فِي الصَّيْفِ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَى الْغَشْيِ. وَتَثْنِيَةُ الْفَصْدِ تَحْفَظُ قُوَّةَ الْمَفْصُودِ، فَمَنْ أَرَادَهَا فِي يَوْمِهِ فَلْيَشُقَّ الْعِرْقَ مُوَرِّبًا، لِئَلَّا يَلْتَحِمَ سَرِيعًا؛ وَأَجْوَدُ التَّثْنِيَةِ مَا أُخِّرَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. وَمَتَى تَغَيَّرَ لَوْنُ الدَّمِ، أَوْ حَدَثَ غَشْيٌ وَضَعْفٌ فِي النَّبْضِ، فَلْيُبَادِرْ [الْفَاصِدُ] إلَى شَدِّ (^١) الْعِرْقِ وَمَسْكِهِ.
فَصْلٌ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُرُوقَ الْمَفْصُودَةَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا عُرُوقٌ فِي الرَّأْسِ، وَعُرُوقٌ فِي الْيَدَيْنِ، وَعُرُوقٌ فِي الْبَدَنِ، وَعُرُوقٌ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَعُرُوقٌ فِي الشَّرَايِينِ؛ فَيَمْتَحِنُهُمْ (^٢) الْمُحْتَسِبُ بِمَعْرِفَتِهَا، وَبِمَا يُجَاوِرُهَا (^٣) مِنْ الْعَضَلِ وَالشَّرَايِينِ. وَسَأَذْكُرُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْهَا: أَمَّا عُرُوقُ الرَّأْسِ الْمَفْصُودَةِ، فَعِرْقُ الْجَبْهَةِ، وَهُوَ الْمُنْتَصِبُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ، وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ ثِقَلِ الْعَيْنَيْنِ وَالصُّدَاعِ الدَّائِمِ؛ وَمِنْهَا (^٤) الْعِرْقُ الَّذِي فَوْقَ الْهَامَةِ، وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ [مِنْ] (^٥) الشَّقِيقَةِ (^٦) وَقُرُوحِ (^٧) الرَّأْسِ؛ وَمِنْهَا (^٨) الْعِرْقَانِ الْمَلْوِيَّانِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، وَفَصْدُهُمَا يَنْفَعُ مِنْ الرَّمَدِ وَالدَّمْعَةِ وَجَرَبِ الْأَجْفَانِ وَبُثُورِهَا (^٩)؛ وَمِنْهَا (^١٠) عِرْقَانِ خَلْفَ الْأُذُنَيْنِ، يُفْصَدَانِ (^١١) لِقَطْعِ النَّسْلِ، فَيُحَلِّفُهُمْ الْمُحْتَسِبُ أَلَّا يَفْصِدُوا وَاحِدًا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ النَّسْلَ، وَقَطْعُ النَّسْلِ حَرَامٌ؛ وَمِنْهَا عُرُوقُ الشَّفَةِ، وَفَصْدُهَا يَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْفَمِ وَالْقِلَاعِ (^١٢) وَأَوْجَاعِ اللِّثَة وَأَوْرَامِهَا؛ وَمِنْهَا الْعُرُوقُ الَّتِي تَحْتَ اللِّسَانِ، وَفَصْدُهَا يَنْفَعُ مِنْ الْخَوَانِيقِ (^١٣) وَأَوْرَامِ اللَّوْزَتَيْنِ.
_________________
(١) في س "شروه"، وما هنا من ل، وقد حذف ضمير الهاء وأثبت الاسم التوضيح.
(٢) الضمير عائد على الفصَّادين.
(٣) في س "جاوزه"، وما هنا من ل، هـ، م.
(٤) في س "منهم"، وفي النسخ الأخرى "منه"، وما هنا هو الصواب لغويّا.
(٥) الإضافة من ل فقط.
(٦) الشقيقة داء يحدث في نصف الرأس. (المخصص، جـ ٥، ص ٧٤).
(٧) في س "عروق"، وما هنا من ل، هـ.
(٨) في س وجميع النسخ الأخرى "ومنهم"، وما هنا هو الصواب لغويا.
(٩) في س "ويثورهما"، والتصويب من ل.
(١٠) في س "منهما"، وما هنا من ل، هـ.
(١١) في س والنسخ الأخرى "يفصد"، والتصويب يقتضيه الأسلوب.
(١٢) القلاع بثور في الفم واللسان. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٧).
(١٣) الخوانيق أورام في الحنجرة، يتسبب عنها ضيق في التنفس، وينتهي المريض بها إلى الوفاة في أغلب الأحيان. (ابن سينا: القانون، ج ٢، ص ١٩٨ - ١٩٩).
[ ٩٢ ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا عُرُوقُ الْيَدَيْنِ (^١) فَسِتَّةٌ، [وَهِيَ] الْقِيفَالُ (^٢)، وَالْأَكْحَلُ (^٣)، والباسليق (^٤)، وَحَبْلُ الذِّرَاعِ (^٥)، وَالْأُسَيْلِمُ (^٦)، وَالْإِبْطِيُّ - وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ الباسليق؛ وَأَسْلَمُ هَذِهِ الْعُرُوقِ الْقِيفَالُ. وَيَنْبَغِي [عَلَى الْفَاصِدِ] أَنْ يُنَحِّيَ فِي فَصْدِهِ [عَنْ] (^٧) رَأْسِ الْعَضَلَةِ إلَى مَوْضِعٍ لِينٍ، وَيُوَسِّعَ بَضْعَهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُثَنِّيَ. وَأَمَّا الْأَكْحَلُ فَفِي فَصْدِهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، لِأَجْلٍ الْعَضَلَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَرُبَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَ عَصْبَتَيْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ فَوْقَهَا عَصَبَةٌ دَقِيقَةٌ مُدَوَّرَةٌ كَالْوَتْرِ؛ فَيَجِبُ [عَلَى الْفَاصِدِ] أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَيَتَجَنَّبَهُ (^٨) فِي حَالِ الْفَصْدِ، وَيَحْتَاطَ أَنْ تُصِيبَهُ (^٩) الضَّرْبَةُ، فَيَحْدُثُ مِنْهَا خَدْرٌ مُزْمِنٌ. وَأَمَّا الباسليق فَعَظِيمُ الْخَطَرِ أَيْضًا، لِوُقُوعِ الشِّرْيَانِ تَحْتَهُ، فَيَجِبُ [عَلَى الْفَاصِدِ] أَنْ يَحْتَاطَ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الشِّرْيَانَ إذَا بُضِعَ لَمْ يُرْقَأْ (^١٠) دَمُهُ.
وَأَمَّا الْأُسَيْلِمُ، فَالْأَصْوَبُ أَنْ يُفْصَدَ طُولًا؛ وَحَبْلُ الذِّرَاعِ يُفْصَدُ مُوَرِّبًا؛ [وَكُلَّمَا انْحَدَرَ الْفَاصِدُ فِي فَصْدِ (^١١) الباسليق إلَى الذِّرَاعِ كَانَ أَسْلَمَ].
فَصْلٌ
وَأَمَّا عُرُوقُ الْبَدَنِ، فَعِرْقَانِ عَلَى الْبَطْنِ، أَحَدُهُمَا مَوْضُوعٌ عَلَى الْكَبِدِ، وَالْآخَرُ مَوْضُوعٌ
_________________
(١) في س "البدن"، وما هنا من ص، ل، هـ.
(٢) القيفال (Vena cephalica) من عروق الذراع، وتسمية العامة عرق الرأس. (الزهراوي: التصريف لمن عجز عن التأليف، ج ٢، ص ٤٦٠).
(٣) الأكحل - ويسمى المأبض أيضًا - العرق الأوسط في الذراع. (الزهراوي، نفس المرجع والصفحة).
(٤) الباسليق (Vena basilica) هو العرق الممتد في الجانب الداخلي من الجسم، وتسمية العامة عرق البطن. (الزهراوي: نفس المرجع والصفحة).
(٥) حبل الذراع هو العرق الممتد على طول الزند، ويظهر واضحا فوق الإبهام. (الزهراوي: نفس المرجع والصفحة).
(٦) الأسيلم عرق بين الخنصر والبنصر، وهو من شعب الباسليق. (الزهراوي: نفس المرجع والصفحة؛ الخوارزي: مفاتيح العلوم، ص ٩٣).
(٧) الإضافة من هـ.
(٨) في س "يجتنب"، وما هنا من م، هـ.
(٩) الضمير عائد على عرق الأكحل، والمقصود بالضربة فعل مشرط الفصَّاد.
(١٠) في س "يرق"، وما هنا هو الصواب. انظر ما يلى، ص ٩٤، حاشية ١٠.
(١١) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.
[ ٩٣ ]
عَلَى الطِّحَالِ؛ [وَ] يَنْفَعُ فَصْدُ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا لِلِاسْتِسْقَاءِ (^١)، وَالْأَيْسَرُ يَنْفَعُ لِلطِّحَالِ (^٢).
فَصْلٌ
وَأَمَّا عُرُوقُ الرِّجْلَيْنِ، فَأَرْبَعَةٌ، مِنْهَا عِرْقُ النَّسَا (^٣)، وَيُفْصَدُ عِنْدَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ مِنْ الْكَعْبِ، فَإِنْ خَفِيَ فَلْتُفْصَدْ الشُّعْبَةُ الَّتِي بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ [مِنْ الْقَدَمِ]؛ وَمَنْفَعَةُ (^٤) ذَلِكَ عَظِيمَةٌ، سِيَّمَا فِي النِّقْرِسِ (^٥) وَالدَّوَالِي (^٦) وَدَاءِ الْفِيلِ (^٧). وَمِنْهَا عِرْقُ الصَّافِنِ (^٨)، وَهُوَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ [مِنْ السَّاقِ]، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ عِرْقِ النَّسَا، وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ الْبَوَاسِيرِ، وَيَدِرُّ الطَّمْثَ، وَيَنْفَعُ الْأَعْضَاءَ الَّتِي تَحْتَ الْكَبِدِ. وَمِنْهَا عِرْقٌ مَأْبِضٌ [تَحْتَ] (^٩) الرُّكْبَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّافِنِ فِي النَّفْعِ. وَمِنْهَا الْعِرْقُ الَّذِي خَلْفَ الْعُرْقُوبِ، وَكَأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ الصَّافِنِ، وَمَنْفَعَةُ فَصْدِهِ مِثْلُ الصَّافِنِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْعُرُوقُ وَالشَّرَايِينُ الْمَفْصُودَةُ فِي الْغَالِبِ، وَيَجُوزُ فَصْدُهَا، فَهِيَ الصِّغَارُ وَالْبَعِيدَةُ مِنْ الْقَلْبِ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ الَّتِي يَرْقَأُ دَمُهَا إذَا فُصِدَتْ. وَأَمَّا الشَّرَايِينُ الْكِبَارُ الْقَرِيبَةُ الْوَضْعِ مِنْ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْقَأُ (^١٠) دَمُهَا إذَا فُصِدَتْ، وَاَلَّتِي يَجُوزُ فَصْدُهَا [مِنْهَا]- عَلَى الْأَكْثَرِ - شِرْيَانُ
_________________
(١) الاستسقاء أن يكون البطن منتفخا متمددا، إذا ضرب بخفة سمع منه مثل صوت الطبل. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٨).
(٢) هذا الفصل كله وارد في ل، هـ فقط.
(٣) موضع عرق النسا عند اللقب من الجانب الخارجي للقدم، وهو المعروف أيضًا باسم الجانب الوحشي، كما بالمتن. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ٩٣؛ الزهراوي: التصريف لمن عجز عن التأليف، ج ٢، ص ٤٦٠).
(٤) في س "ومعرفة ذلك"، وما هنا من ل.
(٥) النقرس ورم في المفاصل. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٩).
(٦) الدوالى عروق تظهر في الساق، وهي غليظة ملتوية شديدة الخضرة. (الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٩).
(٧) داء الفيل مرض من أعراضه تورّم الساق. (الخوارزي: نفس المرجع والصفحة).
(٨) الصافن عرق في الساق يظهر عند اللقب من الجانب الداخلي. (الزهراوي: نفس المرجع والصفحة).
(٩) الإضافة من ل فقط.
(١٠) المقصود بذلك أن نزيف الدّم ينقطع بعد فترة قصيرة من فتحها. (القاموس المحيط).
[ ٩٤ ]