أولاها: الإيمان بأن تطبيق الشريعة الإِسلامية يحتاج إلى تغيير الوضع القائم، والتغيير يبدأ من ذوات أنفسنا يبدأ من الداخل ولا يستورد من الخارج.
ثانيتها: الإيمان بأنه لا طريق لعزنا ولا سبيل لتقدمنا وسعادتنا إلَّا بالإسلام، وأن مقياس السعادة في التصور الإِسلامي نابع من عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والخلوص له سبحانه، وأن مصدر الشقاوة والمهانة نابع من عبادة الطاغوت والهوى والشهوة، وتلك هي دركات الشقاء التي يعيش فيها كل من أعرض عن هدي الله ودينه.
ثالثتها: الرجوع إلى الإِسلام في أصوله الأولى وفي تطبيق تلك الأصول وفق ما جاء في كتاب الله -تعالى- وسنَّة النبي - ﷺ - وسيرته وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح -رضوان الله عليهم-.
- وأما الإتجاه الثاني: فهو اتجاه عملي تطبيقي (١) يوجب إزالة التناقض الكبير الذي يحكم سائر مجالات الحياة الإِسلامية من مصالح ودوائر ومؤسسات وهيئات وتعليم وصحافة وإعلام وجميع مجالات الحياة الإِسلامية وسائر الموافق والأجهزة الرسمية والشعبية والسبيل الموصل لهذا الغرض ما يلي:
أولًا: وجود "القاعدة المسلمة" (٢) بالحجم المعقول الذي يقود خطى الأمة كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف المنشود والذي لا يعوقه وجود المنافقين، والمُبطِّئين وضعاف الإيمان والمتثاقلين، ونعني بوجود القاعدة
_________________
(١) الإِسلام كما ينبغي أن نؤمن به ص ٩٩.
(٢) انظر: واقعنا المعاصر ص ٤٣٣، ٤٣٤، ٤٣٥ "بتصرف".
[ ٢٨٢ ]
المسلمة أي: وجود الإنسان المسلم في عقيدته وفي تفكيره وفي خلقه وعاطفته وسلوكه وعمله وتصرفه.
- وجود البيت المسلم والأسرة المسلمة التي تتمثل الإِسلام وتتقيد بشرائع الإِسلام وتقوم بتنفيذها وممارستها في حياتها.
- وجود الشعب المسلم الذي يتمثل الإِسلام ويقيمه منهج حياة وعمل وممارسة واقعية.
- وجود القيادة المسلمة التي تأخذ الأسوة من رسول الله - ﷺ -، وتزكي في نفس المسلم روح الإعتزاز بالإسلام وبمبادئه الحقة النابعة من مصدريه القرآن الكريم وسنَّة النبي - ﷺ - (١).
وأولى الخطوات لإقامة هذه القاعدة المسلمة:
- إيقاظ الوجدان الديني من غفوته وتحويله إلى حركة واقعية لا خيال ليكون ذات دلالة حقيقية تبنى عليها حركة واعية تغير الوضع القائم وتزيل ركام الجهل العالق بعقول كثير من المسلمين بحقيقة فهم لا إله إلَّا الله ومقتضياتها (٢).
- فنقطة البدء تكون بتصحيح العقيدة (٣) (٤) وجلاء مفهومها الحقيقي وارتباطها الوثيق بتحكيم شريعة الله كما بين الله ذلك في كتابه وكما علمه
_________________
(١) واقعنا المعاصر: محمد قطب، المرجع السابق.
(٢) واقعنا المعاصر: ص ٤١٩ "بتصرف يسير".
(٣) انظر: خطوط رئيسية لبعث الأمة الإِسلامية، تأليف عبد الرحمن عبد الخالق ص ٥٢، ٥٣، طبع الدار السلفية بالكويت، الطبعة الأولى ١٤٥٦ هـ.
(٤) انظر: الولاء والبراء في الإِسلام ص ٣٦٢، ٣٦٣.
[ ٢٨٣ ]
الرسول - ﷺ - أصحابه، وكما وعت الجماهير المسلمة خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١).
- وتصحيح العقيدة بالبيان الهاديء الهادف: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٢).
كما يكون بإبراز الدليل الشرعي الذي تبنى عليه الأحكام مع التفقه في الدين.
ثانيًا: تجنيد كل الإمكانيات والطاقات لإصلاح مختلف نواحي الحياة الإجتماعية إصلاحًا شاملًا والطريق الموصل إلى ذلك ما يلي:
١ - "تنحية جميع القيادات اللادينية والعناصر المشبوهة التي تعطي صورة سيئة عن الإِسلام في مفاهيمها وفي سلوكها وتبعد كل عنصر صالح يدرك حيل أعداء الإِسلام ويكافح لإحباط مخططاتهم" (٣).
٢ - تولية القيادات الدينية الصالحة من حكام ودعاة ومعلمين وغيرهم يتحلون بالخلق والعلم والإستقامة، ويؤمنون بالله إيمانًا يدفعهم إلى الإخلاص في العمل والصدق في التوجه، والمراقبة لله -تعالى-، وهؤلاء هم المصلحون الذين يجمعون بين متانة العقيدة والإقتناع
_________________
(١) سورة النور: آية ٥١.
(٢) سورة النحل: آية ٤٤.
(٣) انظر: التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإِسلامية، ناصر العقل ص ١٢٩، ١٣٠.
[ ٢٨٤ ]
بالإسلام دينًا خالدًا أبديًا وبأحكام الإِسلام شرعةً "ومنهاجًا" (١).
٣ - يجب أن نجعل همنا الأكبر وشغلنا الشاغل في المدرسة والجامعة والإذاعة والصحافة ووسائل الإعلام، وأجهزة التعليم والثقافة فيجب:
(أ) "إغلاق دور الصحافة والمجلات الخليعة التي تحوي في بطونها كل فسق ورذيلة وتنشر الأخبار والدعايات المغرضة والصور العارية والضرب بيد من حديد عليها، وتقليم أظافر محرريها ليكونوا عبرة لكل فاجر مرتاب" (٢).
(ب) "محاربة الشر والإنحلال بكل صوره وجميع أشكاله وألوانه وقطع دابر من يدعو إليه.
(ج) إحداث تغييرات جذرية في مؤسسات التعليم لتشمل أهدافها ومناهجها وبرامجها ووسائلها" (٣)، ويكون بما يأتي:
١ - إعادة صياغة الموجهين لها والعاملين بحيث يعد هؤلاء إعدادًا إسلاميًا، ليقوموا بدورهم الفعال المناط بهم على الوجه الأكمل، وليسهموا في عملية البناء والتعمير وينشروا الخير والفضيلة بين صفوف الأمة الإِسلامية.
_________________
(١) انظر: واجب المسلمين في نشر الإِسلام زيد بن عبد العزيز فياض ص ٥٣، ٥٤، طبع دار الثقافة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٣٨٥ هـ.
(٢) انظر: الحل الإِسلامي فريضة وضرورة، د. يوسف القرضاوي ص ٥٢.
(٣) انظر في هذا: مشكلات الشباب: الحلول المطروحة والحل الإِسلامي من ص ١٢٤ - ١٢٨، د. عباس محجوب، طبع رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر، طبعة ثانية ١٤٠٦ هـ.
[ ٢٨٥ ]
٢ - "مراجعة شاملة لأهداف التعليم ومحتواه، وتخلصه من رواسب التبعية والاستعباد ومخلفات الإحتلال من نظريات الغرب المستشرقين والصليبيين ممن جعلوا الحضارة الغربية مثلًا أعلى والثقافة الغربية أملًا يسعى الشباب إليه" (١).
٣ - "تكريس المناهج التعليمية لخدمة أهداف الإِسلام في وجود الإنسان وتربيته تشريعيًا وسياسيًا واجتماعيًا وتنسيق حياته كلها وفق الكتاب والسنَّة وسير السلف الصالح من هذه الأمة" (٢).
٤ - "إن مفتاح سعادة الأمة الإِسلامية مطوي في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إذن: فلا يمكن للمسلمين أن ينهضوا نهضة حقيقية إلَّا إذا أقبلوا عليه واهتدوا بهديه واستضاؤوا بنوره وساروا على دربه" (٣)، وهذا يتطلب:-
(أ) الإهتمام بالقرآن حفظًا وفهمًا وتدبرًا وتعليمًا وتعلمًا.
(ب) العمل بهدي القرآن وتنفيذ أحكامه والاهتعمام بدراسته من حيث ألفاظه ومعانيه، وعقائده، وآدابه، وأحكامه، وتشريعاته وأخذ القدوة والأسوة في ذلك من سلفنا الصالح - رضوان الله عنهم - (٤).
_________________
(١) بتصرف: من قضايا الفكر الإِسلامي ص ٤١٢، ٤١٣، الحل الإِسلامي فريضة وضرورة، للقرضاوي ص ٤٣، ٤٤.
(٢) بتصرف من: مشكلات الشباب، د. عباس محجوب ص ١٢٥.
(٣) انظر: القرآن أنواره وآثاره وأوصافه وفضائله محمد محمود الصواف ص ٢٢، ٢٣، طبع مؤسسة الرسالة، لبنان.
(٤) انظر: القرآن: أنواره وآثاره وأوصافه وفضائله محمد محمود الصواف ص ٢٢، ٢٣.
[ ٢٨٦ ]
- روى الدارمي بإسناده في سننه عن الحارث قال: (دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت ألا ترى أن أناسًا يخوضون في الأحاديث في المسجد فقال: قد فعلوها، قلت: نعم، فقال: أما إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ستكون فتن. قلت: وما المخرج منها. قال: كتاب الله كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم ينته الجن إذْ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾، هو الذي من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور) (١).
فما أحوجَ المسلمين اليوم إلى فهم كتاب الله -تعالى- الذي هو مصدر شريعتهم وسبيل هدايتهم وهو عصمتهم من الأهواء وشفاؤهم من الأدواء قال -تعالى-: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٣).
_________________
(١) سنن الدارمي ٢/ ٤٣٥ - باب ١، كتاب فضائل القرآن، طبع دار إحياء السنَّة النبوية بمصر.
(٢) سورة الإسراء: آية ٨٢.
(٣) سورة يونس: آية ٥٧.
[ ٢٨٧ ]
وقال -تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ (١).
وما أحوجَ المسلمين اليوم إلى الإمتثال لأوامر القرآن ونواهيه والعمل بما فيه من آيات بينات وحكم وعظات، وتعلمه وتعليمه وتفهمه وتفهيمه: عن ابن مسعود - ﵁ - قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) (٢).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا أنهم كانوا يستقرؤون من النبي - ﷺ -، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا) (٣).
وبهذا تمسك به أجدادنا حقيقة، وجعلو ٥ منهاجهم في الحياة ونبراسهم في العمل حتى غدوا سادة العالم وقادة الإنسانية في زمن قليل يعد على الأصابع.
ولكن يا لله من عصر تتقلب فيه الحقائق فيتحول القرآن من دنيا بعض المسلمين إلى مصاحف ثمينة داخل علب مغلفة بالحرير يتبادلها الناس هدايا في مناسباتهم أو يضعونها في واجهات متاجرهم وسياراتهم لتجلب البركة وتدفع السوء في اعتقادهم كحرز وغيره فإنا لله وإنا إليه راجعون!! ألهذا أنزل القرآن؟!!
_________________
(١) سورة ص: آية ٢٩.
(٢) انظر: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ٢/ ٣٤٦، حديث رقم ٤٢١٣، تأليف علاء الدين الهندي البرهان فوري، طبع مؤسسة الرسالة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
(٣) انظر: المرجع السابق من كنز العمال ٢/ ٣٤٧، حديث رقم ٤٢١٥.
[ ٢٨٨ ]
ومما يؤسف له أن القرآن أصبح مهجورًا عند جمهرة كبيرة من أبناء المسلمين ولم يعد له قيمة عندهم سوى أنه يتلى في المناسبات وعلى قبور الأموات وفي المآتم والأربعينيات!، ويتخذ منه المتمشيخون وسيلة لإبتزاز أموال الناس بالباطل أو يصنع منه المشعوذون التمائم ويصيحون على أبواب المساجد آية الكرسي والمعوذات والآيات المنجيات بكذا وكذا وقد يتجرأ بعض الجهلة فيضعونه في زاوية مظلمة من البيت مهجورًا يتراكم عليه الغبار، وفي القرى والمدن يستغل كتاب الله أسوأ استغلال في كتابة التعاويذ والأحجبة والتمائم الشركية الممزوجة ببعض الآيات مع حروف مقطعة كالطلاسم لا تعرف؛ بدعوى أن ذلك يزيل المرض ويحقق الغرض وفعل ذلك في الحقيقة ضلال في ضلال. ما أنزل الله به من سلطان. فعلى كل مسلم غيور على دينه محاربة هؤلاء ومطاردتهم وتطهير المجتمع من فسادهم. فما أقل حياء من يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا!! ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (١). ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ (٢).
إن القرآن الكريم أنزله رب البرية سبحانه على نبيه - ﷺ - ليتلوه المؤمنون فتشرح به صدورهم وتستنير به أفئدتهم وقلوبهم وينالوا به مثوبة الله يوم القيامة أنزله ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا أنزله كتابًا للأحياء لا للموتى من
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٧٩.
(٢) سورة البينة: آية ٦. انظر: الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد، تأليف خالد الحاج، تحقيق ومراجعة: عبد الله الأنصاري ٢/ ١٤٣: ١٥٧، وحكم القراءة للأموات هل يصل ثوابها إليهم، تأليف محمد أحمد عبد السلام من ص ١٣ - ١٦، مطابع مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، الطبعة الخامسة ١٤٠٦ هـ.
[ ٢٨٩ ]
الأحياء أنزله -سبحانه- ليتخذ المسلمون منه تشريعاتهم ويكون دستور حياتهم ونظام مجتمعهم ومنبع قوتهم وسر سعادتهم في الدنيا والآخرة.
إننا لا نريد أن يستوعب المسلمون آيات قرآنهم إتقانًا وتجويدًا ثم يعزلوه عن حياتهم فلا يزكي لهم نفسًا ولا يرفع لهم رأسًا.
إننا لا نريد أن يذاع القرآن ضمن الأغاني وفي الموالد والحفلات، أو يتلى في بدء بث البرامج الإذاعية والتلفزيونية وفي ختامها وكفى!!
أننا لا نريد جعل القرآن مادة إضافية بين مواد التعليم لا يترتب على الرسول فيها أثر.
نعم: إن القرآن الكريم قد أهمل حفظه في مكاتب تحفيظه بل أهمل بعد ذلك إنشاء المكاتب نفسها فحرم الأبناء والبنات من حفظ القرآن في حداثة السن وبداية التربية ثم أهمل حفظه وتدريسه في مراحل التعليم بعد ذلك في المدارس والمعاهد فتخرجت الأجيال الكثيرة خاوية من القرآن حفظًا ودراسة وفهمًا ويمكننا أن نقول -من غير مبالغة أو مغالاة- إن الشباب المسلم محروم الآن -في أكثر بلاد الإِسلام محروم من حفظ القرآن الكريم ودراسته في جميع مراحل التعليم وهم في السن التي يحتاجون فيها أشد الاحتياج إلى ضبط النفوس وجمح الشهوات والتربية الدينية الصحيحة والتوجيه إلى الخير والصلاح بوازع ديني محكم قويم ولن يتأتى ذلك إلَّا بعودة حميدة إلى القرآن الكريم وبناء هيكل حياة المسلمين على أسس صلبة متينة من تعاليمه وحفظه ودراسته وفهمه وتدبره وتأمين تطبيقه وتنفيذه سواء ما يتصل بالعقيدة أو العبادات أو المعاملات أو السياسة والإقتصاد أو الأدب والثقافة والإجتماع.
[ ٢٩٠ ]
فلابد أن تتضافر جميع الجهود للوصول إلى هذه الغاية النبيلة ويقوم كل منا بمسؤوليته التي تحتم عليه أن يبذل كل ما في وسعه لخدمة كتاب الله -تعالى-: وخير سبيل نراه حتمًا علاجًا ناجحًا لهذا الحال الذي نعيشه في غياب القرآن ما يلي:
أولًا: إنشاء مدارس لتحفيظ القرآن الكريم في القرى والمدن يذهب إليها الأطفال في بدء نشاتهم ليحفظوا أجزاء من القرآن الكريم عن ظهر قلب على أن يكون التعليم فيها إجباريًا.
ثانيًا: فرض تدريس مادة القرآن الكريم في جميع مراحل التعليم للذكور والإناث على حد سواء بدءً بالدراسة الإبتدائية وانتهاءً بالدراسات العليا من (ماجستير ودكتوراه).
ثالثًا: "الإهتمام بالدراسات القرآنية وذلك بوضع موسوعة قرآنية تحرر فيها المعاني التاريخية لأخباره والمعاني السليمة لعقائده وآدابه بحيث يتدرج تدريس هذه الموسوعة مع نمو الطالب واتساع مداركه" (١).
رابعًا: "أركز مرة ثانية على كون هذه الدراسة للقرآن الكريم دراسة إجبارية يترتب على رسوب الطالب فيها عدم الإنتقال إلى صف أعلى وتوضع مناهج حفظ القرآن لكل مرحلة بل لكل سنَّة على غرار مناهج العلوم الأخرى في المدارس في جميع المراحل".
وإني أنوه هنا بالنهج الذي نهجته جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالمملكة العربية السعودية من العناية بالقرآن الكريم في معاهدها
_________________
(١) الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد من ص ١٤٣ - ١٥٧.
[ ٢٩١ ]
وكلياتها والدراسات العليا فيها ونود أن تنهج كل الجامعات في المملكة العربية السعودية بل وفي العالم العربي والإسلامي هذا النهج" (١).
خامسًا: تخصيص مكافآت شهرية وسنوية مجزئة لمن يلي أمر التحفيظ في مكاتب التحفيظ في سائر القرى والمدن كما يجب تخصيص مكافآت مماثلة للحفاظ المتفوقين من الطلاب ترغيبًا لهم وتشجيعًا على حفظ القرآن الكريم.
سادسًا: إعداد مدرس القرآن الكريم إعدادًا يتناسب وشرف الرسالة التي يؤديها وعظم المسؤولية المناطة به، ليكون قدوة طيبة يتقن حفظ كتاب الله -تعالى- وتجويده ويفقه دينه بشرائعه وأحكامه، ولكن يوفر هذا الأنموذج، فلابد من إعداده إعدادًا خاصًا وتوفير سبل الحياة الكريمة له حيث إن الواقع المشاهد أن مدرس القرآن الكريم لا يتساوى مع مماثليه في هذا الغرض. وحسبنا أن نذكر مثالًا واحدًا في جامعة إسلامية مدرس القرآن الكريم يتقاضى عشر مرتب مدرس اللغة الأجنبية!!
سابعًا: يجب تعديل مناهج الجامعات سواء منها ما يختص بدراسة العلوم النظرية أو ما يختص بالعلوم التجريبية والعملية فتوضع المناهج الإِسلامية التي تعني بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا بالشريعة الإِسلامية روحًا ونصًا، لغرس الإيمان في قلوب الشباب وإلهاب العاطفة الدينية لديهم وتمكين ذوي الإتجاهات الدينية في كل جامعة لكي يقوموا بالدور الذي يجب عليهم القيام به.
ثامنًا: ربط العامة بالقرآن الكريم وغرس حبه في نفوسهم وحثهم على
_________________
(١) مؤلف.
[ ٢٩٢ ]
حفظه وفهمه وتدبره في مساجدهم ومنازلهم ومجالسهم وأماكن أعمالهم وأنديتهم وحضهم على أن تعلم القرآن والعمل به فريضة على كل مسلم ولا يسع أحد جهله وعلى من تعلمه تكميل غيره بتعليمه إياه وصبره عليه وتذكيره بأن كتاب الله من أقرب القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه ولا يكفي مجرد الإيمان به فقط بل لا يكون العبد مؤمنًا كامل إلَّا إذا تذوق حلاوة كتاب الله -تعالى- وامتلأت جوانحه بحبه وامتزجت مشاعر به يرافقه في رحلاته ويسأل الله به في حل مشكلاته وينتصر به على كل معارضة ويصبح له شعارًا ودثارًا ويكون صلته به صلة رجل مسلم يعيش بالقرآن ويتخلق بأخلاق القرآن ويتادب بآداب القرآن (١).
تاسعًا: إصلاح الإعلام بكل أجهزته: المقرؤة والمرئية والمسموعة وتصحيح مساره وهذا من أوجب الضرورات بل هو واجب شرعي بحيث يبث الخير وينشر الفضيلة ويحذر من الشر والأخلاق الرذيلة ويكون قادرًا على توجيه الأمة، وتعميق العقيدة في نفوس أبنائها وتذكيرها بغايتها في هذه الحياة ويتحقق ذلك بالاختيار الأمين للعاملين في أجهزة الإعلام، فتختار الكفاءات المؤمنة المخلصة التي تدرك أهداف الأمة وغايتها وإبعاد العناصر المشبوهة عن مراكز القيادة والتوجيه وإبعادها عن وسائل الإعلام والتدريس وغيره وتمكين ذوي الإتجاهات الإِسلامية في كل بلد إسلامي لكي يقوموا بالدور الذي يجب عليهم القيام به (٢).
عاشرًا: "وضع البرامج الخاصة في الإذاعة والتلفاز، الهادفة إلى
_________________
(١) مؤلف.
(٢) بتصرف من: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ٢/ ٣١٩، ٣٢٠.
[ ٢٩٣ ]
إصلاح الأفكار وغرس القيم الخلقية والآداب السلوكية من توجيه وإرشاد وكل ما من شانه أن يغرز كيان الدين لدى أبنائه ويتفق وروح العقيدة السلفية الصحيحة (١).
حادي عشر: ربط المساجد بالمؤسسات التعليمية والمصالح الحكومية "من قطاع عام وقطاع خاصًا والمصانع والأسواق وتنسيق مواعيد العمل والدراسة بمواقيت الصلاة حتى يرتبط المسجد في وجدان المسلمين بالحياة وحركتها ويكون له مكانته في التوجيه والإرشاد وتحقيق أهداف الأمة المسلمة بشرط أن يكون ذلك بعيدًا عن الناحية المظهرية والشكلية بل طاعة وتعبدًا وتوجهًا إلى الله -تعالى- ولكي تؤتي رسالة المسجد ثمارها المرجوة فيجب إعداد الأئمة للقيام بواجب الدعوة إلى الله والتوجيه والتعليم ممن زُوِّدوا بعلوم والقرآن والسنَّة واللغة العربية وآدابها وممن درسوا المذاهب الفكرية والتيارات السياسية الموجهة للإسلام وأن يكون الإمام قدوة طيبة يعيش عصره بعلومه ومعارفه ويفقه دينه بشرائعه وأحكامه ويخشى ربه ويتقيه ولكي يوفر هذا الأنموذج فلابد من إعداده إعدادًا خاصًّا وتوفير سبل الحياة الكريمة له" (٢).
• • •
_________________
(١) انظر: من قضايا الفكر الإِسلامي المعاصر ص ٤٢٠، ٤٢١.
(٢) انظر: مشكلات الشباب: الحلول المطروحة والحل الإِسلامي، دكتور/ عباس محجوب ص ١٢٩ - ١٣١، الطبعة الثانية، قطر الشؤون الدينية.
[ ٢٩٤ ]