وجود الإيمان العميق والعقيدة الراسخة
وهو أول السمات المميزة لطبيعة المجتمع المسلم واللبنة الأولى في بناء صرح الشريعة الإِسلامية.
وقد مر بنا أن النبي - ﷺ - أمضى ثلاثة عشرة سنة في مجال العقيدة ثم انتقل إلى ما هو فرع لها في السلوك العملي!!
يقول أبو الحسن النَّدْوي -﵀-:
(أتى النبي - ﷺ - بيت الدعوة والإصلاح من بابه ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين في عهد الفترة، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه، فدعا الناس إلى الإيمان بالله وحده ورفض الأوثان والعبادات والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة وقام في القوم ينادي: "يا أيها الناس: قولوا لا إله إلَّا الله تُفلحوا!! "، ودعاهم إلى الإيمان برسالته، والإيمان بالآخرة) (١).
ولم يكن النبي - ﷺ - في ذلك بدعًا من الرسل بل إن لب دعوات الرسل
_________________
(١) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص ١٢٢ الطبعة الرابعة.
[ ٣٠١ ]
والأنبياء جميعًا تنطلق من هذه النقطة، والغاية الأولى التي أنزلت لها الكتب السماوية الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ كل ما يعبد من دونه، ومحاربة الجاهلية بكل أشكالها وصورها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة.
إذن فإنه قبل التفكير في إقامة مجتمع مسلم ينبغي أن يتجه الإهتمام أولًا: إلى أن يتمثل هذا المجتمع العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم كما يتمثلها في شعائرهم وعباداتهم كما تتمثل في نظامهم الجماعي وتشريعاتهم.
وهذه هي نقطة البدء في محاولة بعث أمتنا الإِسلامية لتحكيم الشريعة الإِسلامية: عقيدة تملأ القلب وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلَّا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلَّا منه دون سواه يقول صاحب "معالم في الطريق" تحت عنوان "لا إله إلَّا الله منهج حياة" ما يلي: (العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإِسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلَّا الله. والتلقي عن رسول الله - ﷺ - في كيفية هذه العبودية. هو شطرها الثاني. المتمثل في شهادة أن محمدًا رسول الله والقلب المؤمن المسلم هو الذي يتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان وأركان الإِسلام إنما هو مقتضٍ لهما:
"فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله والهوم الآخر والقدر خيره وشره. وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج. ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات والتشريعات والتوجيهات الإِسلامية إنما تقوم كلها
[ ٣٠٢ ]
على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلّغه لنا رسول الله - ﷺ - عن ربه.
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعًا، لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلمًا. ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمد رسول الله قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة الإِسلامية بحذافيرها فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى أو عدة قواعد أجنبية عنها، قال -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) " (٣).
"على أن العقيدة ليست مفهومًا ذهنيًا تستوعبه الأذهان ثم يستقر فيها هناك. إنها على هذا النحو لا تصنع شيئًا في عالم الواقع كالفلسفة في الأبراج العاجية لا تغير شيئًا في واقع الناس!! إنما هي عقيدة ترسخ، وترسخ حتى تصبح يقينًا قلبيًا تنطلق على هداه مشاعر القلب ويجري بمتقضاه السلوك العملي للانسان وبهذه الصورة تعمل العقيدة في عالم الواقع تغير تهدم، وتبني تهدم الباطل وتبني مكانه الحق) (٤).
إن العقيدة التي تجمع المسلمين ولا تفرقهم وتوحدهم ولا تشتتهم هي
_________________
(١) سورة يوسف: آية ٤٠.
(٢) سورة النساء: آية ٨٠.
(٣) معالم في الطريق للسيد قطب ص ١١٣، طبع دار دمشق - لبنان.
(٤) واقعنا المعاصر، للشيخ محمد قطب ص ٣٧.
[ ٣٠٣ ]
عقيدة السلف التي جمع الرسول الصحابة عليها وعلمهم إياها والتي تقوم على الأسس السليمة والأصول المتينة التي لا يأباها عقل حصيف (١).
فعلى كل مسلم يعيش في أرجاء المعمورة أن يفهم هذه العقيدة فهمًا كاملًا سليمًا حكيمًا، وبهذه نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في بناء صرح الشريعة الإِسلامية الشامخ.
• • •
_________________
(١) خطوط رئيسية لبعث الأمة الإِسلامية. عبد الرحمن عبد الخالق ص ٥٢. (بتصرف).
[ ٣٠٤ ]