الإِيمان بالله -تعالى-
إن الإِيمان بالله هو المحرك الأساسي والعنصر الفعال في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ومن ثَمَّ الاستجابة لتحكيم شرعه. ويعني الإِيمان بالله الإِيمان بأنه الرب الخالق الحكيم المدبر لهذا الكون كله. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (١).
فلزام على البشر -كل البشر- أن يعلموا أن الله -﷿- خالق الخلق ومدبر شؤونهم وهو وحده أعلم بما يصلحهم وما يصلح لهم، فتجب طاعته ويتحتم التزام أمره والوقوف عند حدوده ويجب التحرر المطلق من كل عبودية للأوهام والأشخاص والنظم والأساطير والبدع والخرافات، والخروج عن دواعي النفس والهوى والدخول بالكلية تحت سلطان الله رب العالمين.
والِإيمان بالله -تعالى- لا يتم إلَّا باستسلام الكيان الِإنساني كله قلبًا
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٥٤.
[ ٥٤ ]
وعقلًا وسلوكًا لحكم الله وهيمنته على خلفه. قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (١).
ثم إن الإِيمان بالله عقيدة يختزنها الجنان وكلمة يرددها اللسان وعمل يصطبغ به السلوك الإنساني كله باتباع مرضاة الله -﷿- والإمتثال لأوامره واجتناب نواهيه.
والِإيمان بالله تعالى قوة عاصمة من الدنايا دافعة إلى المَكْرُمَاتِ، ومن ثَمَّ فإن الله -تعالى- عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر يجعل ذلك مقتضى الإِيمان المستقر في قلوبهم وما أكثر ما ينادي الله عباده بوصف الإِيمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يذكر -بعدُ- ما يكلفهم به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الآية (٢) " (٣).
إن لكل شيء علامة تدل عليه ويعرف بها ومن علامات الإِيمان الصادق: أن يكون الله ورسوله أحب إلى الِإنسان من كل شيء. وأن يظهر ذلك في جميع تصرفاته فيصاحبه طاعة لله وطاعة رسوله وعمل بشرع الله الذي يحمله الرسول والاستجابة التامة لذلك قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الأنعام: آيتان ١٦٢، ١٦٣.
(٢) سورة الأنفال: آية ٢٤.
(٣) انظر: خلق المسلم، للغزالي - ص ٩ - ط. التاسعة ١٣٩٤ هـ - الدوحة - قطر.
(٤) سورة النور: آيتان ٥١، ٥٢.
[ ٥٥ ]
إذن .. فليس الإِيمان مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإِقرار فقط بل المعرفة والإِقرار والإنقياد والتزام طاعة الله ودينه ظاهرًا وباطنًا" (١).
وليس حب الله دعوى باللسان ولا هيامًا بالوجدان إلَّا أن يصاحبه الإتباع لرسول الله - ﷺ - والسير على طريقته والعمل بسنته قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ (٢).
قال الإمام ابن كثير -﵀- في تفسيره لهذه الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣).
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: "زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ﴾ ثم قال -تعالى-: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الآية، أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع
_________________
(١) انظر: زاد المعاد في هدى خير العباد للإِمام شمس الدين ابن قيم الجوزية ٣/ ٤٢. ط الثانية ١٣٦٩ هـ مصطفى الحلبي وشركاه بمصر.
(٢) سورة آل عمران: الآيتان ٣١، ٣٢.
(٣) صحيح مسلم ٣/ ١٣٤٤، حديث رقم ١٧١٨ كتاب ٣٠ - باب ٨.
[ ٥٦ ]
الرسول النبي الأمي خاتم الرسل - صلوات الله وسلامه عليه - " (١).
ويقول عمر بن عبد العزيز - ﵁ -: (إن للإِيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإِيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإِيمان) (٢).
نعم، "إن الإِيمان الحق عقيدةٌ ثابتة تنسب الخلق والأمر جميعًا إلى الله وحده، وعِلْم موحَّد يتسع لِأَبعاد الوجود غيبه وشهوده، ولأوامر الله في الطبيعة والشريعة ولمراحل الحياة أولها وآخرها وموقف في الحياة لا يختلف يتخذ المسلم لقاءه -تعالى- غاية مجردة وعبادته وسيلة مخلصة ويجعل هديه المنزل صراطًا إليه مستقيمًا" (٣).
إن الإِيمان معنى يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لحظة ولمحة من حياته فالعقائد مرتبطة بالأعمال والأعمال مرتبطة بالمشاعر "النيات" وليس مؤمنًا من اعتقد أن التكاليف والعبادات والأوامر والنواهي ليس مطلوبًا منه أن يعمل بها وإنما يكفي التصديق بها فحسب، وليس مؤمنًا من فرق بين الصوم والصلاة والجهاد وسائر العبادات في لزومها وفرضيتها، أو جحد لزوم حد من الحدود وشأن من اعتقد ذلك شأن من كفر بالله ربًا وبالِإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا قال -تعالى-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٨. (تفسير القرآن العظيم، للإِمام الحافظ ابن كثير - الطبعة الثالثة ١٣٧٥ هـ - مطبعة الاستقامة بالقاهرة ج. م. ع.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٨ - كتاب الإِيمان باب ١.
(٣) الإِيمان - أثره في حياة الانسان، د. حسن الترابي ص ٢٧٩ - طبعة أولى ١٣٩٤ هـ، دار القلم بالكويت.
[ ٥٧ ]
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (١).
وبعدُ: فكل من انحرف عن هذا الخط المستقيم وانخرط في سلك شهواته ونزواته فقد انحرف عن طريق الجادة وانصاع لأهوائه وأمانيه واستوحى منهما ضوابط سلوكه في حياته وعندها سيسقط في مهاوي الهلكة تمزقه الأهواء وتورثه الشهوات الحيرة والفزع والخلل والإضطراب، ويضل سعيه في الحياة الدنيا ويحشر يوم القيامة أعمى وبهذا يكون قد ظلم نفسه ولم يجن في الحياتين إلَّا الذل والشقاء والضياع والهوان. نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا إيمانًا صادقًا وأن يلهمنا عملًا صالحًا متقبلًا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
• • •
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٧٧، وانظر: خلق المسلم، للغزالي ص ٩، ١٠.
[ ٥٨ ]