ونعني بذلك أن هذا الدين الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد وحدة واحدة فإما أن نأخذه كله وبذلك ندخل فيه ونكون من أتباعه، أو نتركه كله، وذلك إن ترك شيء منه عن غير اضطرار وهذا التحذير قد فسره الله لرسوله في آيات كثيرة فيها تهديد ووعيد ومعلوم أن الرسول ﷺ معصوم أن يترك شيئًا من شريعة الله، ولكن هذا تحذير لنا نحن، والخطاب موجه فيها للرسول لبيان أهمية الأمر وأن المفرط فيه لا ينجو من عذاب الله رسولًا أو غيره، وذلك أنه عدوان على حق الربوبية والألوهية الخاصة بالله. فمن حق الرب أن يحكم عباده بما يشاء وأن يشرع لهم ما يريد والاعتراض على حكم واحد أو تشريع واحد من تشريعاته طعن في حكمته وبالتالي في ربوبيته. فإذا علمنا أن إطاعة الكفار في تحليل الميتة شرك فلنعلم أن الله قال لرسوله: ﴿لئن أشركت
[ ٤١ ]
ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (الزمر: ٦٥)، وقال تعالى أيضًا: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (الحاقة: ٤٥، ٤٦)، أي نياط القلب، وقال تعالى أيضًا لرسوله: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ (الإسراء: ٧٤، ٧٥)، فإذا كان الرسول ﷺ وهو من هو بأبي وأمي أفديه فكيف بغيره؟!
والشاهد من كل ما قدمنا وسردنا من أدلة أنه لا يجوز بتاتًا طاعة غير الله في تشريع إلا كرهًا أو عذرًا وحرجًا، وأما خلع عباءة الإسلام على قوانين الكفر فهذا هو الباطل بعينه، وذلك أننا إن فعلنا ذلك فإننا نوهم العامة أن هذه القوانين حق وأن الشريعة الإسلامية تسمح بها أو ترضى عنها، وهذه جريمة عظيمة لأنه تبديل لشرع الله وكلامه.. ثم إن هذا أعظم إقرار للباطل وتمكين له في بلاد المسلمين، فما أقر الباطل في ديار المسلمين إلا عندما استعار من الشريعة الإسلامية اللباس الظاهري ووضع على جبينه زورًا الآية والحديث كما فعل نابليون بونابرت عندما دخل مصر فاتحًا فألبسه العلماء الجبة والعمامة.. وبهذا استقر له المقام في بلاد الإسلام، وكما يريد اليهود اليوم أن يمكنوا لأنفسهم في فلسطين بآيات من القرآن كما أوهموا العالم الغربي المسيحي الأعمى بأن نصوص التوراة تؤيد
[ ٤٢ ]
حقهم في فلسطين وفي كل مكان من أرض الإسلام تريد القوانين الجائرة أن تجد سندها ودعمها وبقاءها من آيات القرآن وأحاديث الرسول. وبغفلة أحيانًا وسذاجة أحيانًا.. يستدرج الباطل بعض الشيوخ فيفتيه بأنه حق وأنه موافق للشريعة الإسلامية أو على الأقل لا تمانع الشريعة الإسلامية في بقائه ووجوده وإذا كانت عقوبة السجن جريمة إنسانية وقبحًا وباطلًا ومناقضة شرعية للعقوبات المطهرة والزاجرة وأيضًا الرحيمة التي شرعها الله فكيف نخلع عليها بعد ذلك لباسًا شرعيًا؟
[ ٤٣ ]