ولا شك أيضًا أن بركات الشريعة المطهرة لا تحصى، فأول ذلك أن الله ﷾ قد أناط خير الدنيا بتطبيق شريعته. قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ (المائدة: ٦٦)، وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا أنها تنسحب علينا أيضًا، وقال أيضًا سبحانه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا
[ ١٠ ]
فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ (الأعراف: ٩٦)، ولذلك ما أرسل الله رسولًا إلا ذكر قومه أن طاعة الله هي السبيل إلى استدرار رحمته في الدنيا، كما قال نوح لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا* يرسل السماء عليكم مدرارًا* ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ (نوح: ١٠-١٢)، وكذلك قال هود لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ (هود: ٥٢)، ونفس هذا تقريبًا ما أعلنه الله في شريعة محمد ﷺ حيث استفتح سورة من القرآن بقوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير أن لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير* وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمىّ ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ (هود: ١-٣)، ولا شك أن المؤمنين يصدقون بوعد الله ويعلمون يقينًا أن خير الدنيا والآخرة في اتباع مرضاته. وإذا كان ثم من يكذب بهذا الوعد ولا يرى رابطًا وسببًا بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم، وبين نزول المطر ووفرة الزراعات ورواج التجارات. فإن ثمة روابط مادية أيضًا يشاهدها كل ذي بصر من مؤمن وكافر بين هذا وذاك، فالصلاة والصيام تربية وتزكية لضمير الفرد وتوجيه له نحو البر والإحسان، ومحبة الخير للناس، ولا شك أن من هذا صفته أجاد
[ ١١ ]
صناعته وزراعته، ولم يغش في تجارته، ولم يقبل رشوة إن كان موظفًا، وحافظ على الأموال العامة من الضياع، ولا شك أن مجتمعًا تكون عامته وأكثريته على هذا النحو سيكون مجتمعًا للرخاء والثروة وزيادة الإنتاج. ولا شك أيضًا أن في إخراج الزكاة أعظم فائدة لنماء الأموال والقضاء على الثورات والشحناء التي تشل الاقتصاد وتوصل البلدان إلى الخراب والدمار. وفضل الحج وهو عبادة في التقريب بين الشعوب الإسلامية لا ينكر ومع التقريب تحصل المودة وتتبادل المنافع التجارية والصناعية والزراعية، والعالم كله يسعى إلى إقامة مؤتمر كالحج تنتفي فيه الفروق بين البشر ولا يستطيع، وهذا في العبادات وأما المعاملات فهي أبلغ من ذلك لأنها تستهدف أصلًا رفع الظلم وإقامة العدل في الأرض، ولا شك أن الظلم يتبعه الخراب، وأن العدل يتبعه الرخاء والنماء. فلماذا لا تكون إقامة شريعة الله، تعني انفتاح البركات وزيادة الخيرات. ولا شك أيضًا عند كل ذي لب من مؤمن وكافر أن إقامة الحدود أعني العقوبات الشرعية هي من أكبر أسباب زيادة الخيرات والبركات فقطع يد السارق يعني المحافظة على الأموال وخروجها من المخابىء ليعمل بها في التجارات والزراعات والصناعات، لأن رأس المال جبان -كما يقولون- فإذا توفرت له الحماية خرج، وإذا انتشرت اللصوصية والظلم اختبأ أو هرب، ولا شك أيضًا أن قتل القاتل ردع عن هذه الجريمة المسببة لخراب العمران وتقطيع أوصال المجتمعات، وناهيك بتنفيذ حد الزنا حيث يقطع دابر البغاء، وإنفاق الأموال في غير وجهها، ويقطع الطريق على إنجاب أولاد الزنا الذين هم آفة المجتمعات، فالطفل الذي ينشأ لا يعلم له أبًا
[ ١٢ ]
يمتلئ قلبه بالحقد والكراهية للمجتمع، ولا شك أنه يظلم الناس إذا وجد الفرصة لذلك. ولهذا كان عامة المنحرفين والمجرمين من هؤلاء.
والمجتمع الإسلامي الذي يظهر على هذا النحو من النظافة والطهر لا شك أنه سيكون مجتمع الخير والبركة والنماء. فلماذا تنكر إذن أن يكون هناك رابط وسبب مباشر تراه كل عين ويفقهه كل قلب بين تطبيق الشريعة المطهرة وبين الرخاء المادي والسعادة الدنيوية. وصدق الله القائل: ﴿من عمل عملًا صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (النحل: ٩٧) . ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: [إقامة حد في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحًا] رواه النسائي وابن ماجة.