الذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل:
لمَّا كانت العقيدة الإِسلامية هي صخرة النجاة وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة؛ لذا حرص أعداء الإِسلام على بذل كل ما في وسعهم لتحويل هذه الأمة عن عقيدتها، وحين يعييهم أن يحاربوا أهل هذه العقيدة ظاهرين يدسون لهم ماكرين، وحين يعجزهم أن يحاربوهم بأنفسهم وحدهم يجندون -ضعفاء النفوس- الذين يستعبدهم العرف الغالب وتتحكم في أعمالهم التقاليد السائدة ولو كانت خطأً يجر معه متاعب الدنيا والآخرة ويسخرونهم ليعيشو لهم أذنابًا يقتبسون مناهجهم وأوضاعهم ويتهافتون على تقليدهم، ويربطون كيانهم وحياتهم بمبادئهم ونظرياتهم وأفكارهم المناقضة والمخالفة لأصول الإِسلام وأحكامه.
هؤلاء الضعفاء الأذناب كافرون بنص القرآن الكريم والسنَّة النبوية وأقوال العلماء قديمًا وحديثًا:
فمن القران:
قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ (١).
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ١٠٠.
[ ١٩٠ ]
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٣).
وتال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (٤).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (٥).
قال ابن كثير: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك كما قال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ١٤٩.
(٢) سورة الأنعام: آية ١١٦.
(٣) سورة الأعراف: آية ٣.
(٤) سورة التوبة: آية ٣١.
(٥) سورة الأنعام: آية ١٢١.
(٦) تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٢.
[ ١٩١ ]
ومن السنَّة:
ما رواه البيهقي في سننه بسنده عن عدي بن حاتم - ﵁ - قال أتيت النبي - ﷺ - وفي عنقي صليب من ذهب قال فسمعته يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾، قال: قلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم
الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم) (١).
وروى البيهقي أيضًا عن أبي البختري قال: سئل حذيفة - ﵁ - عن هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أكانوا يصلون لهم قال لا ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه فصاروا بذلك أربابًا) (٢).
ومن أقوال العلماء قديمًا وحديثًا
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-:
(٥ ؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله إن علموا أنهم بدلوا دين الله فتابعوهم على التبديل، واعتقدوا تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يُصلُّون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع
_________________
(١) سنن البيهقي ١٠/ ١١٦.
(٢) سنن البيهقي ١٠/ ١١٦.
[ ١٩٢ ]
غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما
قاله الله ورسوله مشركًا مثل هؤلاء) (١).
وقال -﵀- ملزمًا كل من علم حكم الله التمسك به وإن أوذي في ذلك .. قال -﵀-: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقًا لعذاب الله بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنَّة الله في الأنبياء وأتباعهم) (٢).
وقال الشيخ أحمد شاكر -﵀-: ( وهذا مثل ما ابتلي به الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها وحكموا بها وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإِسلام ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٣).
قلت نعم: إن واقعنا المعاصر اليوم ليشهد لهذا: فالقوانين الوضعية تغمر كثيرًا من المجتمعات الإِسلامية -إلَّا ما رحم ربك- ويقبل عليها كثير من الناس بلا حرج، بل في شوق وارتياح وتمدها وتقوي شوكتها في ديار المسلمين روافد لا تنضب أولها في ديار الكفر وآخرها في قلوب إخوانهم وحلفائهم ممن تربوا على أيديهم ورضعوا ثقافتهم وتغذوا بلبانهم، وأصيبوا
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٧/ ٧٠.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٣٥/ ٣٧٣.
(٣) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية "الحاشية" ص ٣٦٤ - الطبعة الرابعة - المكتب الإِسلامي، بيروت.
[ ١٩٣ ]
بلوثتهم فدرسوا قوانينهم وأشربوا حبها في قلوبهم وبيتوا نية السوء للشريعة الإِسلامية.
إن الدول الكافرة كانت ولا زالت تبذل جهدها لإِيجاد فئة ترضى بالقوانين الوضعية وتتعلمها وتعلمها غيرها وتعمل بها في كل شؤون الحياة.
وقد حرص الإستعمار البغيض وهو يعزم على الرحيل جارًا أذياله وأسماله من العالم العربي والِإسلامي على أن تتربى على يديه وتنشأ في أحضانه "طبقة بديلة" توجد لديها قابلية شديدة للتأثر بالأنماط الوافدة، وتسري فيها روح التفرنج، لتكون امتدادًا لأفكاره وتحقيقًا مجسدًا لأهدافه الخبيثة ونواياه السيئة تجاه الإِسلام والمسلمين ومع الأسف: فقد تم له ما أراد وظهرت آثار الكارثة حينما تولت هذه "الطبقة البديلة" قيادة الدول الإِسلامية في شتى مجالات الحياة وتحت شعارات خادعة من "الإِصلاح الإجتماعي" و"الإِصلاح والتجديد" "والتقدم والحضارة" إلخ، فغرسوا بواعث وأهداف جديدة في نفوس المسلمين بديلًا عن الإِسلام كالنعرات القومية والوطنية ودعاوى الاشتراكية والديمقراطية وغير ذلك من الدعوات التي روجوا لها وزينوها للمسلمين وبنوا حولها زعامات وقيادات تستقطب الناس من دعوة الإِسلام وتربط مصالحهم بقوانين وضعية تصرفهم عمليًا عن الإهتمام بالشريعة الإِسلامية وتبعدهم عن دينهم وشريعة ربهم وتجعل وجهتهم القوانين الغربية.
وصحب ذلك خطة ضارية لعزل "دعاة الإِسلام" عن الحياة وحصرهم في أضيق نطاق بل وتصفيتهم وإبعادهم عن كل مجالات التأثير والتوجيه والدعوة للإِسلام!!!
[ ١٩٤ ]
واستخدم الطغاة العلماء الضعفاء كي يلبسوا على المسلمين دينهم ويزينوا تلك القوانين والمبادئ في أنظار المخدوعين تحت أي شعار أو استنادًا إلى أي تعليل!! (١).
فهؤلاء وأضرابهم ممن حذا حذوهم وانخدع بهم وسلك مسلكهم -في الدجل والنفاق والخداع والتلبيس على الناس- كافرون.
يقول الأستاذ مصطفى صبري (٢):
(ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة ترمي إلى محاربة الإِسلام في بلاده بايدي أهله، والتي لا شك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر) (٣).
• • •
_________________
(١) الغزو الفكري والتيارات المعادية للإِسلام "بتصرف" من ص ٢٥٣: ٢٧٣ ومن ص ٤٩٩: ٥١٧.
(٢) مصطفى صبري: من علماء الحنفية: فقيه وباحث تركي الأصل والمولد والمنشأ هاجر إلى مصر سنة (١٩٢٢ م) فألف كتبًا بالعربية، منها: "موقف العلم والعقل والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين" وهو مطبوع في أربعة مجلدات. انظر: الأعلام لخير الدين الزركلي ٧/ ٢٣٦. الطبعة الرابعة ١٩٧٩ م - مطابع دار العلم للملايين، بيروت - لبنان.
(٣) موقف العلم والعقل والعالم من رب العالمين ٤/ ٢٨١ حاشية.
[ ١٩٥ ]