الشبهات التي أثارها الدكتور سعاد جلال حول حكم رجم الزاني في الشريعة الإسلامية كثيرة جدًا وقد أجبنا عن أهم هذه الشبهات وهي كون القرآن لم يتعرض -في زعمه- لحكم الرجم. وزعمه أيضًا أن أحاديث الرجم في السنة أحاديث آحاد لا يثبت بها الحد وقد أثبتنا بحمد الله بما لا يدع مجالًا لشك أن حكم الرجم ثابت بالقرآن، وأن ثبوته بالسنة إنما كان بأحاديث متواترة حيث تعددت وقائع الرجم في حياة النبي ﷺ. ونقل ذلك الحجم الغفير من الصحابة وعنهم الجم الغفير إلى يومنا هذا ومثل الرجم لا يخفى ولا يستتر لأنه من
[ ٥٧ ]
الأمور المعلنة والتي قد أمر الله بإشهارها وإعلانها كما قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ فالرجم يشترك فيه العدد الكبير وهو من الأحداث المثيرة التي لا بد وأن يشهدها الصغير والكبير ويتناقلها الناس ويتحدثون بها ومثل هذه الأحداث المتكررة يستحيل عقلًا إخفاؤها كما يستحيل عقلًا انتحالها والخطأ فيها. فلا مجال للقول بأن ثبوت الرجم في السنة مظنون.
والآن نأتي إلى الإجابة عن طائفة أخرى من الشبهات التي أثارها د. سعاد جلال وتبدأ بطعنه أيضًا في إجماع المسلمين جيلًا بعد جيل على أن الرجم هو حكم الله في الزاني المحصن. فقد شكك في هذا الإجماع بأن الخوارج قد خالفوه وبأن النظام المعتزلي قد أفتى بغير الرجم. وقد أشرنا في المقالين السابقين أن الأمة أجمعت سلفًا وخلفًا على هذا الحكم وأن الخوارج طائفة منهم فقط وهم الأزارقة الذين نفوا حكم الرجم عن الزاني المحصن، والخوارج وإن لم يكفرهم المسلمون إلا أنهم لا وزن لهم ولا دخول لهم في إجماع الأمة. لسبب قريب جدًا وهو أنهم خوارج!! فقد خرجوا على إجماع الأمة في معتقدات كثيرة حيث كفروا فاعل المعصية المسلم واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم ونساءهم وكفروا علي بن أبي طالب وكل من حاربه وحارب معه!! وأنكروا سورة يوسف من القرآن ومثل هؤلاء لا دخول لهم في اجتماع الأمة. فالإجماع الشرعي هو اتفاق الصحابة
[ ٥٨ ]
على قول واحد في الدين وليس في الخوارج صحابي واحد (قال ابن حزم في تعريف أهل الإجماع: "وصفة الإجماع هو ما يتعين أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام.. وإنما نعني بقولنا العلماء من حفظ عنه الفتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة أهل الحديث ومن تبعهم، ﵃ أجمعين. ولسنا نعني أبا الهذيل العلاف ولا ابن الأصم ولا بشر بن المعتمر، ولا إبراهيم بن سيار، ولا جعفر بن حرب ولا جعفر بن بشر ولا تمامة ولا أبا عفار ولا الرقاشي ولا الأزارقة والصفرية، ولا جهال الاباضية ولا أهل الرفض" أ. هـ (مراتب الإجماع لابن حزم ص١٢-١٤» .
والإجماع الأصولي الذي يراه عامة الفقهاء حجة هو اتفاق علماء المسلمين في عصر ما على مسألة من مسائل الدين. والخوارج ليسوا من علماء المسلمين باتفاق علماء المسلمين جميعًا. وكون سعاد جلال لم يجد إلا الخوارج ليؤيد مذهبه واجتهاده فشيء يدعو للرثاء.. وذلك أن خلاف الخوارج ليس خلافًا مع الأمة. فقط وإنما هو خلاف أيضًا مع نصوص القرآن ومتواتر السنة. وما يقال عن الخوارج يقال أيضًا عن النظام المعتزلي فمروق واحد من المعتزلة عن حكم الله وإجماع الأمة لا يضيق النص الشرعي ولا يقدح في إجماع الأمة.