نحن نعلم يقينًا أن كثيرًا من الذين هالهم وأخافهم تنفيذ العقوبات الشرعية هم من الكفار الأصليين (الكافر الأصلي هو الذي لم يدخل الإسلام قبل كاليهودي والنصراني) وإن كانوا يتكلمون بحرص كاذب على الإسلام والمسلمين، ونعلم يقينًا كذلك أنه لا
[ ٢٤ ]
يخاف العقاب إلا المجرم، فالذين يثورون اليوم مذعورون خائفين ما أخافهم إلا أن ينالهم العقاب يومًا. ولذلك فهذه الضجة المفتعلة التي أججها من أججها بكل هذا الذعر والخوف والصراخ يعلم الجميع دوافعه ودوافنه، فهذه العقوبات لا تنال في الشريعة إلا المجرمين فقط، ولا تكون في مواقعها الشرعية إلا بتوفر شروط صارمة، فالزنا لا يتوفر إثباته الشرعي إلا بشهادة أربعة عدول يشهدون الجرم نفسه، وهذا لا يتأتى إلا أن تفعل هذه الفاحشة في الهواء الطلق. وليس هناك من إثبات آخر لهذه الجريمة سوى الاعتراف، والمعترف هو يريد الطهارة لنفسه.
وأما حد السرقة فبالرغم من أنه يثبت بشهادة عدلين وطرق أخرى، وبالرغم من الشدة الواضحة فيه فلا يشك منصف أن هذا موقعه تمامًا ليس من حيث أن الله وحده شرع ذلك وهو العزيز الحكيم بل وأيضًا عند ذي عقل متجرد عن الغواية والهوى، فاليد التي تمتد خفية إلى أموال الآخرين وقد كفل لها الدين الأمن والسلامة والعدل والإنصاف، لا شك أنها يد آثمة تستحق القطع، ولا شك أن عنصر الخوف من القطع وازع عظيم، والأيدي القليلة التي قطعت في الإسلام بهذه الجريمة حفظت من الأموال والدماء والأعراض ما يفوقها ملايين المرات، ودين يقطع الأيدي الخائنة من مجتمعه جدير بالتعظيم والإجلال، وأما الشرائع التي تضع الأيدي الخائنة في مستوى المسئولية وتؤمنها على الأعراض والأموال لا شك أنها شرائع فاسدة، ونحن نعيش الآن في عالم يظهر فيه كل يوم فضيحة سياسية في قمة السلطة، وهذه الفضائح ليست أخلاقية فقط بل ومالية أيضًا، وهذه الفضائح التي تطفو على سطح هذا العالم المهترىء لا تمثل إلا جانبًا يسيرًا فقط
[ ٢٥ ]
من جوانب الفساد الحقيقية المنتشرة في هذا العفن والفساد، والذي يسمى بالحضارة الحديثة.
فإذا حاول المسلمون اليوم أن يعودوا لتطبيق هذا الزواجر الشرعية فإنما يعني هذا في أقل صورة القضاء على المستوى المهين الذي وصلنا إليه عبر العقوبات التافهة، والصيغ الملتوية للتحايل على الإجرام والفساد. ولذلك فإن أي منصف لا يستطيع أن يصف الصارخين في كل مكان بإبعاد الحدود الشرعية عن واقع التطبيق إلا أنهم كارهون للدين تدفعهم هذه الكراهية إلى معاداة كل شيء فيه حتى لو كان زكاة، أو تحريم ربا، أو تحريم ظلم واستغلال، أو أنهم مجرمون منتشرون، يستطيعون العيش على أموال الناس وأعراضهم في ظل قوانين هشة تخدم الفساد والشر.
[ ٢٦ ]