رجم الزاني المحصن ثابت في القرآن في عدة آيات أولها قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ .
وهذه الآية كانت في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت لا تخرج منه حتى تموت ثم جعل الله لهن سبيلًا وهذا السبيل هو الناسخ لهذه الآية كما قال ابن عباس ﵁ كان الحكم لذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم وهذا السبيل الذي جعله الله ﷾ هو الذي أعلنه الرسول في الحديث الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله ﷿ عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: [خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم] . ورواه أيضًا مع مسلم أصحاب
[ ٤٦ ]
السنن وقال الترمذي حسن صحيح.
وهذا دليل أن الرجم ثابت بالقرآن لأن الله ﷾ أشار إليه وأخبر به ثم أوحى به الرسول ﷺ المبين للقرآن كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فالرسول هو الذي بين بأمر الله السبيل الذي عناه الله بقوله ﴿أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ .
وأصرح من هذا الحديث في الدلالة على أن القرآن قد نزل بالرجم الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك الله ألا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه، وكان أفقه منه فقال. صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي يا رسول الله!! "أي أن ابدأ بعرض القضية" فقال النبي ﷺ: [قل] !! فقال: إن ابني كان عسيفًا "أي أجيرًا، أو خادمًا" في أهل هذا فزنى بامرأته فاقتديت منه بمائة شاة وخادم "أي عبد أو جارية" وإني سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا، الرجم فقال ﷺ: [والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم ردّ عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ويا أنيس اغد على امرأة هذا فسلها فإن اعترفت فارجمها] فاعترفت فرجمها (اللؤلؤ والمرجان ص٤٢٣، ٤٢٤) . وهذا نص صريح قطعي الدلالة أن الرسول ﷺ حكم بالقرآن في زانيين
[ ٤٧ ]
أحدهما بكر وهو الأجير والثاني ثيب وهي المرأة المتزوجة فحكم على الأول بالجلد مائة وتغريب عام وعلى المرأة "الثيب" بالرجم وقال النبي في هذا الحكم [والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله] وكتاب الله هنا القرآن ولا شك المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ. وكذلك فالذين تخاصموا إلى الرسول ﷺ في هذه القضية ناشدوه الله أن يقضي بينهم بكتاب الله! فهل بعد ذلك يقول الدكتور سعاد جلال ردًا على من ذكره بأن رأيه الشاذ هذا مخالف للقرآن "تقول لهم إذا قالوا أنه مخالف للقرآن هذا هو الكذب الصراح فإن نصوص القرآن المتعلقة بحكم الزنا ليس فيها ذكر للرجم أصلًا بل القرآن هو حجتنا الكبرى عليكم" نص كلامه ونحن نقول له يا من تتهم الصادقين بالكذب أكان رسول الله ﷺ لا يفهم عندما حكم بذلك وحلف أن هذا حكم الله في القرآن؟ أم أنك تكذب رسول الله أيضًا الذي يقسم بأن هذا حكم الله في القرآن؟! أم أن هذا من عمى البصيرة علاوة على عمى البصر.
وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على أن القرآن قد أثبت الرجم ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ جلس على المنبر فقال في خطبة طويلة: "إن الله بعث محمد ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ورجمنا بعده فاخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل منهم والله لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف".
[ ٤٨ ]
وهذا الأثر الذي أخرجه هنا أصحاب السنن دليل واضح أن الرجم قد نزل في آيات من القرآن عمل بها رسول الله والخلفاء بعده وهذا الأثر دليل الإجماع لأن عمر بن الخطاب ﵁ خطب في ذلك بمحضر من الصحابة جميعًا ولم ينكر عليه أحد ونقل هذا عنه الكافة وعنهم الكافة إلى يومنا هذا لا مخالف لذلك إلا من طمس الله بصائرهم من الخوارج المارقين وشذاذ من متفلسفة المسلمين أمثال النظام المعتزلي والذين جاء الدكتور سعاد جلال ليسير على درب غوايتهم وضلالهم.
وفي هذا الأثر دليل أيضًا على أن آية الرجم كانت في القرآن نصًا فنسخت تلاوتها وبقي حكمها كما هو شأن آية الرضاع أيضًا ومعلوم أن النسخ في القرآن على ثلاثة أوجه فمنها نسخ التلاوة مع بقاء الحكم وهذا شأن الرجم.
ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة كآيات في الخمر، والقتال، والوصية لا يتسع المجال لذكرها، ونسخ الحكم والتلاوة معا. وكل هذا مصدق لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (البقرة: ١٠٦) .
والخلاصة أن آية الرجم نصًا كانت في القرآن ونسخ تلاوتها وبقي حكمها عمل به الرسول والمسلمون بعده مجمعون على ذلك إلى يومنا هذا.
ومما يدل أيضًا على أن حكم الرجم ثابت بالقرآن قوله تعالى:
[ ٤٩ ]
﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (المائدة: ٤٣)، وقد نزلت هذه الآية في سبب معروف وهو ما رواه الشيخان أيضًا البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ: [ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟] فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما فيها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة. وهذا دليل واضح صريح أن الرجم في القرآن وأن الله قال لرسوله في شأن هؤلاء أنفسهم: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ (المائدة: ٤٢) .
وها قد حكم الرسول بينهم بالقسط وهو حكم الله المنزل في التوراة والقرآن وأنما أمرهم رسول الله أن يأتوا بالتوراة ليلقمهم الحجر فقط ويلزمهم الحجة لا أنه عدل عن حكم القرآن إلى حكم التوراة فإنه لا يجوز في حقه ولا حق اتباعه أن يحكموا بالتوراة المنسوخة بل أتى بالتوراة لأنها تطابق حكم القرآن فأراد أن ينفذ فيهم حكم الله بشهادة كتابهم إلزامًا لهم وبيانًا لرقة دينهم وتحايلهم على كتاب ربهم، وهذا ولا شك أصرح الأدلة على أن حكم الرجم ثابت في القرآن لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا جاء في شرعنا ما
[ ٥٠ ]
يثبتها ويؤيده وشريعة الرجم شريعة بني إسرائيل قد جاء في شرعنا ما يثبتها ويؤيدها فهي حكم الله ﷾ على بني إسرائيل وأمة محمد ﷺ وكل ذلك ثابت في القرآن وعلى لسان محمد ﷺ ولا شك بعد في كل ما قدمنا أن حكم الرجم ثابت بالقرآن الكريم ثم بعد ذلك بسنة سيد المرسلين ﷺ والأحاديث الصحيحة التي سردناها برهان لذلك ثم بإجماع المسلمين جيلًا بعد جيل وخطبة عمر في محضر الصحابة برهان ذلك وفعل الخلفاء ومن بعدهم من التابعين ومن سار على دربهم إلى اليوم برهان ذلك، وأما المنافقون والخوارج المكذبون لذلك فإنه يصدق فيهم قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، فسبيل المؤمنين جيلًا بعد جيل إثبات الرجم والعمل به وهذا هو فعل الرسول وأمره وهو قول الله وحكمه ومن شاقق هؤلاء فقد قال الله في شأن المشاقين: ﴿نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ وفي الفصل الآتي تفصيل بحول الله لهذا الإجمال وردود أخرى للمسائل الأصولية التي أراد الشيخ سعاد أن يلبس بها على الناس.