الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلَا يَأْتُونَ (^١) إلَى جِنَازَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمْ وَلِيُّ الْمَيِّتِ، وَإِذَا أُعْطُوا شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ؛ فَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ فَلَا يَجُوزُ؛ فَيَعْتَبِرُ الْمُحْتَسِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
وَلَا يُغَسِّلُ الْمَوْتَى إلَّا ثِقَةٌ أَمِينٌ قَدْ قَرَأَ كِتَابَ الْجَنَائِزِ فِي الْفِقْهِ، وَعَرَفَ حُدُودَ ذَلِكَ؛ فَيَسْأَلُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَنْ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَ قَيِّمًا بِهِ تَرَكَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ صَرَفَهُ لِيَتَعَلَّمَ. وَيَنْهَى [الْمُحْتَسِبُ] الْأَضِرَّاءَ (^٢) وَأَهْلَ الْكُدْيَةِ (^٣) الْمُقْنِفِينَ (^٤) عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ لِلْكُدْيَةِ، فَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ ذَلِكَ؛ [وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ الَّذِي عَمِلَتْهُ الرَّوَافِضُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْمَصْرَعَ (^٥) وَأَشْبَاهِهِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِتْنَةٌ لِلْعَامَّةِ، فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ] (^٦).
فَصْلٌ
وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَرَدَّدَ إلَى مَجَالِسِ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ (^٧)، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الْجَامِعِ وَالْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، وَالذِّمِّيُّ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَافِي، وَمَنْ لَا يَحْتَرِزُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَيُؤْذُونَ الْمَسْجِدَ وَيُنَجِّسُونَ الْحُصْرَ؛ وَقَدْ تَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ، وَيَكْثُرُ اللَّغَطُ فِيهِ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ وَمُنَازَعَتِهِمْ لِلْخُصُومِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وَقَدْ رَأَيْت مَكْتُوبًا فِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ (^٨) أَنَّ [الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَظْهِرَ بِاَللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - ﵀ - وَلَّى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ
_________________
(١) الضمير عائد على أهل القرآن. انظر الصفحة السابقة، سطر ١٢.
(٢) في س "عن الاضرا"، وما هنا من ع، ل، هـ. والأضراء جمع ضرير، وهو الأعمى. (لسان العرب).
(٣) الكدية لفظ فارسي معناه الاستجداء وسؤال الناس. (. Dozy: Supp. Dict. Ar) .
(٤) لعل المقصود بهذا اللفظ أهل الكدية والبطالة الذين يجمعون حولهم الجماهير، فيعطلون الطريق والمارة به، إذ أن معنى القنيف جماعات الناس. (القاموس المحيط).
(٥) المقصود بذلك هنا مصرع الحسين بن على بن أبي طالب، وغيره من أحاطت المآسي بوفاتهم من آل البيت.
(٦) ما بين الحاصرتين وارد في ل، م فقط.
(٧) في س "الأحكام"، وما هنا من ص، م، ل، هـ.
(٨) في س "الصميري"، وما هنا من ص، وابن الأخوة (معالم القربة، ص ٢٠٧). والصيمري نسبة إلى بلدة صَيْمرة بالقرب من البصرة (ياقوت: معجم البلدان، ج ٥، ص ٤٠٦)، غير أن الناشر لم يستطع العثور على ترجمة أو اسم کتاب لهذا المؤلف في كتب التراجم المختلفة.
[ ١١٣ ]
الشَّافِعِيِّ - ﵁ -[الْحِسْبَةَ بِبَغْدَادَ] (^١)، فَنَزَلَ [الرَّجُلُ] إلَى جَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَوَجَدَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ، فَقَالَ [لَهُ]: " سَلَامٌ عَلَيْك، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾.
وَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ ﷿ خَلِيفَتَهُ (^٢) الْمُسْتَظْهِرَ بِاَللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْضِهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (^٣) وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ جَعَلَنِي وَإِيَّاكَ نَائِبَيْنِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، قَائِمَيْنِ فِي رَعِيَّتِهِ بِحُدُودِ (^٤) اللَّهِ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؛ وَنَحْنُ أَوْلَى مَنْ يَعْمَلُ بِحُدُودِهِ، وَلُزُومِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، لِيَقْتَدِيَ بِنَا الْعَامَّةُ. فَنَحْنُ مِلْحُ الْبَلَدِ، نُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ مَنْ يُصْلِحُهُ؟ وَمَجْلِسُك هَذَا لَا يَصْلُحُ فِي الْجَامِعِ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾.
وَلَيْسَ فِي هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ وَإِنَّهُ لَتَدْخُلُ (^٥) إلَيْك الْمَرْأَةُ لِتَحْكُمَ مَعَ بَعْلِهَا، وَمَعَهَا الطِّفْلُ فَيَبُولُ عَلَى الْحُصُرِ؛ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَمْشِي عَلَى النَّجَاسَةِ وَالْقَذَرِ، وَيَدُوسُ الْحُصُرَ بِنَعْلِهِ؛ وَإِنَّ الْأَصْوَاتَ لَتَرْتَفِعُ بِاللَّغَطِ خَارِجَ حَلْقَتِك (^٦)؛ وَرُبَّمَا دَخَلَ إلَيْك الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ؛ وَجَمِيعُ ذَلِكَ أَمَرَ نَبِيُّنَا - ﷺ - بِاجْتِنَابِهِ. فَاجْلِسْ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ عَلَى أَحَدٍ الْقَصْدُ إلَيْك، وَالسَّلَامُ ".
قَالَ [الصَّيْمَرِيُّ]: (^٧) فَنَهَضَ الْقَاضِي مِنْ وَقْتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ يَجْلِسُ فِي الْجَامِعِ لِلْقَضَاءِ. وَمَتَى رَأَى الْمُحْتَسِبُ رَجُلًا يَسْفَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، أَوْ يَطْعَنُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ، أَوْ لَا يَنْقَادُ إلَى حُكْمِهِ، عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا رَأَى الْقَاضِيَ قَدْ اسْتَشَاطَ عَلَى رَجُلٍ غَيْظًا، أَوْ شَتَمَهُ (^٨) أَوْ احْتَدَّ (^٩) عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ، رَدَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَوَعَظَهُ، وَخَوَّفَهُ بِاَللَّهِ ﷿؛
_________________
(١) الإضافة من ل.
(٢) في س "خليفه"، والتصويب من ص، م.
(٣) في س "والمعروف" وما هنا من ص، م، ل، هـ.
(٤) في س "حدود"، وما هنا من ل، هـ.
(٥) في س "ليدخل"، والتصويب من ل، هـ.
(٦) في س "خلفك"، والتصويب من ل.
(٧) انظر الصفحة السابقة، سطر ١٤.
(٨) في س "يشتمه"، والتصويب من ل، م.
(٩) في س "يحتد"، وما هنا من هـ.
[ ١١٤ ]