الإِيمان بعموم الشريعة الإِسلامية وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان
إن التشريع الإِسلامي تشريع محكم وعام وخالد أتى بالمبادئ التشريعية والخلقية التي تسمو بالِإنسان إلى أعلى درجات الكمال، جاء من عند الله عامًا لكل أجناس البشر جنهم وأنسهم، لا يختص بقوم دون قوم أو جيل دون جيل، موجه إلى الناس كافة، باعتبار إنسانيتهم التي ميزتهم عن سائر الحيوان: يحقق مصالحهم في كل عصر ومصر، ويفي بحاجتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع من المجتمعات، ومع عمومية التشريع الإِسلامي فإنه شامل كذلك لكل جوانب الحياة ومناحي الِإجتماع، لم يترك شاردة ولا واردة إلَّا ذكر فيها خبرًا أو شملها حكمًا أو أدرجها تحت أصل أو قاعدة فالشريعة الإِسلامية. منذ نشأتها الأولى كذلك رسالة للعالمين طبيعتها طبيعة عالمية شاملة ووسائلها وسائل إنسانية كاملة، وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ومن نهج إلى نهج عن طريق مصدرين أساسيين هما: القرآن الكريم وسنَّة النبي - ﷺ -.
وقد تضافرت النصوص على تأكيد عمومها وشمولها، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك كثيرة منها:
[ ٦٧ ]
قال -تعالى-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
حقًا "إنها الرسالة الأخيرة فهي الرسالة الشاملة لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل، ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية، قومية، محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين -، وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة تأهيلًا للرسالة الأخيرة، وكانت كل رسالة تتضمن تعديلًا وتحويرًا في الشريعة يناسب تدرج البشرية حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت شاملة كاملة في أصولها قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها وجاءت للبشر جميعًا، لأنه ليس هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان" (٢).
نعم: لقد وسعت الشريعة الإِسلامية بمبادئها وأحكامها الفرعية جميع شؤون الحياة واستوعبت حاجات الإنسان كافة ووفقت بين مقاصده جميعًا، وبينت تحديد الغاية من خلقه قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٣).
وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٤).
وتناولت بيان وظيفته في الحياة ومركزه في هذا الكون الفسيح قال -تعالى-: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٥٨.
(٢) في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب ٣/ ١٣٧٩.
(٣) سورة الذاريات: آية ٥٦.
(٤) سورة الزمر: آيتان ١١، ١٢.
[ ٦٨ ]
مُجِيبٌ (٦١)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (٢).
ونظمت علاقة الإِنسان بربه وصلته بإخوانه والمجتمع الذي يعيش فيه، وحددت الحقوق والواجبات، ووضعت أصولًا لفض المنازعات وإيصال كل ذي حق حقه وأرست قواعد العدل بين الناس في كل جانب من جوانب حياتهم ونشاطاتهم وأعمالهم، فهي عامة في جميع المكلفين وجارية على مختلفات أحوالهم وإليها يرد كل أمر جاءنا ظاهرًا أو باطنًا ولا نبالغ إذا قلنا: إن الشريعة الإِسلامية تعد منهج حياة في جمع بين الدنيا والدين والعمل والعبادة وبين الظاهر والباطن فضمن بذلك للإِنسان خيرى الدنيا والآخرة.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
"فإنه قد علم بالإضطرار من دين الإِسلام: أن رسالة محمد بن عبد الله - ﷺ - لجميع الناس: عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة للثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين. وما سنَّه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته" (٣).
إن القرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية
_________________
(١) سورة هود: آية ٦١.
(٢) سورة الملك: آية ١٥.
(٣) فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١١/ ٤٢٢، ٤٢٣.
[ ٦٩ ]
الخاصة قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣).
وقال -تعالى-: (﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٤).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٥).
وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٦)
ويقول -تعالى- في عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧).
ولكن رسولنا محمد - ﷺ - يعلن عالمية دعوته ونبوته للعالمين وختمه للنبيين قال -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٨).
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٥٩.
(٢) سورة الأعراف: آية ٦٥.
(٣) سورة الأعراف: آية ٧٣.
(٤) سورة الأعراف: آية ٨٥.
(٥) سورة الأعراف: آية ٨٥.
(٦) سورة الأعراف: آية ١٥٣.
(٧) سورة آل عمران: آية ٤٩.
(٨) سورة الفرقان: آية ١.
[ ٧٠ ]
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١).
ففي ذلك دليل على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى لا كما يدعي بعض المؤرخين غير المسلمين أن الدعوة الإِسلامية نشأت محلية ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوحات الإِسلامية أن تكون عالمية، كلا: إنها عالمية منذ نشأتها الأولى، رسالة عامة موجهة إلى جميع الناس مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم في كل زمان وفي كل مكان ابتداء من بعثة محمد - ﷺ - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويقوم الناس لرب العالمين. قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢).
ومن الأحاديث الدالة على عموم بعثته - ﷺ -:
ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٣).
وما رواة الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي " الحديث (٤).
_________________
(١) سورة الأنبياء: آية ١٧.
(٢) سورة سبأ: آية ٢٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التيمم - باب ١، ١/ ٨٦.
(٤) مسند الإمام أحمد ٣/ ٢٦٧.
[ ٧١ ]
وروى - مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا وسجودًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (١).
ولمسلم أيضًا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم " الحديث (٢).
ولأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي إنما يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " الحديث (٣).
ولأحمد أيضًا عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال
رسول الله - ﷺ -: "أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود " الحديث (٤).
وغير ذلك من الأحاديث الدالة على عموم رسالته - ﷺ -.
وبعدُ: فإن شرع الله الذي حواه كتابه وبينه رسوله - ﷺ - هديا جامعًا
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٣٧١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٢٣.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٧٠، حديث ٥٢١ كتاب المساجد.
(٣) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٥٤٦.
(٤) مسند الإمام أحمد ٤/ ٤١٦ قال الهيثمي رواه أحمد متصلًا ومرسلًا ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني أيضًا. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ٨/ ٢٥٨.
[ ٧٢ ]
يفصل كل قضية ويبين كل شيء. قال -تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (١).
ويحقق العدل المطلق في حياة البشر: قال -تعالى-: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢).
ويشمل الوجود كله والحياة بعقيدة كلية تنبثق عنها مبادئ الشريعة وأحكامها الفرعية فتعم الحياة بمنطق عملي واحد، أفبعد هذا البيان الواضح والبرهان الدامغ يليق بمسلم كائنًا من كان أن يحيد عن الجادة ويتبع غير ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين؟؟! إنني أعيد على مسامعك ما قاله الإمام الشافعي -﵀-: "أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله - ﷺ - لم يَحِل له أن يدعها لقول أحد".
• • •
_________________
(١) سورة النحل: آية ٨٩.
(٢) سورة المائدة: آية ٥٠.
[ ٧٣ ]