وهذا الحكم تقريبًا من المعلوم في الدين ضرورة فلم ترد كلمة السجن والحبس في الكتاب والسنة كعقوبة محكمة (غير منسوخة) قط. والذي جاء في الكتاب والسنة مما قد يفهمه بعض الناس أنه عقوبة سجن هو:
(أ) قوله تعالى في شأن الزانيات ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ (النساء: ١٥) . وقد أمر هنا سبحانه بإمساك الزانية في البيوت حتى الموت أو إلى أن يفصل الله في شأنهن بأمر آخر، وقد فعل الله ونسخ هذا الحكم وحكم في شأنهن بالجلد إذا كانت بكرًا كما قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (النور: ٢)، وأما المحصن والمحصنة فقد حكم الله فيهما ورسوله بالرجم وأخبر الرسول أن الجلد والرجم هو السبيل الذي أشار الله إليه في آية النساء الماضية: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾، كما قال ﷺ: [خذوا عني، خذوا عني!! قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد
[ ٢٩ ]
مائة والرجم] (رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي)، والشاهد من كل ذلك أن الحبس في البيوت منسوخ بآية (النور) والحديث الآنف. ولا شك أن الحبس في البيوت أيضًا المنسوخ ليس هو كالحبس المعروف في أيامنا هذه (وسيأتي لهذا تفصيل آخر) .
(ب) وأما الدليل الآخر الذي قد يفهم منه بعض الناس أن الحبس عقوبة شرعية، فهو النفي أو التغريب، الذي جاء في قوله تعالى في شأن المفسدين في الأرض: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا، أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ (المائدة: ٣٣) الآية. وقد ذكر الله هذا (النفي) على أنه عقوبة شرعية، وكذلك جاء في حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه آنفًا في شأن عقوبة الزاني البكر قوله ﷺ: [والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام]، فالتغريب المذكور هنا في الحديث يعني الإبعاد عن مسرح الجريمة.. وقد فهم بعض الناس كما ذكرت آنفًا أن (النفي والتغريب) في الآية والحديث يعني السجن، أو يقوم السجن مقامه، وهذا قياس بعيد جدًا فالمنفي يمارس حياته كاملة في منفاه وإن كان يراقب أو (تحدد إقامته) كما هو اصطلاح العصر وكذلك من حكم عليه بالتغريب فإنه يمارس أيضًا حياته كاملة. والسجن أيضًا عقوبة تختلف عن هذا تمامًا. بل هو جريمة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(جـ) وقد يستدل بعض الناس أن السجن عقوبة شرعية لأن بعض الخلفاء قد اتخذوا السجون، وعاقبوا بهذه العقوبة.
[ ٣٠ ]
فالجواب عن ذلك أنه لم يعاقب خليفة راشد قط بالسجن كعقوبة لحد من حدود الله تعالى كسرقة وقتل وزنا ونحو ذلك من العقوبات التي جاء لها حدود في الشريعة الإسلامية وإنما عاقب بعض الخلفاء بالسجن كعقوبة تعزيرية في الجرائم التي لم ينزل تحديد شرعي بعقوبتها. كما عاقب عمر بن الخطاب ﵁، في النشوز، والهجاء وقد كانت هذه العقوبة واحدًا أو أيامًا قليلة، وهذا في الحقيقة نوع من التوقيف والتعزيز، وليس هذا عقوبة شرعية ولذلك نص من أباح السجن في مثل هذه التعازير أن لا يزيد عن سنة بحال حتى لا يجاوز الحد الشرعي في التغريب. وهذا على كل حال ليس دليلًا شرعيًا لأن هذا اجتهاد لسنا ملزمين بالأخذ به وخاصة إذا كانت كل الشواهد تدل على أن السجن قد أضحى مدرسة للإجرام وليس إصلاحًا وتهذيبًا كما يزعمون.
[ ٣١ ]