ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس ﵄ أنه ذكر التلاعن عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا ثم انصرف. فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلًا. فقال عاصم ما ابتليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي ﷺ. فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرًا قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلًا ادم كثير اللحم. "خدلًا: أي ضخما عظيم الجثة". فقال النبي ﷺ: [اللهم بين] !! فجاءت به "أي المولود" شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي ﷺ بينهما.
[ ٥٤ ]
قال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال النبي ﷺ: [لو رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذه؟ فقال: لا. تلك امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام] انتهى.
والشاهد فيه قوله ﷺ [لو رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذه] وهي امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام كما قال ابن عباس أي يبدو من مظهرها وسلوكها وقرائن أحوالها أنها تزني ولذلك قال الرسول أنه لو جاز له أن يرجم بغير بينة لرجم تلك المرأة والحال أنه لا يجوز الرجم إلا ببينة خاصة وهي الاعتراف أربع مرات أو شهادة أربعة رجال برؤيتهم للزنا وللفعلة نفسها، ولا يجوز إقامة الحد بوجود القرائن فقط. بل إن اتهام الرجل لزوجته وملاعنتها وشهادته وإيمانه أربع مرات عليها بالزنا. ثم ولادتها لولد مشابه للمتهم معها كل ذلك ليس دليلًا شرعيًا على إقامة الحد. والشاهد في هذا الصدد أن الرسول ﷺ هدد بالرجم للزانية المحصنة.
وبتضافر هذه الأدلة وردود هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين السنة وخاصة في أصح الكتب بعد كتاب الله وهي البخاري ومسلم ونقل الكافة من المسلمين لها عن الكافة واشتهار ذلك في كل آفاق الدنيا هذه أدلة على الرجم حكم الله في القرآن والتوراة، وشريعته إلى يوم القيامة التي نفذها رسول الله ﷺ ونفذها الخلفاء من بعده، وأجمعت الأمة عليها جيلًا بعد جيل لم يخالف في ذلك إلا أفراد من المنافقين ممن لا يؤبه بقولهم ولا يلتفت إلى خلافهم. ومن هؤلاء المخالفين الخوارج المارقين وهذه ليست بأول بدعهم فقد نفوا سورة يوسف جميعها من القرآن زعمًا منهم أنها تتكلم عن الحب والعشق وأن هذا لا يليق بكلام الله!! وأما النظام
[ ٥٥ ]
المعتزلي فلم يترك أصلًا من أصول الإسلام إلا حاول النيل منه، ثم جاء من ينسج على منوال النظام المعتزلي والخوارج المارقين، ويريد أن يعارض بذلك كتاب الله ﷾ المبين. وسنة رسوله ﷺ الأمين، وإجماع الأمة المهتدية من الخلفاء الراشدين المهديين، والأئمة الأربعة ويسمى فعله هذا "اجتهادًا" ويقول "لا يزعجنا مخالفة ما يسمى عندكم بالسنة الصحيحة لأن هذه السنة الصحيحة دليل ظني يحتمل الكذب مرجوحًا، وكذلك سائر السنن الصحيحة". انتهى بلفظه من المنشور في الوطن ٢٧-٨-١٩٨٢.
وهذا الذي لا يزعجه أن يخالف السنة الصحيحة الموافقة للقرآن التي أجمعت عليها أمة محمد ﷺ وتلقتها الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل وعمل بها خلفاء الرسول ﷺ الراشدون الصادقون. وأفتى بها أئمة الدين المؤتمنون كيف يكون من جملة المجتهدين؟
والدكتور سعاد جلال نفسه قد نشر مؤخرًا مقالًا في المصور عدد (٣٠٢١) بتاريخ ٣-٩-١٩٨٢م. يقول فيه بالنص "القول برفض أخبار الآحاد جملة خطأ بعيد عن التحقيق لأن هذا يقتضي إلغاء جميع أحاديث الكتب الصحيحة الستة وفي مقدمتها البخاري ومسلم وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول. قال ابن خلدون "وانعقد الإجماع على صحتهما" فرفض هذا التراث الضخم الذي تلقته الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل لا يتفق مع حكم العقل لكن يمكن القول بأنه يجوز النظر في حديث بعينه تقوم ضد صحته قرائن وأدلة فنرفض هذا الحديث بخصوصه. وإذن فالخبر المتواتر لا يجوز رفضه أصلًا وقد انعقد الإجماع على ذلك إجماع السلف والخلف أما رفض
[ ٥٦ ]
حديث بعينه أو جملة أحاديث بعينها لقيام الدليل القرين ضد صحتها فهذا أمر يمكن القول به".
ونحن هنا نتفق مع الشيخ الدكتور فيما قاله ونقول ان أحاديث الرجم قد قامت كل الأدلة والقرائن على ثبوتها وذلك لتعدد مواردها، وكثرة رواتها ونقل الكافة لها جيلًا بعد جيل، وعدم وجود مخالف قط في الصحابة أو التابعين وأتباعهم المشهود لهم بالخير، وشهادة القرآن للرجم في آيات كثيرة كما بينا ذلك في المقال السابق. وعمل المسلمين بذلك وجميع الأئمة ويستحيل أن يجتمع كل أولئك على خطأ.
ولا يمكن أن نقول بعد ذلك أن أحاديث الرجم أحاديث آحاد بل هي أحاديث متواترة لا شك في إفادتها العلم اليقيني ولا مجال للتشكيك في ثبوتها وصحتها. والحمدلله رب العالمين.