الحمدلله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، والذي أكمل الله له الدين وأتم عليه وعلى أمته النعمة وبعد.
فإن شريعة الإسلام المشتملة على كل ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم قد أبعدت عن حياة الناس إلا في قضايا العبادات، وأما قضايا المعاملات والحدود والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإن عامة دول المسلمين إلا قليلًا قد استبدلت بتشريع الله فيها تشريعات من اختراع الإنسان. وكان لذلك أسباب، وليس هذا مجال ذكرها، ولكن الصحوة الإسلامية الحالية حملت معها وجوب العودة إلى الشريعة، والمطالبة الدائمة من جماهير المسلمين بوجوب الحكم بشريعة الله، ولكن أعداء هذه الشريعة لا يكادون يسمعون ذلك حتى تقفز قلوبهم إلى الحناجر وتحمر عيونهم ويصرخوا في كل ناد، ومن فوق كل منبر. دعونا من الشريعة أتريدون أن تعودوا بنا إلى الهمجية والوحشية؟
[ ٥ ]
وبما أن معظم منابر التوجيه وأجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفاز ومدارس قد أضحت بيد من يجهلون هذه الشريعة ومن يعادونها، فإن هذه المنابر أصبحت تستخدم للتنفير من شريعة الله والصد عن سبيله.
وقد رأيت من واجبي التصدي لبعض هذه الحملات الظالمة بجهدي القليل فنشرت مقالات في صحيفة الوطن الكويتية بوجوب العودة إلى الشريعة، تطبيقًا وتحكيمًا وخاصة في قضايا الحدود، وبينت بركات هذه العودة على الجميع، وبينت بحمد الله وتوفيقه فساد العقوبات الوضعية القائمة الآن والتي أصبحت بديلًا من الشريعة المطهرة، ورددت في هذه المقالات أيضًا على فتوى نشرت لأحد العلماء بجواز السماح للسجين بمعاشرة زوجته مبينًا أن هذه الفتوى باطلة لأن السجن أصلًا ليس عقوبة شرعية (أي منصوصًا عليها، وإنما السجن في الشريعة عقوبة تعزيرية اجتهادية. فيما لا يتعدى الأيام القليلة)، ولذلك فلا يجوز أن يسند بالرأي الشرعي حتى لا نرقع القوانين الوضعية بالشريعة السماوية فنضفي بذلك على قوانين الظلم والجهل القداسة والطهارة وهي براء من ذلك.
ثم رأيت من واجبي جمع ذلك في هذه الرسالة مع إضافات وفقني الله إليها في بيان حكمة الشريعة ووجوب الأخذ بها، وذلك
[ ٦ ]
نشرًا لهذه القضية الهامة وتحذيرًا لأئمة المسلمين وعامتهم من الركون والرضا بالشرائع الباطلة، وتنويهًا إلى وجوب العمل لوضع شريعة الله موضعها الصحيح حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله غالب على أمره، وهذا أداء لبعض الواجب عليّ. أسأل الله أن ينفع بها وأن تكون حافزًا لنا جميعًا بأن نعود إلى شريعة الله نحكمها في كل شئوننا وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
عبد الرحمن عبد الخالق
الكويت في ١٨ رجب سنة ١٣٩٩هـ
[ ٧ ]