الثبات والصبر والتأني وعدم اليأس والقنوط
إن الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإِسلامية تحتاج إلى الصبر والتأني وعدم التسرع وتعجل الثمار والثبات والتوكل وعدم اليأس والقنوط: وأعود فأذكر القارئ بما فعله الرسول - ﷺ - يوم صاح بعقيدة التوحيد: كانت مئات الأصنام صفوفًا داخل الكعبة وحولها، وقد ظل ثلاثًا وعشرين سنة يدعو؛ تدري متى هدم هذا الأصنام؟ في السنة الحادية والعشرين من بدء الدعوة!!.
إنه ما ذكر - ﵊ - حتى في عمرة القضاء أن يمس منها وثنًا -أي قبل فتح مكة بسنة- أما نحن فيريد معظمنا إن لم نكن كلنا - الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية في الصباح وشن حملة على من لم يحكم بها في المساء!! والنتيجة التي لا محيص عنها مصارع متتابعة ومتاعب متلاحقة ونزق يحمل الإِسلام مغارمه دون جدوى!!.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-:
" كثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّرَ كثيرٍ من أحوال الإِسلام جزع وَكَلَّ ناح كما كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإِسلام وأن يؤمن بالله مع الذين
[ ٣١٠ ]
اتقوا والذين هم محسنون وأن يؤمن بأن العاقبة للتقوى، كما قال رب العزة -جلا وعلا - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (١) (٢).
إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانًا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم والتمادي في الذنب، فيجب بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدور والدعوة إلى إدراك حقيقة الإِسلام بالتفقه والتعلم ومعرفة أصول الإِسلام وأحكامه وحلاله وحرامه وفهم خصائصه واستيعاب مراميه:
روى البخاري في صحيحه عن عائشة -﵂ - قالت: " إنما نزل أول ما نزل منه (٣) سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا لا ناع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا " الحديث (٤).
فيجب مراعاة سنن الله الكونية والشرعية في التدرج والصبر على الأشياء حتى تنضج وتبلغ مداها ذلك أن العجلة التي هي طبيعة الإنسان عامة والشباب خاصة والسرعة التي هي من طبيعة هذا العصر تجعل الكثيرين ممن يتحمسون لدينهم يريدون أن يغرسوا اليوم ليجنوا الثمرة في الغد، أو يزرعوا في الصباح ليحصدوا في المساء ذاهلين سنَّة الله في خلقه:
_________________
(١) سورة النحل: آية ١٢٨.
(٢) فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١٨/ ٢٩٧.
(٣) أي من القرآن الكريم.
(٤) انظر: صحيح البخاري ٦/ ١٠١ - باب ٦ من كتاب فضائل القرآن.
[ ٣١١ ]
فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلَّا بعد مراحل تقصر أو تطول حسب نوعها وتربتها ومناخها وظروف نمائها إلى أن تؤتي أكلها بإذن ربها!! وهكذا وهكذا إلخ، تتدرج الحياة في كل صورها من مرحلة إلى مرحلة حتى تكتمل سنَّة الله في خلقه، وكذلك بدأ ديننا أول ما بدأ: عقيدة سهلة، ثم أنزل الله التكاليف شيئًا فشيئًا وفرض الفرائض وحرم المحرمات، وفصل الشرائع بالتدرج حتى كمل البناء وتمت النعمة، ونزل قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
"ولئن كان التيسير والرفق واللين مطلوبًا في كل زمن فإنه في زماننا ألزم وأكثر تطلبًا نظرًا لما نراه ونلمسه من رقة الدين وضعف اليقين وغلبة الحياة المادية على الناس، وعموم البلوى بكثير من المنكرات حتى أصبحت كأنها القاعدة في الحياة!! وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر وكل هذا يقتضي الرفق واللين، واتباع المنهج الذي رسمه القرآن الكريم في الدعوة إلى سبيل الله وجدال المخالفين وهو ما جاء في خواتيم سورة النحل خطابًا للرسول - ﷺ - ولكي نهتدي بهديه من بعده (٢): ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (٣).
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٣. بتصرف من الصحوة الإِسلامية للقرضاوي ص ١٠٤، ١٠٥.
(٢) انظر: الصحوة الإِسلامية بين الجحود والتطرف، ليوسف القرضاوي ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤.
(٣) سورة النحل: آية ١٢٥.
[ ٣١٢ ]
يقول الإمام الغزالي في الإحياء:
"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلَّا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه. فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه"، ومما ذكره هنا -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "أن رجلًا دخل على المأمون الخليفة العباسي فأغلظ له القول وقسا في التعبير، ولم يراع أن لكل مقام مقالًا يناسبه وكان المأمون -﵀- ذا فقه فقال له يا هذا أرفق فإن الله -تعالى- بعث من هو خير منك إلى من هو أشر مني وأمره بالرفق بعث موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني، وأوصاهما بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١) " (٢).
ومن تأمل حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم يجده قد وعى وصية الله له ونفذها بكل دقة برغم جبروت فرعون واستعلائه، وتهجمه واتهامه وتهديده!! يوضح ذلك ابن قيم الجوزية -﵀- في بدائعه إذ يقول:
"أمر الله أكرم خلقه عليه -يقصد موسى - ﵇ - بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين -يقصد فرعون مصر- فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعًا وعقلًا وعرفًا، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه. وهكذا كان النبي - ﷺ - يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى - ﵇ - لما أمر به كيف قال لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)
_________________
(١) سورة طه: آيتان ٤٣، ٤٤.
(٢) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ٢/ ٣٢٨، ٣٢٩، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ١٣٥٨ هـ ١٩٣٩ م.
[ ٣١٣ ]
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ (١) فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر وقال: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء. ثم قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك وقال ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرًا ويافعًا وكبيرًا ونظير ذلك قول نوح لقومه ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢).
وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأممهم في القرآن الكريم إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده ألطف خطاب وألينه كقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) الآية وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك" (٤).
وأحسب أن في هذا القدر من النصوص ما يكفي لإقناع بعض الذين يعملون للإسلام ولكن يخلطون بين الصراحة في الحق والخشونة في الأسلوب مع أنه لا تلازم بينهما والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره، بألين الطرق وأرق العبارات دون إفراط أو تفريط.
• • •
_________________
(١) سورة النازعات: آيتان ١٨، ١٩.
(٢) سورة نوح: آيات ٢، ٣، ٤.
(٣) سورة البقرة: آية ٢١.
(٤) بدائع الفوائد لإبن قيم الجوزية ٤/ ١٦٤، ١٦٥، ١٦٦.
[ ٣١٤ ]