انعدام الإيمان أو ضعفه
نعم: إن ضعف الإيمان في نفوس كثير من المسلمين هو: الأصل الجامع لكل انحراف وقعوا فيه وكل الأسباب التي سأذكرها بعدُ إنما هي أسباب تفصيلية لهذا السبب الأساسي. ولا غرو فقد تقدم (١) أن الإيمان بالله -تعالى- وما يقتضيه هذا المعنى هو نقطة البدء التي ينبغي أن ينطلق منها المسلم بل وتعد عنصرً فعالًا في الإستجابة لأوامر الله -تعالى- وتطبيق شرعه، وإيمان بهذه المنزلة يعد إيمانًا حيًا نابضًا متحركًا ودافعًا إلى كل خير يشعر صاحبه بحلاوته وأثره.
"أما أن لا يتجاوز الإيمان إلَّا ادعاءه أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان باللسان فحسب، فإذا فتشت عن مدلوله في نفس مدعيه لا تجده شيئًا.
فمثل هذا الإيمان لا يحرك ساكنًا ولا ينتج أثرًا ولا يشعر صاحبه
_________________
(١) انظر: ص ٥٤: ٥٨.
[ ٢٠٦ ]
بحلاوته وإنما هو إيمان اعتراه فتور أو موت ويتبع هذا -والعياذ بالله تعالى- المرض القلبي الذي يجعل المريض يعرض عن حكم الله وحكم رسوله ويقبل على حكم البشر مع قصوره وثبوت عجزه. نعم: إنه يدعي الإيمان بالله وبالرسول كما يدعي الطاعة فإذا ما دعي إلى تطبيق حكم الله ورسوله فإذا هو من المعرضين (١).
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ (٢).
وروى الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عمر - ﵄ - قال: "لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد - ﷺ - فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تُعلَّمون أنتم القرآن ثم أجد رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان؛ فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه وينثره نثر الدَّقْل (٣) " (٤).
وهذا ما يصدق على كثير من مسلمي اليوم فقد ضعف الوازع الديني
_________________
(١) انظر: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم، مقال: كيف ننهض بالمجتمعات المسلمة المعاصرة د. محمد رأفت سعيد "بتصرف" يسير من ص ٣٠٦ - ٣١٧.
(٢) سورة النور: آيتان ٤٧، ٤٨.
(٣) الدَّقْل: رديء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورًا. (مجمع البحرين في زوائد المعجمين ١/ ٢٠٢).
(٤) مجمع البحرين في زوائد المعجمين للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق ودراسة عبد القدوس محمد نذير ١/ ٢٠٢، حديث رقم ٢٠٩، ط الأولى ٤١٣ اهـ، مكتبة الرشد.
[ ٢٠٧ ]
وبدا ظاهرة فاشية عندما انتشر الجهل وانعدمت التربية الإِسلامية في مختلف الأوساط وسيطر الظلم وفشا الجور واستبدت بالحكام الأهواء ولم تعد مراقبة الله أساسًا للتصرف، والإيمان به أصلا للسلوك والمعاملات، وأصبح الوازع الديني غير زاجر حقيقة عن اللهو والعبث والفساد. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٢٠٨ ]