيم، أو دواء سائلا لأمراض العيون. (ابن بسام: نخبة من كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، مجلة المشرق، سنة ١٩٠ المجلد ١١، ص ٥٨٢؛ المقريزى: السلوك، جـ ١، ص ٩٩٩، حاشية ٣).
(٤) الماميتا نبات قليل الارتفاع مرّ الطعم، وورقه شبيه بورق الخشخاش، وزهره يميل إلى الزرقة. (ابن البيطار: المفردات، ج ص ١٢٤ - ١٢٥).
(٥) الإضافة من ص، م. والراوند ساق نبات إذا استخرج من الأرض وهو رطب يتشقق قطعًا، وهذه تثقب وتنظم في خيوط وتعلق في الهواء حتَّى تجف، وهو يميل إلى الحمرة، وإذا مضغ مال لونه إلى الصفرة، وكان يستخدم في معالجة أوجاع الكبد والكلى والمغص وغيرها. (ابن البيطار: المفردات، جـ ص ١٢٩ - ١٣١). وموطنه (الراوند) بلاد الصين بمقاطعة شانسي (Chan - si)، وكانت تنقله القوافل عن طريق وسط آسيا، إما إلى طرابزون أو إلى حلب. انظر. (٦٦٧ - ٦٦٥ pp. Heyd: op. Cit. II)
[ ٤٢ ]
لَهَا: رَاوَنْدُ الدَّوَابِّ (^١) تَنْبُتُ بِالشَّامِ. وَعَلَامَةُ غِشِّهِ أَنَّ الراوند الْجَيِّدَ هُوَ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَيَكُونُ خَفِيفًا، وَأَقْوَاهُ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْ السُّوسِ، وَإِذَا نُقِعَ [فِي الْمَاءِ] (^٢) كَانَ فِي لَوْنِهِ صُفْرَةٌ، وَمَا خَالَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَ مَغْشُوشًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ
وَقَدْ يَغُشُّونَ الطَّبَاشِيرَ (^٣) بِالْعِظَامِ الْمَحْرُوقَةِ فِي الْأَتَاتِينَ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهَا أَنَّهَا إذَا طُرِحَتْ فِي الْمَاءِ رَسَبَ الْعَظْمُ، وَطَفَا الطَّبَاشِيرُ، وَقَدْ يُغَشُّونَ اللِّبَانَ الذَّكَرَ بالقلفونية، (^٤) وَالصَّمْغِ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ فِي النَّارِ الْتَهَبَتْ القلفونية، وَدَخَّنَتْ وَفَاحَتْ رَائِحَتُهَا، وَقَدْ يَغُشُّونَ التَّمْرَ هِنْدِيَّ بِلَحْمِ الْإِجَّاصِ (^٥)، وَقَدْ يَغُشُّونَ الْحَضَضَ (^٦) بِعَكِرِ الزَّيْتِ، وَمَرَائِرِ الْبَقَرِ؛ فِي وَقْتِ طَبْخِهِ (^٧)، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي النَّارِ فَإِنَّ الْخَالِصَ يَلْتَهِبُ، ثُمَّ إذَا أَطْفَيْتَهُ بَعْدَ الِالْتِهَابِ يَصِيرُ لَهُ رَغْوَةٌ كَلَوْنِ الدَّمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَيِّدَ مِنْهُ أَسْوَدُ، وَيُرَى دَاخِلُهُ يَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ، وَمَا لَا يَلْتَهِبُ وَمَا لَا يُرَغِّي (^٨) يَكُونُ مَغْشُوشًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ يَغُشُّونَ الْقُسْطَ (^٩) بِأُصُولِ الرَّاسِنِ (^١٠). وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّ الْقُسْطَ لَهُ رَائِحَةٌ، وَإِذَا
_________________
(١) راوندالدواب - وهو المعروف بالشام، وكان يجلب من نواحي عمان في الشام - عروق خشبية طويلة مستديرة في غلظ الإصبع، وسمي بهذا الاسم لأن البياطرة كانوا يستخدمونه في معالجة المواشي. (ابن البيطار: المفردات، جـ ص ١٢٩ - ١٣١).
(٢) ما بين الحاصرتين وارد في ل فقط.
(٣) الطباشير رماد أصول القنا الهندي (الخيزران)، يجلب من ساحل الهند، وأجوده أشده بياضا؛ وكان يستعمل لمعالجة أمراض القلب والحميات. (ابن البيطار: المفردات، ج ص ٩٦).
(٤) القلفونية صمغ الصنوبر السائل من تلقاء نفسه إذا طبخ، ويكثر في بلاد اليونان. (ابن البيطار: المفردات، جـ ٤، ص ٣١؛ الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ص ٧٧٣).
(٥) الإجاص هو البرقوق. (بدبقيان: المعجم المصور لأسماء النباتات، ص ٤٨٧).
(٦) في س "الحمص"، وما هنا من ص، ع، ل، هـ. والحضض شجر شوکي، كانت تتخذ عصارته في الأدوية. (ابن البيطار: المفردات، جـ ٢، ص ٢٤).
(٧) في س "طحنه"، وما هنا من ص، ع، ل، هـ.
(٨) في س "بزغب"، والتصويب من ل، هـ.
(٩) القسط هنا العود، وهو نوعان، أولهما الأبيض الرقيق القشرة وهو الأجود، ويكثر بكرمان، والآخر يميل إلى السواد، ويجلب من الهند، ولذا يعرف باسم العود الهندي. وكان القسط بنوعيه يدخل في تركيب كثير من الأدوية والمعاجين، ويعملن منه دهن. (النويري: نهاية الأرب، جـ ١ ص ٤٩ - ٥٢)، كما أنه استعمل بخورا في الطقوس الدينية المسيحية. (٦١١ - ٦١٠ Cit. Il. PP.: op. Heyd) .
(١٠) في س "الراش"، وما هنا من ع، م، ل، هـ. والراسن نبات جذره سميك، وزهره يميل إلى الزرقة؛ وهو عطرى الرائحة، وطعمه وسط بين الحرافة والحدة، وينبت في الأماكن الرطبة والجبلية بالجهات الشرقية بأوربا. (الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ٢، ص ١٠١).
[ ٤٣ ]
وُضِعَ عَلَى اللِّسَانِ يَكُونُ لَهُ طَعْمٌ، وَالرَّاسِنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَغُشُّونَ زُغْبَ السُّنْبُلِ (^١) بِزُغْبِ الْقُلْقَاسِ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّهُ بِوَضْعِهِ (^٢) فِي الْفَمِ يُغْثِي، وَيُحَرِّقُ.
وَقَدْ يَغُشُّونَ الأفربيون (^٣) بِالْبَاقِلَّا الْيَابِسِ الْمَدْقُوقِ، وَقَدْ يَغُشُّونَ الْمَصْطَكَى بِصَمْغِ الْأَبْهَلِ (^٤)، وَمِنْهُمْ مِنْ يَغُشُّ الْمُقْلَ (^٥) بِالصَّمْغِ الْقَوِيِّ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّ الْهِنْدِيَّ تَكُونُ لَهُ رَائِحَةٌ ظَاهِرَةٌ إذَا بُخِّرَ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَرَارَةٌ. والأفتيمون (^٦) الإقريطشي يَغُشُّونَهُ بِالشَّامِيِّ، وَلَيْسَ بِضَارٍ، وَيَغُشُّونَهُ أَيْضًا بِزُغْبِ البسبايج (^٧)، وَمِنْهُمْ مِنْ يَغُشُّ الْمَحْمُودَةَ (^٨) بِلَبَنِ الْيَتُوعِ (^٩) الْمُجَمَّدِ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهَا أَنْ تُوضَعَ عَلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ قَرَصَتْهُ فَهِيَ مَغْشُوشَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا أَيْضًا بِنِشَارَةِ الْقُرُونِ، وَتُعْجَنُ بِمَاءِ الصَّمْغِ عَلَى هَيْئَةِ الْمَحْمُودَةِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِدَقِيقِ الْبَاقِلَّا، وَدَقِيقِ الْحِمَّصِ. وَمَعْرِفَةُ غِشِّ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْخَالِصَةَ صَافِيَةُ اللَّوْنِ مِثْلُ الغرى، وَالْمَغْشُوشَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَغُشُّونَ الْمُرَّ بِالصَّمْغِ الْمَنْقُوعِ فِي الْمَاءِ، وَصِفَةُ غِشِّهِ أَنَّ الْخَالِصَ يَكُونُ خَفِيفًا، وَلَوْنُهُ وَاحِدٌ، وَإِذَا كُسِرَ ظَهَرَ فِيهِ أَشْيَاءٌ
_________________
(١) السنبل شجر طيب الرائحة، له سنابل صغيرة، ويجلب من الهند. (ابن سينا: القانون: جـ ١، ص ٣٩٠ - ٣٩١؛ الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ٢، ص ٥٤٤؛ الملخص، جـ ١١، ص ١٩٧).
(٢) في س "يوضع"، وما هنا من هـ فقط.
(٣) الأفربيون نبات كثير العصارة، ساقه شوكية مستطيلة، وإذا شق هذا الساق خرجت منه عصارة لبنية لا تلبث أن تجف؛ وهو ينمو بافريقية والهند. (الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ١، ص ٢٣١).
(٤) الأبهل نوع من النبات، يقارب ثمره النبق في الحجم، وهو أحمر اللون، فإذا تَمَّ نضجه اسودَّ، ورائحة الأوراق عطرية نفاذة، وطعمها حريف مرّ. (الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ٢، ص ٧٣٤).
(٥) المقل صمغ شجر ينبت في اليمن وعمان. (النويري: نهاية الأرب، جـ ١١، ص ٣٢١).
(٦) الأفتيمون نبات له أصل كالجزر وهو شديد الحمرة، وزهره أحمر، وبذره صغير؛ ويلتف هذا النبات بما يجاوره، ويكثر بجزيرة إقريطش وبرقة وجمال الشام، وكان يَتَّخِذَ كمسهل. (النويري: نهاية الأرب، جـ ١١، ص ٢٨٧، حاشية ٦؛ مجلة المشرق، سنة ١٩٠٨، العدد ١١، ص ٥٨٤).
(٧) البسبايج نبات ارتفاعه نحو شبر، وهو دقيق الورق، ويوجد بين الأطلال والصخور. ولونه بين الأصفر والأحمر، وعروقه داخلها شيء كالفستق عفوصة وحلاوة. (النويري: نهاية الأرب، جـ ١٢، ص ١٩١، حاشية ٢).
(٨) المحمودة - وتسمى أيضًا السقمونيا - نبات كثير الرطوبة والأغصان، وارتفاعه نحو ثلاثة أذرع، وورقه يشبه ورق اللبلاب، وزهره أبيض، وعصارته صمغية، وكانت هذه العصارة تستخدم بعد تجفيفها كمسهل. انظر (ابن البيطار: المفردات، جـ ٣، ص ١٧ - ١٨؛ ابن سينا: القانون، جـ ١ ص ٣٨٥ راجع أيضًا، (٦٧٠ - ٦٦٩ Heyd: Op. Cit. II. pp.) .
(٩) البتوع نبات كثير العصارة مثل السقمونيا، وكان مستعملا في معالجة وجع الأسنان والجرب والقروح، بعد إضافة الخل أو الزيت إلى العصارة. (ابن البيطار: المفردات، جـ ٤، ص ٢٠٤ - ٢٠٧).
[ ٤٤ ]
كَشَكْلِ (^١) الْأَظْفَارِ مَلْسَاءُ، تُشْبِهُ الْحَصَى، وَتَكُونُ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَا كَانَ مِنْهُ ثَقِيلًا وَلَوْنُهُ لَوْنُ الزِّفْتِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ مِنْ يَغُشُّ قِشْرَ اللِّبَانِ (^٢) بِقُشُورِ شَجَرِ الصَّنَوْبَرِ، وَصِفَةُ غِشِّهِ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ، فَإِنْ الْتَهَبَ وَفَاحَتْ لَهُ رَائِحَةٌ [طَيِّبَةٌ] (^٣) فَهُوَ خَالِصٌ، وَإِنْ كَانَ بِالضِّدِّ فَهُوَ مَغْشُوشٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ المرزنجوش (^٤) بِبِزْرِ الحندقوق (^٥)، وَقَدْ يَغُشُّونَ الشَّمْعَ بِشَحْمِ الْمَعْزِ وبالقلفونية، وَقَدْ يَذَرُونَ فِيهِ عِنْدَ سَبْكِهِ دَقِيقَ الْبَاقِلَّا أَوْ الرَّمْلَ النَّاعِمَ، أَوْ الْكُحْلَ الْأَسْوَدَ الْمَسْحُوقَ؛ ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ بِطَانَةً فِي الشَّمْعَةِ، ثُمَّ يُغْشَى (^٦) بِالشَّمْعِ الْخَالِصِ، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنَّك إذَا أَشْعَلْت الشَّمْعَةَ ظَهَرَ فِيهَا ذَلِكَ.
وَقَدْ يَغُشُّونَ الزِّنْجَارَ بِالرُّخَامِ والقلقند (^٧)، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنْ تَبُلَّ إبْهَامَكَ، وَتَغْمِسَهَا فِيهِ، ثُمَّ تُدَلَّكُ بِهَا السَّبَّابَةَ، فَإِنْ نَعِمَ، وَصَارَ كَالزُّبْدِ فَهُوَ خَالِصٌ، وَإِنْ ابْيَضَّ، وَتَحَبَّبَ فَهُوَ مَغْشُوشٌ، وَأَيْضًا يُتْرَكُ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَ الْأَسْنَانِ، فَإِنْ وَجَدْته كَالرَّمْلِ فَهُوَ مَغْشُوشٌ بِالرُّخَامِ، وَأَيْضًا تُحَمَّى صَفِيحَةٌ فِي النَّارِ، ثُمَّ يَذَرُ عَلَيْهَا، فَإِنْ احْمَرَّ فَهُوَ مَغْشُوشٌ بالقلقند، وَإِنْ اسْوَدَّ فَهُوَ خَالِصٌ. وَقَدْ يَخْتَارُونَ مِنْ الْإِهْلِيلَجِ (^٨) الْأَسْوَدِ إهْلِيلَجًا أَصْفَرَ، وَيَبِيعُونَهُ مَعَ الْكَابِلِي؛ وَيَخْتَارُونَ
_________________
(١) في س "ثم"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى.
(٢) اللبان صمغ يستخرج من أشجار تنبت بجزيرة العرب. (مجلة المشرق، سنة ١٩٠٨ المجلد ١١، ص ٥٨٥).
(٣) الإضافية من ل، هـ.
(٤) المرزنجوش - ويطلق عليه أيضًا المردقوش، وهو معروف في مصر بالبردقوش - نوع من الرياحين التي تزرع في البيوت، وهو دقيق الورق، وزهره أبيض مشرب بحمرة، وبذره كالريحان، طيب الرائحة. (ابن البيطار: المفردات، جـ ص ١٤٤؛ المخصص، ج ١١، ص ١٩٤ - ١٩٥).
(٥) الحندقوق نبات يبلغ في ارتفاعه نحو ذراعين، وله بزر شبيه ببزر الحلبة، إلا أنه أصغر منه، وكان مستعملا في معالجة بعض الأمراض. (ابن البيطار: المفردات، جـ ص ٣٩ - ٤٠).
(٦) في س وغيرها من النسخ "يغشيها"، وقد أصلحت لانسجام العبارة.
(٧) القلقند الزاج الأخضر، والزاج مادة معدنية يمكن تحليلها بالماء والطبخ، وتوجد في العادة مخالطة لأحجار لا تقبل التحليل. (ابن البيطار: المفردات، جـ ٢، ص ١٤٨؛ ابن سينا: القانون، جـ ١، ص ٣٠٣). والقلقند من الأدوية التي كانت تستعمل في معالجة أمراض الأذن. (ابن سينا. القانون، ج ١، ص ٤٢٢).
(٨) الإهليلج ثمرة نبات من الفصيلة الإهليلجية (Myrobalamus)، وثمرته هذه زيتونية؛ أي مؤلفة من شحم ونواة، وهي عديمة الرائحة (الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ص ٤٩٤). والإهليلج خمسة أنواع، وهي الأبلج والبليلج والكابلي والأصفر والهندي؛ وتنمو أشجاره بالهند وأفغانستان، وأدخله العرب في أدويتهم المسهلة، ووصل إلى أوربا عن طريق عدن والاسكندرية. راجع. IIeyd: Op. Cit. II pp.٦٤٠ - ٦٤٣)؛ والرشيدي (عمدة المحتاج، جـ ص ٤٩٤)؛ وابن البيطار (المفردات، جـ ص ١٩٦ - ١٩٧).
[ ٤٥ ]
مِنْ الْإِهْلِيلَجِ الْأَصْفَرِ الْمُعَصَّبِ (^١) حُبَاشَةَ (^٢) الْكَابِلِي، وَيَبِيعُونَهُ مَعَ الْكَابِلِي، وَقَدْ يَرُشُّونَ الْمَاءَ عَلَى الْخِيَارِ شنبر (^٣)، وَهُوَ مَلْفُوفٌ فِي الْأَكْسِيَةِ عِنْدَ بَيْعِهِ، فَيَزِيدُ رِطْلُهُ نِصْفَ [رِطْلٍ] (^٤)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ اللَّكَّ (^٥)، وَيَسْبِكُهُ عَلَى النَّارِ، وَيَخْلِطُ مَعَهُ الْآجُرَّ الْمَسْحُوقَ، وَالْمَغْرَةَ (^٦)، ثُمَّ يَعْقِدُهُ، وَيَبْسُطُهُ أَقْرَاصًا، ثُمَّ يُكَسِّرُهُ بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ دَمُ الْأَخَوَيْنِ (^٧).
وَمِنْهُمْ مَنْ يَدُقُّ الْعِلْكَ (^٨) دَقًّا جَرِيشًا، ثُمَّ يَجْعَلُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الجاوشير (^٩) [وَيَطْبُخُهُ] (^١٠) عَلَى النَّارِ فِي عَسَلِ النَّحْلِ، وَيُلْقِي فِيهِ شَيْئًا مِنْ الزَّعْفَرَانِ، فَإِذَا غَلَى، وَأَرْغَى، طَرَحَ فِيهِ الْعِلْكَ، وَحَرَّكَهُ إلَى أَنْ يَشْتَدَّ، ثُمَّ يَعْمَلُهُ أَقْرَاصًا إذَا بَرَدَ، وَيُكَسِّرُهُ، وَيَخْلِطُ مَعَهُ الجاوشير، فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ، وَأَمَّا جَمِيعُ الْأَدْهَانِ الطِّبِّيَّةِ، وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُمْ يَغُشُّونَهَا بِدُهْنِ الْخَلِّ بَعْدَ أَنْ يُغْلَى عَلَى النَّارِ، وَيُطْرَحَ فِيهِ جَوْزٌ، وَلَوْزٌ مَرْضُوضٌ، لِيُزِيلَ (^١١) رَائِحَتَهُ، وَطَعْمُهُ، ثُمَّ يَمْزُجُونَهُ (^١٢) بِالْأَدْهَانِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ نَوَى الْمِشْمِشِ، وَالسِّمْسِمِ، ثُمَّ يَعْجِنُهُمَا بَعْدَ دَقِّهِمَا، وَيَعْصِرُهُمَا
_________________
(١) المعصَّب - كما في القاموس - هو السّيد، والمقصود هنا المختار من الأهليلج.
(٢) الحُباشة الجماعة من الناس، ليست من قبيلة واحدة (تاج العروس). والمقصود بهذا اللفظ هنا الخليط من أنواع الإهليلج.
(٣) في س "الخيارشير"، والتصويب من ل، ع، ص، هـ. وهو نوع من الحروب كبير الحجم، ويحمل قرونا خضراء طويلة بها حب أسود حلو المذاق، تستعمل كدواء مسهل؛ وكان يصدر في العصور الوسطى إلى أوربا من الإسكندرية. راجع (٦٠٣ - ٦٠٢ Heyd: op، Cit. ١١. pp) .
(٤) الإضافة من ع فقط.
(٥) اللك شجر يكثر في الهند وجزر الهند الشرقية والهند الصينية، ويخرج منه صمغ أحمر اللون يغطي القشرة الظاهرة من الأغصان؛ وكان سلعة تجارية هامة في العصور الوسطى، لاستعماله في الصباغة والطلاء والطب. (٦٢٦ - ٦٢٤ Heyd: Op. Cit. II pp) .
(٦) المغرة طين أحمر يستخدم في الصباغة. (المخصص، جـ ١٠، ص ٦٢).
(٧) شرح ابن البيطار (المفردات، جـ ١، ص ٧٢؛ جـ ٢، ص ٩٦)، دم الاخوين - وهو العندم والأيدع أيضًا - بأنه صمغ أحمر يثبت شجره بجزيرة سقطرى في شرق إفريقية.
(٨) في س "الكعك"، وما هنا من ص. والعلك صمغ كاللبان يمضغ فلا يتميع (لسان العرب).
(٩) الجاوشير لفظ فارسي معرب، ومعناه الحرفي حليب البقر، وهو في الحقيقة شجر يعمر في الأرض، وأوراقه طويلة وأزهاره صفراء، وصمغه قوى الرائحة مر الطعم، ويكثر في الهند والبلاد الشرقية. (الرشيدي: عمدة المحتاج، جـ ٣ ص ٦٨٥).
(١٠) الإضافة من ع فقط.
(١١) في س" أزيل"، وما هنا من ل، هـ.
(١٢) في س وغيرها من النسخ "يمزجه".
[ ٤٦ ]
وَيَبِيعُ دُهْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ دُهْنُ لَوْزٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ دُهْنَ الْبَلَسَانِ (^١) بِدُهْنِ السَّوْسَنِ (^٢)، وَمَعْرِفَةُ غِشِّهِ أَنْ يُقَطَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى خِرْقَةِ صُوفٍ ثُمَّ يُغْسَلَ، فَإِنْ زَالَ عَنْهَا، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا فَهُوَ خَالِصٌ، وَإِنْ أَثَّرَ فِيهَا كَانَ مَغْشُوشًا وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخَالِصَ مِنْهُ إذَا قُطِّرَ فِي الْمَاءِ يَنْحَلُّ، وَيَصِيرُ فِي قَوَامِ اللَّبَنِ، وَالْمَغْشُوشُ يَطْفُو مِثْلَ الزَّيْتِ، وَيَبْقَى كَواكِبًا (^٣) فَوْقَ الْمَاءِ، وَقَدْ أَعْرَضْت عَنْ أَشْيَاءٍ كَثِيرَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ أَذْكُرْهَا لِخَفِيِّ غِشِّهَا، وَلِامْتِزَاجِهَا (^٤) بِالْعَقَاقِيرِ، مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مِمَّنْ لَا دِينَ لَهُ، فَيُدَلِّسُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا ذَكَرْت فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي غَيْرِهِ مَا قَدْ اُشْتُهِرَ غِشُّهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَتَعَاطَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَأَمْسَكْت عَنْ أَشْيَاءٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ (^٥)، قَدْ ذَكَرَ أَكْثَرَهَا صَاحِبُ كِتَابِ كِيمْيَاءِ الْعِطْرِ (^٦)؛ فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ، فَمَزَّقَهُ، وَحَرَقَهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ ﷿.
_________________
(١) البلسان شجرة كانت تنبت بعين شمس بضواحي القاهرة، وتشرط الشجرة في وقت معين من السنة، ويجمع ما يرشح منها، فلا يتجاوز بضعة أرطال من الدهن الطيب الرائحة. وكان البلسان مستعملا في الطقوس الدينية المسيحية، واشتهرت مصر بوجوده بها في العصور الوسطى. (ابن سينا: القانون، جـ ١، ص ٢٦٥ - ٢٦٦؛ ٥٨٠ - ٥٧٥. Heyd: op. Cit. Il. pp.) .
(٢) السوسن نبات طيب الرائحة، له ساق عليها أزهار مختلفة الألوان. (ابن سينا: القانون، جـ ١، ص ٣٨٢).
(٣) الكواكب جمع کوکب، وفي اللغة كوكبُ الشيء معظمه (لسان العرب)، ولعل المقصود هنا أن ذلك الدهن إذا كان مغشوشا طفا معظمه على وجه الماء، في أشكال مستديرة مثل الكواكب.
(٤) في س والنسخ الأخرى "وامتزاجها".
(٥) في س "مشتهرة" وما هنا من ص، ل.
(٦) ربما كان الكندى هو المقصود هنا، فمن بين كتبه التي ذكرها ابن النديم (الفهرست، ص ٢٦١) کتاب في كيمياء العطر.
[ ٤٧ ]