واجبات ومسؤوليات الحكام
قبل بيان الشروط الواجب توافرها في الحاكم المسلم وتوضيح واجباته ومسؤولياته نؤكد ضرورة قيام حكومة إسلامية:
نعم: إن الحكومة الإِسلامية ضرورة من أجل حفظ العقيدة وصيانتها من عبث العابثين وخروج المارقين وحماية بيضة الإِسلام والذب عنها.
والحكومة الإِسلامية ضرورة من أجل إقامة الشريعة الإِسلامية على أصولها المقررة وقواعدها المحررة ورد البدع والمبتدعين وإعلاء راية الدين وهذه الحكومة لابد لها من حاكم يدبر شؤونها ويصرف أمورها
والحاكم المسلم ضرورة يوجب الإِسلام على الأمة إقامته، ليدفع عن الأمة عدوها ويحمي زمارها ويحافظ على أمنها ومقدساتها، ويسد الخلل الذي ينشأ عن اضطراب أمرها، ويقيم الحدود الزاجرة والتعزيرات الرادعة ليمنع أهل البطالة والفساد من العبث بحياة الآمنين إلى غير ذلك من الواجبات والمسؤوليات.
[ ٢٤ ]
ولكن من هو الحاكم الذي يقوم بهذه الأمانة ويضطلع بهذه المهمة وما هي الشروط الواجب توافرها فيه حتى تطمئن الأمة إلى عدله وتعطيه من السمع والطاعة ما يكون جديرًا به في مكانه منها، وهذا ما نحن بصدد تفصيله.
(١) الشروط الواجب توافرها في الحاكم المسلم:
فنقول: إن طبيعة الحكم في الإِسلام تقوم على أن "الحاكم" إمامًا كان أو خليفة أو رئيسًا واحد من عامة الناس توافرت فيه شروط معينة تجعله أهلًا لهذا المنصب وكفوءًا لأن يتولى رعاية شؤون الأمة وحراسة دينها وإقامة حدود الله فيها. من هذه الشروط: بل من أولها:
١ - أن يكون مسلمًا لأن وظيفته نفسها تقتضي هذا، فمهمته إقامة شرع الله وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإِسلام وما يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الصحيح إلَّا مسلم. قال -تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ ﴾ (١) الآية. وقال -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٢).
٢ - كما يشترط أن يكون مكلفًا أي بالغًا عاقلًا لأن الإمامة أو الحاكمية ولاية على الغير والصغير والمجنون والمعتوه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف على غيرهم؟!
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ٢٨.
(٢) سورة النساء: آية ١٤١.
[ ٢٥ ]
٣ - أن يكون عالمًا بأحكام الإِسلام في العقيدة والعبادات والمعاملات وغيرها من أحكام الإِسلام ولا يكفي ذلك بل يجب أن يكون مثقفًا ثقافة عالية ملمًا بأطراف من علوم عصره، وأن يكون على علم بالتاريخ السياسي للدول وأخبارها وبالقوانين والأعراف الدولية والمعاهدات العامة والعلاقات السياسية.
٤ - أن يكون عدلًا: والعدالة عند الفقهاء التحلي بالفرائض والفضائل والتخلي عن المعاصي والرذائل وعن كل ما يخل بالمروءة.
٥ - أن يكون كفوءًا قادرًا على قيادة الناس وتوجيههم (١).
هذه هي أهم الشروط. وليس ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذا اقتضتها المصلحة العامة أو ظروف الحياة التي تتغير بمرور الزمن.
كيف يتم اختيار الحاكم المسلم؟
"يتم اختيار الحاكم ببيعة حرة واختيار الشعب له، وهو ليس معصومًا من الخطأ ولا مفوضًا من الله أن يفعل ما يشاء، فمن حق الشعب أن يعزله إذا لم يقم بواجبه أو يفقد صلاحيته - فإذا اختير وبويع من قبل الشعب لزمته واجبات يسأل عن أدائها، ومسؤوليات لا حصر لها وله في الوقت نفسه حقوق على الأمة تظل قائمة بها ما قام بواجباته ولم يقصر في القيام على مسؤولياته (٢).
_________________
(١) انظر في هذه الشروط: الإِسلام لسعيد حوى ٢/ ١٤٧، ١٤٨، طبعة أولى ١٣٨٩ هـ، مطبعة دار الكتب بيروت.
(٢) انظر: في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٩١ تأليف: مصطفى فرغلي الشقيري رقم ٢٢١٨٢ مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية.
[ ٢٦ ]
(ب) واجبات الإمام [الحاكم] على ضوء ما قررته الشريعة الإِسلامية والنصوص الواردة في ذلك:
إن واجبات الإمام كثيرة وهي على كثرتها تنحصر في واجبين اثنين:
- أحدهما: إقامة الشريعة الإِسلامية.
- والآخر: إدارة شؤون الدولة في حدود أحكام الشريعة الإِسلامية (١).
يقول الماوردي -﵀-:
(الإِمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (٢).
ويقول ابن تيمية -﵀-:
(ولاية الحكم استخلاف من الله لتطبيق شرع الله) (٣).
فالوظيفة الأساسية للحاكم المسلم هي إقامة حكم الله في الأرض، وذلك بالسهر على تطبيق وتنفيذ الشريعة الإِسلامية في مجالات الحياة الِإنسانية كافة هذا:
وقد قررت الشريعة الإِسلامية مبدأ مسؤولية الحاكم المسلم عن أحوال رعيته في عدد كثير من النصوص: منها:
قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
_________________
(١) انظر: الإِسلام لسعيد حوى ٤/ ١٦١.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي ص ٥. طبع دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
(٣) السياسة الشرعية ص ٥.
[ ٢٧ ]
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ (١) الآية.
فالحاكم المسلم مطالب بأن يكون تصرفه لمصلحة رعيته فلا يتبع الهوى والتشهي إنما يتقيد بنصوص الشريعة وهدي السماء (٢)!!.
ويقول -تعالى-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (٣).
فالحاكم المسلم إنما هو خليفة الله في أرض الله ليطبق شريعة الله بين خلقه فإن فرط فهو عاجز وإن أفرط فهو مستبد.
ويقول -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (٤).
فعلى الحاكم المسلم أن يدرك يقينًا أنه ليس مالكًا للدولة الإِسلامية يتصرف في تدبيرها وسياسة رعاياها كما يشاء هو وفقًا لهواه، وإنما الملك لله وحده وهو مستخلف في الأرض ليطبق شرع الله، ويسير على هديه.
_________________
(١) سورة المائدة: آيتان ٤٨، ٤٩.
(٢) الإِسلام، لسعيد حوى ٢/ ١٦١.
(٣) سورة ص: آية ٢٦.
(٤) سورة النساء: آية ١٠٥.
[ ٢٨ ]
والتشريع ليس من حق فرد أو طبقة من الناس، أو الناس جميعًا؛ إنما هو من حق الله وحده بما أنزل من شريعة وفرض من أحكام.
- قال -تعالى-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١).
- وقال -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢).
- ويقول - سبحانه -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣).
فالله - ﷾ - لم يفوض إلى أحد من عباده لا إلى رسول ولا نبي ولا إمام ولا ولي ولا إلى غيرهم أن يشرع للناس من الأحكام ما يريد وأن يحكم بما يراه هو من عند نفسه وكيف اتفق (٤).
ألا فليعلم الحكام أن صلاحيتهم محددة بالحدود التي شرعها الله فلا يصح لهم أن يتعدوا حدود الله ويخالفوا أحكامه ويخرجوا على أوامره ونواهيه ويتمردوا على شرعه وليعلموا أن الحكم في الإِسلام ليس ترفًا ولا نعيمًا ولا تعظيمًا إنه مسؤوليات ثقال وتبعات جسام، وسهر وحذر وحرص على مصالح الرعية.
نعم: الدنيوية والأخروية، المادية والروحية تلك المصالح التي جاءت
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٥٤.
(٢) سورة يوسف: آية ٤٠.
(٣) سورة النساء: آية ٦٥. وانظر الملكية في الشريعة الإِسلامية ٢/ ٢٣٣.
(٤) انظر: الملكية في الشريعة الإِسلامية للعبادي ٢/ ٢٣٢. نقلًا عن الموسوعة الفقهية ص ١٦. طبعة أولى ١٣٩٧ هـ مطابع وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالأردن.
[ ٢٩ ]
الشريعة لِإقامتها في المجتمع الِإنساني ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (١).
(ج) إلحكم أمانة والنصوص الواردة في ذلك:
نعم: إن الحكم أمانة ثقيلة ومسؤولية فادحة أمام الله -تعالى- ومن أوجب الأمانات أداء صاحب الولاية العامة أمانة ولايته لمن ولاه الله عليهم وفي مقدمتها العمل طبقًا لما جاء في كتاب الله -تعالى- وسنَة نبيه - ﷺ -.
يقول أبو يوسف القاضي مخاطبًا هارون الرشيد: (واعمل بما ترى أنه أصلح للمسلمين وأعم نفعًا لخاصتهم وعامتهم وأسلم لك في دينك وكل ما رأيت أن الله يصلح به أمر الرعية فافعله ولا تؤخره فإني أرجو لك بذلك أعظم الأجر وأفضل الثواب) (٢) حقًا:
إن أي تقصير أو خداع أو غش في أداء الحاكم لهذا الواجب العظيم يعتبر خيانة والله -تعالى- يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (٣).
ويقول - ﷺ -: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة" (٤).
_________________
(١) سورة الحج: آية ٤١.
(٢) الخراج، لأبي يوسف ص ١١٧، ١١٨. وانظر: محاضرات في الثقافة الإِسلامية، لأحمد محمد جمال ص ١٨١، ١٨٢ ومشكلات في طريق الحياة الإِسلامية للغزالي ص ٧٤.
(٣) سورة الأنفال: آية ٢٧.
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١٤٦٠، كتاب الأمارة حديث رقم ١٤٢ - باب رقم ٥.
[ ٣٠ ]
ولمسلم عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلَّا لم يدخل معهم الجنة" (١).
(فالحاكم مأمور من قبل الشارع أن يحوط الرعية بالنصح ومتوعد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد والله أعلم) (٢).
ومن أقوال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (إن الراعي مسؤول عن رعيته، فلابد له أن يتعهد رعيته بكل ما ينفعهم الله به ويقربه إليه فإن من ابتلى بالرعية فقد ابتلى بأمر عظيم) (٣).
نعم: إن الحكم في الإِسلام ليس وجاهة ولا رفاهة وليس جنون العظمة عند محب السلطة وإنما هو حمل باهظ وهم بشؤون الأمة ثقيل، وعقد يتم بين الحاكم والمحكومين على أن تكون طاعة المحكومين له مشروطة بطاعته هو لله ورسوله، فإذا حاد عن طاعة الله وانحرف عن سمت العدل فلا سمع ولا طاعة له على الأمة: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ (٤). ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ (٥)
_________________
(١) صحيح مسلم ٣/ ١٤٦٠، كتاب الِإمارة - باب ٥، طبع ونشر الرئاسة العامة للبحوث بالسعودية.
(٢) القواعد الفقهية، للندوي ص ٢٨٣، طبع دار القلم، دمشق.
(٣) الخراج، لأبي يوسف ص ١١٩.
(٤) سورة الكهف: آية ٢٨.
(٥) سورة الشعراء: آيتان ١٥١، ١٥٢.
[ ٣١ ]
(د) حدود طاعة الرعية للِإمام:
قرر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - هذا المعنى في عدد من أحاديثه - ﵊ -. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١).
وقد انعقد إجماع الأمة الإِسلامية على ألا طاعة لولي الأمر إلَّا في حدود ما أنزل الله وعلى أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأن السلطة العامة مقيدة الولاية في الشريعة الإِسلامية ويترتب على ذلك أنه لابد أن يكون تصرف الحاكم منوط بمصلحة المحكومين وهذه قاعدة أصولية مقررة في الإِسلام نصت عليها كتب القواعد في الفقه وأصوله، ونصها:
(هـ) (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) (٢):
فهذه قاعدة ذات شأن وأهمية قصوى في الفقه الإِسلامي وذات مساس بالسياسة الشرعية وتنظيم الدولة الإِسلامية، فإنها تحدد معالم السلوك للحكام والأئمة والولاة ومن دونهم في جميع التصرفات وتضع حدًا ووازعًا للحاكم في كافة تصرفاته (٣).
_________________
(١) بتصرف من: في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٩١، مشكلات في طريق الحياة الإِسلامية، للغزالي ص ٧٤، صحيح البخاري ٨/ ١٥٥، ١٠٦، كتاب الأحكام - باب ٤، طبع استانبول - تركيا.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية، لعلي حيدر ١/ ٥١، مادة ٥٨ طبع ونشر مكتبة النهضة، بغداد، وتوزيع دار العلم للملايين بيروت - لبنان.
(٣) القواعد الفقهية، للندوي ص ٢٨٠، ٣٦٥.
[ ٣٢ ]
فإذا كان حديث: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الحديث" يوجب القيام بالمسؤولية فهذه المسؤولية تقتضي أداء الواجب مع النظر في المصلحة والتصرف في الأمر بالأمانة. وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون في خطبهم عند توليهم أمر المسلمين وفي سلوكهم فهذا -على سبيل المثال لا الحصر -[أبو بكر - ﵁ - في أول خطبة خطبها بعد بيعته بالخلافة يقول: (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم أيها الناس إنما أنا
متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوِّموني)] (١).
(و) وجوب إزالة التناقض بين الإِسلام وتعطيل شرائعه:
فعلى الحكام أن يزيلوا هذا التناقض الصارخ في حياتهم بين إيمانهم بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله وبين تجميدهم لأحكامه وتعطيلهم لحدوده وإغفالهم لتوجيهاته وآدابه واستيرادهم لمذاهمب وأنظمة وقوانين من هنا وهناك بديلًا عنه ثم بعد ذلك يزعمون أنهم مؤمنون ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢).
أنَسِيَ هؤلاء الحكام أم تناسَوْا أنهم يعيشون في أوطان الإِسلام ويحكمون أناسًا مسلمين ومن حق كل قوم أن يُحكَموا وفقًا لعقيدتهم وأن تأتي أنظمة حياتهم عن معتقداتهم وقيمهم وأخلاقهم وتقاليدهم وأن يوضع كل شيء في الدولة في إطار الشريعة الإِسلامية وفي خدمة أهدافها ومبادئها
_________________
(١) صفة الصفوة لإبن الجوزي ١/ ٢٦٥، تحقيق محمود فاخوري، محمد رواس قلعجي، طبع الأصيل، حلب ١٣٨٩ هـ.
(٢) سورة المائدة: آية ٥٠.
[ ٣٣ ]
أما أن يدَّعو الإِسلام ويرفضوا حكمه ويعرضوا عن قرآنه وسنَّة نبيه ﷺ، ويتنكروا لشرائعه وشعائره فهذا ما لا يقبله عقل ولا يقره دين" (١).
لقد آن للحكام أن يعلموا أنه لا خلاص لشعوبهم ولا استقرار لمجتمعاتهم إلَّا بالاسلام: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٢).
يقول ابن تيمية -﵀-: (إن جميع الولايات في الإِسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله - ﷾ - إنما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون) (٣).
(ز) مهمة الحاكم مهمة شاملة:
قلت: نعم: إن مهمتهم كما وضحها شيخ الإِسلام ابن تيمية - ﵀ - بقوله: (إن مهمة الحكام ليست مقصورة على حفظ الأمن والدفاع عن البلاد والقيام بمتطلبات المعيشة ورفع مستواها بين الناس - فحسب -كما تقرره المذاهب الفردية بل إن مهمتهم مهمة شاملة ووظيفتهم ذات طبيعة عامة تختلف عن كل ما عرف من وظائف قديمًا وحديثًا إنهم مكلفون بمهمة غالية أنيطت بوجودهم ومسؤولية كبرى لا يسعهم جهلها أو تجاهلها أو التفريط
_________________
(١) بتصرف من: الصحوة الإِسلامية بين الجحود والتطرف، د. يوسف القرضاوي ص ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤، طبعة أولى ١٤٠٢ هـ، قطر.
(٢) سورة طه: آيتان ١٢٣، ١٢٤.
(٣) الحسبة في الإِسلام لشيخ الإِسلام ابن تيمية ص ٤، طبع الدجوى بالقاهرة ١٤٠٢، تحقيق ومراجعة وتعليق: محمد زهري النجار.
[ ٣٤ ]
والتهاون فيها، ومن أوجب الواجبات وأول المهمات النصح لشعوبهم وهو ضرورة حتمية تمليها عليهم عقيدتهم ويحتمها عليهم إيمانهم بالله ورسوله وإلَّا فهم خائنون مفرطون.
ألا وإن أعظم نصيحة يقدمونها لمحكوميهم إقامة شرع الله بينهم وتنفيذ أحكامه فيهم وحملهم على التكيف بروح الإِسلام وآدابه وتحقيق مبادئه تحقيقًا عمليًا في حياتهم وغرس حبه واحترامه في نفوسهم والضرب بيد من حديد على يد كل فاسد أو مأجور أو موتور تشتم منه رائحة التجهيز على هذا الدين أو الدفاع عن أي اتجاه يخالف هذا الإتجاه وبهذا يكون قد أدى أمانته وأرضى ربه ونصح لأمته ومكن لها من إقامة شرع الله الذي أنيطت به سعادتها وفلاحها في الدنيا والآخرة) (١).
يقول أبو الأعلى المودودي -﵀-: (ليست المهمة الحقيقية التي تتولاها الدولة الإِسلامية في الأرض أن تعمل على إقامة الأمن والدفاع عن حقوق البلاد أو رفع مستوى معيشة الأهالي فما هذا هو الغرض الأقصى والغاية العليا من وراء قيام الدولة الإِسلامية، فإن الميزة التي تميزها عن سائر الدول غير المسلمة هي أن تعمل على ترقية الحسنات التي يريد الإِسلام أن تتحلَّى بها الإِنسانية وتستنفد جهودها في استئصال السيئات التي يريد الإِسلام أن يطهر منها الإِنسانية) (٢).
_________________
(١) بتصرف من الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد لخالد الحاج، تحقيق: عبد الله الأنصاري ٢/ ٤٩٢، ٤٩٣، طبع دار إحياء التراث الإِسلامي بقطر.
(٢) انظر: نظرية الإِسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ص ٢٧٧، ٢٧٨.
[ ٣٥ ]
(ح) ما يفرضه الإِسلام على الحاكم المسلم:
إن الإِسلام يفرض على الحاكم المسلم أن يكون مسلمًا في نفسه عقيدة وعبادة وأخلاقًا، ويفرض عليه في الوقت نفسه أن يجهد ليكون المجتمع الذي يحكم ٥ مسلمًا يتمثل الإِسلام عقيدة وأخلاقًا ويلتزمه فكرًا وسلوكًا ويطبقه شريعة ومنهاجًا، والإِسلام إذ يفرض عليه هذا العمل يجعل القيام به تكليفًا شرعيًا لا يجوز القعود عنه أو التهاون والتقصير فيه كما يجعل الإلتزام بأحكام هذه الشريعة الخالدة التزام حتمي لابد منه ولا خيار للحاكم أو المحكوم فيه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢).
(ط) معنى الرد إلى الله ورسوله في الآية الكريمة:
يقول علي بن أبي طالب - ﵁ - في كتابه الذي وجهه لمالك بن الحارث "الأشتر النخعي" حين ولاه على مصر يقول: بعدما أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلَّا باتباعها ولا يشقى إلَّا مع جحودها وإضاعتها ثم يأمره بعد ذلك أن يرد كل ما يشكل عليه من الخطوب إلى الله ورسوله فيقول: [واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب وما يشتبه عليك من الأمور فقد قال الله -تعالى- لقوم أحب إرشادهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
_________________
(١) سورة الأحزاب: آية ٣٦.
(٢) سورة النساء: آية ٥٩.
[ ٣٦ ]
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (١) الآية. فالرد إلى الله الأخذ بمحكم (٢) كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة" (٣)].
ويقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(إن الناس أجمعوا على أن الرد إلى الله - سبحانه - هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول - ﷺ - هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته) (٤).
وللبخاري في صحيحه عن الحسن بن علي - ﵁ -: (أخذ الله على الحكام ألا يتبعوا الهوى ولا يخشون النالس ولا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا: ثم قرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (٥).
فعلى الحكام أن يتنبهوا إلى ثقل التبعة التي تنتظرهم وأن يكونوا أهلًا لما ألقي على عاتقهم من مسؤولية وما طرح على ظهورهم من أحمال ثقال.
_________________
(١) سورة النساء: آية ٥٩.
(٢) المحكم: النص الصريح - نهج البلاغة للشريف الرضي ص ٥٢٦ هامش ١.
(٣) سنة الرسول - ﷺ - كلها جامعة ولكن رويت عنه سنن افترقت بها الآراء، والمطلوب منا أن نأخذ بما أجمع عليه لا ما اختلف في نسبته إليه - ﷺ -. (نهج البلاغة، للشريف الرضي شرح الشيخ محمد عبده، وعبد العزيز سيد الأهل ص ٥٢٦ طبع دار الأندلس بيروت ١٣٨٢ هـ).
(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٠، طبعة أولى ١٣٧٤ هـ مطابع السعادة بمصر.
(٥) صحيح البخاري كتاب الأحكام ٨/ ١١٠ - باب ١٦ طبع المكتب الإِسلامي باستانبول - تركيا.
[ ٣٧ ]