أُشْهِد عليه كلّ من فلان وفلان، النصارى الملكيين (^١) واليعاقبة (^٢)، واليهود الرَّبَّانين (^٣) والقرَّاءين (^٤) والسامرة (^٥)، شهود للإشهاد الشرعيّ أنه قال: سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهالينا وأهل ملّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألّا نُحْدث في
_________________
(١) (١، ٢) هذه التسمية - ويقال الملكانيون والملكانية أيضا، وهي الأكثر استعمالا - مشتقة من لفظ الملك، والملك المقصود هنا الإمبراطور مرقيان (Marcianus) باعتباره ملكا على الدولة الرومانية في القرن الخامس الميلادي، أو هي مشتقة من اسم الإمبراطور نفسه، وذلك حسبما قال القلقشندي (صبح الأعشى، ج ١٣، ص ٢٧٦)، وعلى هذا الفرض تكون التسمية بدأت برسم "المرقانية"، ثم حرَّفها الاستعمال إلى "ملكانية"، وهو فرض مقبول. والملكانية اتباع المذهب الذي تمخض عنه المجمع الديني الذي عقد بمدينة خلقدونية (Chalcedon) بآسيا الصغرى سنة ٤٥١ م، ولذا يسمي باسم الخلقدوني أيضا، وهو الذي صار مذهبا رسميا للدولة الرومانية في تلك الأزمنة المسيحية الأولى، وأساسه أن للمسيح ﵇ طبيعتين، أي إلهية وبشرية. وهذا يختلف عن مذهب اليعاقبة - أو اليعقوبيين - القائم على أساس أن للمسيح ﵇ طبيعة إلهية واحدة، وهو المذهب الذي ساد عصر والشام وبعض بلاد المشرق التي رنت إلى شيء من الاستقلال بشئونها السياسية والدينية؛ وقد عرف ذلك المذهب أولا باسم المذهب المونوفيزتي - أي مذهب الطبيعة الواحدة، ثم غلبت عليه التسمية الواردة بالمتن نسبة إلى زعيم المونوفيزتية في القرن السادس الميلادي، وهو يعقوب البراذعي (Jacob Baradeus) المتوفي سنة ٥٧٨ م. انظر المقريزي: السلوك، ج ١، ص ٩١٣، حاشية ٥؛ وكذلك (Dictionary of Religion and Ethics). (٣، ٤، ٥) الربانية - ويقال لهم الربانيون أيضا - طائفة كبيرة من اليهود، وهي تعوَّل في أحكام الشريعة على ما في التلمود، ولا تحفل كثيرا بالنصوص الإلهية، متبعة لآراء من تقدمها من الأحبار. أما القرَّاء - وهم القراءون في العصر الحاضر - فإنهم يخالفون الربانية، ويُحَكّمون نصوص التوراة، ولا يلتفتون إلى قول من خالفها. وأما السامرة فليسوا أصلا من اليهود، وإنما هم من قبائل السامرة التي سكنت أولا بلاد الدولة الفارسية، ثم انتقلت إلى الشام واتصلت باليهود؛ وهم ينكرون نبوة داود ومن تلاه من الأنبياء، ويعتبرون أن التوراة التي في أيدي اليهود ليست توراة موسى ﵇. (المقريزى: الخطط - طبعة النيل - جـ ٤، ص ٣٦٨ - ٣٧١)؛ راجع أيضا (Samaritans Ency. Isl. Art .).
[ ١٢٠ ]
مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلّاية (^١) ولا صومعة لراهب، ولا نُجَدِّدَها إذا خربت، ولا نُحْيي ما كان منها في خطط المسلمين. ولا نمنع كنائسنا وأديرتنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نُوسِّع أبوابها للمارّة وابن السبيل، وأن نُنْزِلَ من مَرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام، نُطْعِمَهم الضيافة. ولا نُعَلِّم أولادنا القرآن، ولا نظهر شِرکا، ولا ندعو إليه أحدا من المسلمين. ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إذا أراد (^٢)، وأن نُوَقّر المسلمين، ونقوم لأكابرهم من مجالسنا إذا أراد [الواحد منهم] الجلوس. ولا نتشبَّه بهم في شيء من ملبوسهم، حتى العامة والنعلين وفرق الشعر. ولا نتكلّم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم. ولا نركب السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتَّخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله. ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نظهر بيع الخمر، ولا نجزّ مقادم رؤوسنا. وأن نَلْزمَ زيَّنا حيثما كُنَّا، وأن نشدَّ زنانيرنا على أوساطنا، وألا نُظهر صلباننا وكتبنا في شيء من مجالس المسلمين وأسواقهم وطرقهم. ولا نرفع أصواتنا بالقراءة (^٣) في كنائسنا ولا غيرها بحضرة المسلمين، ولا نخرج في الشعانين (^٤) والأعياد جمعا. ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا. ولا نَتّخذ من الرقيق من جرت عليه سهام المسلمين، ولا نَطّلع عليهم في منازلهم. ولا نضرب أحدا من المسلمين ولا نشتمهم، ولا نشتري شيئا من سبايا المسلمين. وأن نلزم أحكام حكام المسلمين فيما يجب علينا في الشريعة، ولا نحارب المسلمين، ولا نعين عليهم بوجه من الوجوه.
وقد شرطنا لَكم ذلك على أنفسنا وأهل مِلّتنا، وقبلنا عليه الأمان، على أن تعطونا ذمّة الله وذمّة المسلمين ألَّا يكلف أحدٌ منا ما لا طاقة له به، ولا غير ما شُرِط عليه، ولا يُظْلَم
_________________
(١) القلاية - وجمعها قلايا - بناء مرتفع ينفرد فيه راهب واحد، لينصرف إلى العبادة الانعزالية، وقد لا يكون للقلاية باب ظاهر، إمعانا في العزلة. (الخفاجي: شفاء الغليل، ص ١٦٦).
(٢) في الأصل "ارادوا".
(٣) في الأصل "بالقراة".
(٤) عيد الشعانين - ويطلق عليه أيضا عيد الزيتونة - أحد أعياد القبط في مصر، ويقع في سابع أحد من صومهم الكبير الذي يسبق عيد الفصح، وفيه يخرجون بسعف النخيل، ويرون أنه يوم ركوب المسيح بالقدس والناس بين يديه يسبحون، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. (المقريزى: الخطط - طبعة النيل - ج ٢، ص ٢٤).
[ ١٢١ ]
أحدٌ منّا في نفس ولا مال، ولا عبد (^١) ولا أتباع، وأنّ من ظلم أحدًا (^٢) منا كان على المسلمين ردّه، وردّ المظلمة على صاحبها.
ومن خالف ذلك منّا فلا ذمّة له ولا عهد، وحلّ لكم ما يحلّ من أهل المعاندة والشقاق. وسألوا ذلك لأنفسهم، وأن يُقرّوا على ما شُرط عليهم، على الحكم المشروع أعلاه، بعد إشهاد كلّ منهم على نفسه في حال الصحة والسلامة؛ فأقرّوا على ذلك، سائلين راغبين. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن وفَّى نجا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، وفَّى بذلك (^٣) [فلان]، وفّى الناسخ الفلاني.
_________________
(١) في الأصل: "معبد"، والمثبت بالمتن هنا أقرب إلى الانسجام مع سائر الجملة.
(٢) في الأصل "حد".
(٣) في الأصل "بدلها"، والصواب ما بالمتن.
[ ١٢٢ ]