يستطيع أي عاقل منصف ينظر إلى الشريعة الإسلامية ومنهجها في الزجر عن الفساد في الأرض واستئصال دابر الجريمة، وكيفية إقامة العدل بين الناس أن يصل إلى يقين بأن ترك هذه الشريعة يعني زرع الفساد في الأرض. وخاصة أرض العرب إذ أن هذا الجنس من البشر لا يجتمع إلا على سلطان ديني، فما اجتمع العرب في تاريخهم الطويل إلا على هذا السلطان الذي ألف بين قلوبهم ووحد صراطهم ومنهجهم في الحياة، وردع أهل الشر منهم والفساد عن شرهم وفسادهم، ولا يكاد يخرج هذا الدين من أوساطهم حتى يعودوا إلى مثل الجاهلية الأولى شرًا وفسادًا وفرقة.
ولا نعني بهذا أن الدين لا يصلح إلا للعرب خاصة، بل الدين فيه صلاح العالمين والعرب على وجه الخصوص واليقين. فالعالم اليوم يعج بأحط أنواع الفساد والانحلال. فالظلم والطغيان في ظل القوانين الاقتصادية الجائرة أمر شاهد لكل عين سواء في ظل النظام الرأسمالي الذي يبيح الربا وأنواعًا من الاحتكار أو في ظل النظام الشيوعي الذي ينتهك حرمة الإنسان بتجريده من أهم ما يقوم حياته وهو رأس المال ووسيلة الإنتاج. ويجعل منه عبدًا لصنم يسمى (المجموع) وحيث يذهب المال في النهاية إلى طوائف من المنتفعين ممن يبقون على رأس السلطة في المجتمعات الشيوعية والاشتراكية. وكذلك الحال في النظام السياسي فبإقصاء الشريعة عم الظلم وناهيك بالنظم الاجتماعية والأخلاقية حيث
[ ١٩ ]
انهارت الأسرة وفقد التواصل والترابط بين الأرحام وكل ذلك بانتشار الزنا وإباحة اللواط حيث انعدم الوفاء والإخلاص والحب الحقيقي بين الزوجين وبالتالي بين الأم وأبنائها، والأب وأولاده، والإخوة بعضهم مع بعض، وأصبح المجتمع أشبه بمجتمع الحيوانات، حيث يتقاتل الذكور على الإناث وقت السفاد دون خجل أو حياء، ومثل هذا المجتمع الذي يفقد الإنسان فيه آدميته ويلتحق بالبهائم لا شك أنه مجتمع شر وفساد.
وهل من الممكن أن تصلح هذه المجتمعات دون نظام إسلامي يردع عن الفواحش ويضع العلاقة بين الرجل والمرأة في مكانها الصحيح ويقيم أسس الاجتماع على التراحم بين الأقارب، ويعرف الإنسان فيه أبًا حقيقيًا وأمًا رحيمة وأخوة يشاركونه نفس الأب. وكذلك أعمامًا وأخوالًا وأحفادًا، بدلًا من أن يعيش الناس في مجتمع لا يشكلون فيه أكثر من أرقام عددية كهذه الأرقام التي نعلقها على الطيور والحيوانات في مزارع تربية الماشية والدواجن.
وإذا كان العالم اليوم يشكو من السرقة التي استفحل أمرها، ومن حوادث الاغتصاب التي باتت تهدد كل فتاة، ومن حوادث القتل التي لا تكاد تأمن منها نفس، فمن لهذا العالم يخرجه من الفساد إلا نظام الله وقانونه الذي ما إن يطبق في مجتمع ما تطبيقًا عادلًا حتى تستقر الأوضاع ويأمن الناس وينقطع دابر الشر والفساد.
ومثل هذه الدعوى التي ندعيها لا تحتاج إلى برهان لأن التاريخ كله شاهد بذلك قديمًا وحديثًا. ومقارنة يسيرة إلى أي
[ ٢٠ ]
مجتمع جاهلي يطبق قوانين الإنسان الجاهلية، ومجتمع مسلم طبق قانون الله العليم سيطلع أي منصف على الفارق الشاسع بين نظام البشر حيث الجهل والظلم والانحراف وبين نظام الله حيث الرحمة والعدل والطهارة.
ولذلك فكل عاقل من البشر مدعو أن يطالب بملء فهمه وبغاية جهده أن يعود الناس إلى نظام الله لنأمن في الدنيا ونسعد قبل الآخرة، وأقول كل إنسان سواء كان مؤمنًا أو كافرًا يجب أن يسعى لهذا ما دام يملك شيئًا من الإنصاف والحق. وذلك أن كل منصف وصاحب حق سواء اهتدى إلى الإيمان أم لم يهتد سيجد في تشريع الله ضالته المنشودة في إقامة العدل بين الناس وفيما يسمى بالمجتمع الفاضل والمدينة الفاضلة، فالحريات السياسية والدينية قد كفلها الله للجميع في ظل هذا النظام والمحافظة على عقول الناس وأعراضهم وأموالهم، ودمائهم ونسلهم ودينهم قد شرع الله لها من التشريعات ما يصونها ويحفظها، وهل يريد أي عاقل أن يعيش في مجتمع خير من هذا المجتمع الذي يصون له كل مقومات حياته، ويطلق يده في كل باب من أبواب الخير يعود عليه بالنفع. بالطبع لا يعارض إلا المجرمون من أهل الظلم والسرقات والغضب أو من أهل الخنا والخسة والدناءة الذي يحبون أن تشيع الفاحشة ليعيشوا في حمأتها وأن ينتشر الزنا ليصيبوا منه ما وسعهم ولا يسألون بعد ذلك على بناتهم أو أمهاتهم أو أرحامهم. أمثال هؤلاء هم الذين تشرق حلوقهم بذكر تشريع الله ويصيبهم الهلع والجزع إذا سمعوا بحدوده ويتحسون ظهورهم وأيديهم وأعناقهم خوفًا من الجلد والقطع لما اقترفوه من زنا وفاحشة وسرقة وقتل وفساد.
[ ٢١ ]
والواجب ألا نعبأ بهؤلاء لأن هؤلاء هم آفة المجتمعات وسوسها وتخليص المجتمعات من شرورهم هو أكبر رحمة للبلاد والعباد. فهل يتنادى العقلاء بعد ذلك من كل ملة وجنس بالعودة إلى تشريع الله وتطبيق حدوده في الأرض؟
[ ٢٢ ]