الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية
إن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإِسلام توارثًا تقليديًا وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم لهذا فشا الجهل بأحكام الشريعة الإِسلامية لدى الكثير من أبناء الأمة الإِسلامية قياداتٍ وشعوبًا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلَّا اسمه فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه. مما سهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم وأن يبثوا سمومهم بل وأصبح يسيرًا عليهم أن يجندوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدتهم بأيديهم وينشرون الجهل والضلال في صفوفهم ويتركونهم أسرى العادات والتقاليد والبدع والخرافات والعجب والغرور، وأصبح تصور هؤلاء للإسلام وفهمهم له سيئًا مشوهًا لا يتفق وجوهره وحقيقته في شيء:
ففي مجال الطاعة والإتباع غفل كثير من المسلمين عن هذا الأصل العظيم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (١).
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٣.
[ ٢١٩ ]
ونسوا القاعدة التوحيدية المتمثلة في "أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (١).
وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءًا منه إلى الحكام والولاة ومشايخ الطرق الصوفية والمشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما سيطر على الأمة من جهل وسذاجة.
وقد نسي هؤلاء أو تناسوا: إنه إذا قامت عبادة الله على أساس صحيح من العقيدة والإستقامة والاخلاص لله والصدق معه والخضوع لسلطانه نجحت جميع الآمال وانضبطت جميع الأعمال وأكسبت المجتمع الإعتدال والتوازن، وامتزجت أعمال أفراده بالطابع الديني المطهر للأخلاق، وعبادة هذا شأنها تكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر التعبدية فقط من صلاة وصوم وحج إلخ. وحينئذٍ يتمثل فيها أمران رئيسان:
الأمر الأول:
استقرار معنى العبودية لله في النفس أي استقرار الشعور على أن هناك ربًا يُعْبَدْ وعبدًا يَعْبُدُ ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٢).
الأمر الثاني:
التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وبكل حركة في الجوارح وبكل
_________________
(١) أصل هذه القاعدة ما رواه علي بن أبي طالب -- ﵁ -- قال: قال النبي - ﷺ -: "لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف"، أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٠٥، ١٠٦، كتاب الأحكام باب ٤.
(٢) سورة الزمر: الآيتان ١١، ١٢.
[ ٢٢٠ ]
حركة في الحياة، التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر ومن كل معنى آخر غير معنى التعبد الله والخضوع لسلطان الله!!
وقد مرَّ بنا (١) أن كل المفاهيم الإِسلامية قد فسدت وانحرفت في حس الأجيال المتأخرة وانحصرت العبادة في الشعائر التعبدية -وربما تؤدى أو لا تؤدى- وأصبح الدين في النهاية صورة باهتة خاوية من الروح لا تستطيع أن تصمد للهجوم الوحشي الذي تدافع من كل صوب للقضاء على الإِسلام (٢).
وإليك صورًا من الجهل المنتشر بين أبناء الأمة الإِسلامية:
ففريق استهوته الشياطين من البشر فراح ينادي بعدم صلاحية الشريعة الإلهية للتطبيق وانقسم هذا الفريق إلى صنفين:
* صنف لم يدرس الشريعة ولم يفهم أحكامها ولكن لقن على أيدي الخبثاء المغرضين أن الدين تأخر وانحطاط وتحجر ورجعية وأن الوسيلة الوحيدة للتحضر والإرتقاء والتقدم هي الإنسلاخ من الدين بالكلية" (٣).
* وصنف لم يدرس الشريعة ولكن درس القوانين الوضعية فقط وتولى تربية جيل من المسلمين لا يعرف شيئًا عن حقيقة الإِسلام بل يعرف بدلًا عن ذلك شبهات تحوم في نفسه حول الدين" (٤).
_________________
(١) ص ١٩٩، ٢٠٠.
(٢) واقعنا المعاصر ص ١١٨ هامش ١.
(٣) انظر: ص ٢٠٦: ٢٠٩.
(٤) جاهلية القرن العشرين محمد قطب ٢٧٤ طبع دار الشروق بالقاهرة وبيروت، ١٤٠٢ هـ، والغزو الفكري ص ٧٢.
[ ٢٢١ ]
وفريق ضل الهدى وافتقد الإيمان ولم ير في الوجود إلَّا ذاته يتعبد لها بإشباع شهوته واتباع هواه ويلتمس الكمال في الطلاقة من كل قيد يحد شهوة بطنه وفرجه والتعالي عن كل ضابط يكفكف من كبريائه وخيلائه.
وفريق رأى الإِسلام عقيدة مستسرة في القلب يصلي لها الإنسان ويصوم وما وراء ذلك تعب قلب ليس له لزوم!!
وفريق تولى بث الإشاعات ونشر الإتهامات، والسخرية والإستهزاء بعلماء الدين وتصويرهم في نفوس المسلمين بصورة الجهلاء الجامدين تارة والمنافقين المستغلين لسلطان وظائفهم ونفوذهم تارة أخرى وبذا قل طلب العلم الديني والشرعي وأصبح العالم الإِسلامي يشكو نقصًا في علماء الدين العاملين أكثر ما يشكو في أي شيء آخر (١).
وفريق تولى إفساد المرأة المسلمة وإخراجها باسم الثقافة والحرية والديمقراطية سافرة ومتبرجة وجعلها أحبولة الفساد في المجتمعات الإِسلامية ومن ثم تعطيل الأسرة وهدم كيان المجتمع الإِسلامي (٢).
وفريق فهم الإِسلام بمفهوم بعيد عن الإِسلام ومنهج الإِسلام: فهذه المساجد الشامخة القائمة يعمرها الفقراء والعاجزون فيؤدون فيها ركعات خالية من معاني الروح والخشوع إلَّا من هدى الله.
وهذه الأيام التي تصام في العام فتكون موسمًا للتعطل والتبطل والطعام والشراب والبذخ والإسراف وقلما تتجدد فيها نفس أو تزكو بها روح.
_________________
(١) الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام ص ٥١٢ - ٥١٥.
(٢) واقعنا المعاصر، محمد قطب ص ٢٥٠، ٣٤٩.
[ ٢٢٢ ]
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١).
وهذه المظاهر الخادعة من المسابح والملابس واللحى والمراسم والطقوس والألفاظ والكلمات؟!
أهذا هو الإِسلام الذي أراده الله أن يكون رحمته العظمى ومنته الكبرى على خلقه؟
أهذا هو هدي محمد - ﷺ -؟ أهذا هو تشريع القرآن الذي عالج أدواء الأمم ومشكلات الشعوب ووضع للإصلاح أدق القواعد وأرسخ الأصول؟ أهذا حال أمة نزل فيها القرآن وخصها الله بالهدى والبيان والكثير منهم معرضون وفي جهلهم وعبثهم سادرون؟ (٢).
يتصور كثير منهم أو يتوهم أنه يستطيع أن يظل على إسلامه وهو يطبق نظمًا ليست من عند الله جهلًا منه وظنًا أن الإِسلام هو أن يطبق بلسانه لا إله إلَّا الله أو على الأكثر يؤدي بعض العبادات في المسجد وينتهي مطلوب الإِسلام منه عند هذه النقطة (٣) وله بعد ذلك أن يسيح في الأرض ما يشاء يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء يأخذ من روسيا مرة ويأخذ من أمريكا مرة ويأخذ من ألمانيا مرة، ومن انجلترا مرة يأخذ ماذا؟ يأخذ نظام الحياة!!
لقد وقع كثير من السذج والجهلة بل وبعض العلماء في أيامنا هذه "في
_________________
(١) سورة ص: آية ٢٤.
(٢) الإخوان المسلمون تحت راية القرآن حسن البنا ص ٦، ٧، ٩، ١٠، ٢٥، طبع ونشر دار الكتاب العربي بمصر.
(٣) انظر: روح الدين الإِسلامي، عفيف طبارة ص ١٤، ومصرع الشرك والخرافة ص ٣٤، ٣٥.
[ ٢٢٣ ]
شرك حقيقي" وبرهان ذلك ما نراه بأعيننا في كثير من البلاد العربية والإسلامية، إذا يتساقطون على الأضرحة والمشاهد ويقصدون الموتى ويعتمدون عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، بل ويتوهم بعض الجهلاء هناك أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع؟! (١).
وهذا كله نتيجة انحسار مفهوم العبادة عند الصوفية وحصرها في الصلوات والأذكار وحفظ المتون الطويلة، مما أدى إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنَّة (٢).
• • •
_________________
(١) مصرع الشرك والخرافة خالد علي الحاج ص ٣٤، ٣٥.
(٢) واقعنا المعاصر ص ٢٥٠، ٣٤٩، وانظر في هذا المبحث أيضًا: الإِسلام ضرورة عالمية ص ٢٣٠، تأليف زاهر عزب الزغبي، المطبعة الثقافية بالقاهرة، وموسوعة سماحة الإِسلام للصادق عرجون ١/ ٤٥٥.
[ ٢٢٤ ]