﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكَايَةُ عَنْ الْمَأْمُونِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (^١).
فَصْلٌ
وَمَا سِوَى [ذَلِكَ مِنْ أَرْبَابِ] (^٢) الْحِرَفِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّنَائِعِ (^٣) الْمَشْهُورَةِ فِي كِتَابِي هَذَا، فَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُحْتَسِبِ كَيْفِيَّةُ الْحِسْبَةِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّطَرُّقُ إلَى كَشْفِ تَدْلِيسِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ يُعْرَفُ (^٤) بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ: مِثْلُ الْحِسْبَةِ عَلَى الْبَقَّالِينَ [وَبَاعَةِ] (^٥) الْخَضْرَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِبَيْعِ الْبُقُولِ مَغْسُولَةً مِنْ السِّرْجِينِ (^٦)، مُنَقَّاةً مِنْ الْحَشِيشِ وَالطَّاقَاتِ (^٧) الْمُصَفِّرَةِ؛ وَ[يَأْمُرُهُمْ] بِقَطْعِ شَغَفِ أُصُولِ الْخَسِّ وَالْفُجْلِ؛ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ غَسْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ الرَّطْبَيْنِ (^٨)، فَإِنَّ الْمَاءَ يَزِيدُهُمَا (^٩) زَفْرَةً وَنُتُونَةً؛ وَإِذَا بَاتَ فِي دَكَاكِينِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَخْلِطُونَهُ (^١٠) بِالطَّرِيِّ الْمَقْطُوعِ فِي الْيَوْمِ. وَيَنْهَاهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] عَنْ بَيْعِ مَا دَوَّدَ مِنْ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتِّينِ وَالرُّطَبِ، وَمَا قَدْ تَنَاهَى نُضْجُهُ حَتَّى تَهَرَّى قِشْرُهُ مِنْ ذَلِكَ.
[وَ] مِثْلُ الباقلائيين (^١١)، يَنْهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا سَوَّسَ مِنْ الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصِ، وَعَنْ خَلْطِ مَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْسِ فِيمَا سَلَقُوهُ الْيَوْمَ؛ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَنْثُرُوا عَلَيْهِ الْمِلْحَ الْمَسْحُوقَ وَالصَّعْتَرَ، لِيَدْفَعَ مَضَارَّهُ؛ وَيَتَفَقَّدُ مَكَايِيلَهُمْ (^١٢)، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ قِطْعَةً مِنْ خَشَبٍ يَحْفِرُونَهَا مِكْيَالًا، فَيَكُونُ طُولُهَا شِبْرًا مَثَلًا، وَالْمَحْفُورُ مِنْ دَاخِلِهَا أَرْبَعَ أَصَابِعَ،
_________________
(١) انظر ما سبق، ص ٩.
(٢) الإضافة من ص، م.
(٣) في س "البضايع"، وما هنا من ص، م، هـ.
(٤) في س "يعرفون"، والتصويب من ص، م، ل، هـ.
(٥) الإضافة من ل.
(٦) في س "السرخين"، والتصويب من ل، هـ. انظر ما سبق، ص ١ حاشية ٤.
(٧) في س "الطاقاه"، وما هنا من ل، هـ. والطاقات جمع طاقة، وهي نوع من شجر الريحان. (. Steingass: Pers. Eng. Dict؛ تاج العروس).
(٨) في س "الرطب"، والتصويب من ل.
(٩) في س "يزيده"، والتصويب من ل.
(١٠) في س "يخلطوه".
(١١) في س "الباقلانين"، وما هنا من ص، ع. والمقصود بالباقلائيين باعة الباقلا؛ أي الفول. (بديقيان: المعجم المصور لأسماء النبات، ص ٦١٣).
(١٢) في س "مكايلهم"، وما هنا من ص، ل، هـ.
[ ١١٦ ]
فَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِسَعَتِهَا وَطُولِهَا، وَلَا يَعْلَمُونَ الْمِقْدَارَ الْمَحْفُورَ مِنْهَا؛ وَهَذَا تَدْلِيسٌ لَا يَخْفَى. وَمِثْلُ بَاعَةِ الْخَزَفِ وَالْكِيزَانِ وَالْأَوَانِي، فَإِنَّهُمْ يَطْلُونَ مَا كَانَ مَثْقُوبًا مِنْهَا أَوْ مَشْقُوقًا بِالْكِلْسِ (^١) الْمَعْجُونِ بِالشَّحْمِ وَبَيَاضِ الْبَيْضِ وَالْخَزَفِ الْأَحْمَرِ الْمَسْحُوقِ.
وَمِثْلُ الْغَسَّالِينَ، يَنْهَاهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] عَنْ غَسْلِ ثِيَابِ النَّاسِ بِالْمَاءِ الْمَطْبُوخِ فِيهِ الْقَلْيُ (^٢) وَالنَّوْرَةُ (^٣) وَالنَّطْرُونُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْمَلَابِسِ وَيُبْلِيهَا سَرِيعًا، وَيُوَلِّدُ فِيهَا الْقُمَّلَ وَالصِّئْبَانَ. وَمِثْلُ السَّقَّائِينَ وَأَصْحَابِ الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ [فِي النَّهْرِ] (^٤)، حَتَّى يَبْعُدُوا عَنْ الشَّطِّ وَمَوَاضِعِ الْأَوْسَاخِ؛ وَلَا يَسْتَقُونَ مِنْ مَوْضِعٍ فِي النَّهْرِ بِقُرْبٍ مِنْ سِقَايَةٍ [لِلدَّوَابِّ] أَوْ مُسْتَخْدَمٍ (^٥) أَوْ مَجْرَى حَمَّامٍ؛ بَلْ يَصْعَدُونَ عَنْهُ أَوْ يَبْعُدُونَ مِنْ تَحْتِهِ؛ وَمَنْ اتَّخَذَ مِنْهُمْ رَاوِيَةً جَدِيدَةً أَمَرَهُ [الْمُحْتَسِبُ] بِنَقْلِ (^٦) الْمَاءِ إلَى مَعَاجِنِ الطِّينِ (^٧) أَيَّامًا، وَلَا يَبِيعُهُ لِلشُّرْبِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَغَيِّرَ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ مِنْ أَثَرِ الدِّبَاغَةِ وَالزِّفْتِ، فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ أَذِنَ لَهُ الْمُحْتَسِبُ بِبَيْعِهِ لِلنَّاسِ لِلشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَيَأْمُرُهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] أَنْ يَشُدُّوا فِي أَعْنَاقِ دَوَابِّهِمْ الْأَجْرَاسَ وَصَفَاقَاتِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، لِتَعْلُوَ جَلَبَةُ الدَّابَّةِ إذَا عَبَرَتْ فِي سُوقٍ أَوْ مَحَلَّةٍ، فَيَحْتَرِسُ (^٨) مِنْهَا الضَّرِيرُ وَالصِّبْيَانُ وَالْإِنْسَانُ الْغَافِلُ؛ وَكَذَلِكَ (^٩) يَفْعَلُ الْمُكَارِيَةُ وَحَمَّالُو (^١٠) الْحَطَبِ بِدَوَابِّهِمْ. وَيُجْبِرُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُحَمِّلُونَ الدَّوَابَّ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهَا، وَلَا يَسُوقُونَهَا سَوْقًا شَدِيدًا تَحْتَ الْأَحْمَالِ، وَلَا يَضْرِبُونَهَا ضَرْبًا قَوِيًّا، وَلَا يُوقِفُونَهَا فِي الْعِرَاصِ (^١١) وَعَلَى ظُهُورِهَا [أَحْمَالُهَا] (^١٢)، فَإِنَّ هَذَا
_________________
(١) انظر ما سبق ص ١٠٢، حاشية ٨.
(٢) انظر ما سبق ص ٧٨، حاشية ٧.
(٣) النَّوْرَة الجير الذي لم يصبه ماء. (ابن البيطار: المفردات، ج ص ٧٦ - ٧٧).
(٤) الإضافة من ل، هـ.
(٥) كذا في س، وفي هـ "خرارة"، والمعنى واضح.
(٦) في س "فينقل"، وما هنا من ع.
(٧) في س، ع، هـ "جبل الطين"، وما هنا من ابن الأخوة (معالم القربة، ص ٢٤٠)، وهو الأقرب للصواب، والمعنى أن يشتغل السقاء عدة أيام بنقل الماء براويته الجديدة إلى المعاجن التي يجهز بها الطين لأعمال البناء، ليزول عن الراوية ما بها من أثر الدباغة والزفت، كما بالمتن، فتصبح بعد ذلك صالحة لحمل الماء الطاهر الصالح للشرب وغيره من الأغراض.
(٨) في س "فيتحذر"، وما هنا من ل.
(٩) في س "ولذلك"، وما هنا من ل، هـ.
(١٠) في س "حمالون".
(١١) انظر ما سبق ص ١٣، حاشية ٦.
(١٢) الإضافة من ل.
[ ١١٧ ]
كُلَّهُ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ عَنْ فِعْلِهِ. وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاقِبُوا اللَّهَ ﷿ فِي عَلَفِ الدَّابَّةِ وَعَلِيقِهَا، وَيَكُونُ مُوَفَّرًا عَلَيْهَا (^١) بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ (^٢) الشِّبَعُ، وَلَا يَكُونُ مَبْخُوسًا (^٣) وَلَا نَزْرًا (^٤).
وَلَوْ شَرَعْت أَنْ أَذْكُرَ (^٥) جَمِيعَ مَا يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ لَطَالَ الْكِتَابُ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حَصْرٌ، وَلَكِنِّي قَدْ وَضَعْت أُصُولًا وَقَوَاعِدَ يَقِيسُ عَلَيْهَا الْمُحْتَسِبُ مَا يُجَانِسُهَا. وَلَعَمْرِي إنَّ الضَّابِطَ فِي أُمُورِ الْحِسْبَةِ هُوَ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، فَكُلُّ مَا نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ [يَكُونُ] (^٦) مَحْظُورًا، وَوَجَبَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إزَالَتُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ أَقَرَّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَتَى كَانَ الْمُحْتَسِبُ جَاهِلًا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَوَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ وَالْمَحْذُورِ؛ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ وَالْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
_________________
(١) في س "عليهم"، وما هنا من ل، هـ.
(٢) في س "نهاية"، وما هنا من ع.
(٣) في س "منحوسا" وما هنا من هـ.
(٤) في س "بزرا"، وما بالمتن هو الأقرب للمعنى المراد.
(٥) عبارة س "ولو شرعت في جميع ما يفعله المحتسب من أمور الحسبة أذكره لطال الكتاب"، والمثبت بالمتن أوضح وأقرب للفهم.
(٦) الإضافة من هـ فقط.
[ ١١٨ ]