الإِيمان برسالة محمد - ﷺ - وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين
لقد منَّ الله على عباده ورحمهم بإرسال رسله إليهم، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا ما ندري ما أراده الله منا، وما جاءنا من بشير ولا نذير، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لبيان حكم الله -تعالى- فيما اختلف فيه خلق الله وإيضاح شرعه فيما جهلوه، وأمرهم بالتزام حكمه -تعالى- والوقوف عند حدوده والبعد عما يضرهم في العاجل والآجل .. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (١).
واختار الله -﷿- رسله من بين خلقه ليكونوا نموذجًا للكمال وعنوانًا للفضل وحملة لمشعل النور والضياء، وقادة لركب الحضارة الإِنسانية على مدى الأزمان والدهور واصطفاهم المولى -جلت حكمته- ليكونوا دعاة الحق وهداة الخلق فاختارهم من بين خلقه وصنعهم على عينه وشرفهم بأكمل الأوصاف، فجعلهم أئمة الدنيا والدين ورزقهم قوة العقل واليقين، ليكونوا وسطاء، بينه وبين خلقه: يبلغون أوامره ويحذرون من غضبه وعقابه
_________________
(١) سورة النساء: آية ١٦٥.
[ ٥٩ ]
ويرشدون إلى ما فيه سعادة البشر في الدنيا والآخرة .. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ (١).
وكان ختام المسك محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - أفضلهم وإمامهم وخاتمهم، آمن بما آمنوا به، ودعا إلس ما دعوا إليه .. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (٢).
فكان - صلوات ربي وسلامه عليه - أعلى ما يكون هداية وإرشادًا، وكان ما جاء به أسمى ما يكون تشريعًا وتبصيرًا، ختم الله به الرسالة وأتم به النعمة وجعله للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (٣).
وجعل دينَه، دينَ القوة والرحمة، ودينَ الحياة، ودينَ الكفاح والجهاد ودينَ التمكين والعزة والنظافة والطهارة والِإخاء والمساواة والهناء والرخاء .. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٤).
قال ابن كثير -﵀- في تفسير هذه الآية: ( فهذه الآية نص
_________________
(١) سورة الأنبياء: آية ٧٣.
(٢) سورة الأحقاف: آية ٩.
(٣) سورة الأحزاب: آيتان ٤٥، ٤٦.
(٤) سورة الأحزاب: آية ٤٠.
[ ٦٠ ]
في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله - ﷺ - ومن حديث جماعة من الصحابة - ﵃ -) اهـ (١).
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا بيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (٢).
وأخرج الحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إني عند الله في أول الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصورُ الشام" (٣).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن مَثَلي ومَثَلَ الأنبياء من قبلي كَمَثَلِ رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلَّا موضعَ لبنةٍ من زاوية فجعل الناسُ يطوفون به ويَعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (٤).
ففي هذا الحديث وما سبقه إشارة إلى فضل النبي - ﷺ - سائر
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لإبن كثير ٣/ ٤٩٣.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٤٣ - باب ٥٠ كتاب ٦٠.
(٣) المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري ٢/ ٦٠٠.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ١٦٢، ١٦٣ كتاب ٦١ - باب ١٨.
[ ٦١ ]
النبيين وأن الله ختم به الأنبياء والمرسلين وأكمل به شرائع الدين وأن حملة الشرائع السماوية بناة بيت واحد يؤسس سابقهم لِلاحقهم ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم، يصور ذلك [مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى ببتًا فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين] وهكذا كان - صلوات الله وسلامه عليه - برسالة الإِسلام اللبنة المتممة لهذا البناء الشامخ وكانت رسالته آخر لبنة وضعت فيه واحتاج إليها هذا البناء الشامخ من لدن آدم - ﵇ - إلى نبينا محمد - ﷺ -.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (فلابد في الإِيمان من أن تؤمن أن محمد - ﷺ - خاتم النبيين لا نبي بعده. وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإِنسِ، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (١). ومن الإِيمان به الإِيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وحلاله، وحرامه، فالحلال ما أحله الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقًا إلى الله غير متابعة محمد - ﷺ - فهو من أولياء الشيطان) (٢).
_________________
(١) سورة النساء: آيات ١٥٥، ١٥١، ١٥٢.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- ١١/ ١٧٥.
[ ٦٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١).
نعم: لقد أرسل الله رسوله محمدًا ىظر للعالمين كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى، وجاء مع محمد ﷺ منهجًا يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة، ولقد جاءت هذه الرسالة كتابًا مفتوحًا شاملًا لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل مستعدًا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير (٢).
فإذا كان القرآن الكريم روح الإِسلام ومادته وفي آياته المحكمات شرعت مبادئه وبسطت دعوته، فإن محمدًا - ﷺ - قد اصطفاه ربه لإِبلاغ آياته وحمل رسالاته فكان - ﷺ - قرآنًا حيًا يسعى بين الناس، وكان مثالًا صادقًا لما صوره القرآن من إيمان وإخبات وسعي وجهاد وفقه وبيان إلخ،
فلا جرم إذن أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأوامره ونواهيه بل ونواحي حياته كلها تعد ركنًا في الدين وشريعة للمؤمنين، والمسلم مكلف باحترام سنته والعمل بها احترامه للقرآن والعمل به لأن أوامره - ﷺ - ونواهيه لا تصدر عن نفسه بل عن توحيد ربه فطاعته - إذن - هي طاعة لله قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ (٣).
_________________
(١) سورة الأنبياء: آية ١٠٧.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، للسيد قطب ٤/ ٢٤٠١، طبعة عاشرة ١٤٠٢ هـ، دار الشروق - القاهرة.
(٣) سورة النساء: آية ٨٠.
[ ٦٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (١) الآية.
وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول مقترنة بطاعة -رب العزة والجلال- في أكثر من أربعين موضعًا من القرآن الكريم.
إذن: فماذا يجب علينا نحن المسلمين نحو من أرسله ربه رحمة للعالمين؟
يجدر بنا ونحن في هذا المقام أن ننقل لك ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-؛ ترغيبًا في اتباع الرسول وتحذيرًا من مخالفته وعصيان أمره قال - رحمه الله تعالى -: (أما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلَّا باتباع رسوله. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢).
فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعًا من القرآن الكريم، كقوله -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول وجعل متابعة الرسول
_________________
(١) سورة الحشر: آية ٧.
(٢) سورة النساء: آيتان ١٣، ١٤.
(٣) سورة النساء: آية ٨٠.
[ ٦٤ ]
سببًا لمحبة الله عبده فبمحمد - ﷺ - تبين الكفر من الإِيمان والربح من الخسران والهدي من الضلال والنجاة من الوبال والغي من الرشاد والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباع ٥ منها إلى الطعام والشراب فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب -في الآخرة- فحق على كل أحد بذْلَ جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته إذ هذا هو طريق النجاة من العذاب الأليم، والسعادة في دار النعيم) (١).
نعم: إن من الأسس التي يقوم عليها التحاكم إلى شرع الله في الأرض أن يبذل المسلم وسعه في معرفة ما جاء به - ﷺ - والعمل به وتقديمه على غيره ورد كل ما سواه. قال الإمام الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله - ﷺ - لم يحل له أن يدعها لقول أحد) (٢).
وقال ابن عبد البر وابن تيمية -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-: (لا قول لأحد مع قول رسول الله - ﷺ - إذا صح الخبر عنه - ﷺ - وسنة رسول الله - ﷺ - أحق بالأخذ والعمل بها وهذا شأن كل مسلم) (٣).
_________________
(١) انظر: فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- ١/ ٤، ٥، ٦.
(٢) هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جامان - محمد سلطان المعصومي المكي ص ٢٠، ٢١ طبعة أولى ١٣٦٨ هـ، مطابع الحلبي - مصر.
(٣) هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جامان ص ٢٠، ٢١.
[ ٦٥ ]
ومن هنا [تتبين مكانة رسول الله - ﷺ - من الدين ومنزلته بين المرسلين وعظم ما جاء به عن رب العالمين، فطاعته والإنقياد لما جاء به حتم على جميع العالمين بل على الثقلين الجن والِإنس أجمعين.
والمسلم حقًا: هو الذي يقتفي أثر رسول الله - ﷺ - ويمتثل أمره ويجتنب نهيه ويهتدي بسنته. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (١)].
إذا تقرر هذا، [فإن محمدًا - ﷺ - ليس قصة تتلى في يوم ميلاده كما يفعله كثير من الناس في أيامنا هذه -إلَّا من رحم ربك- وليس التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي تضم إلى ألفاظ الآذان في كثير من بقاع الأرض، ولا إِكنان حبه يكون بتأليف مدائح وقصائد يتلوها العاشقون ويتأوهون ويتوجعون، وهم عن شرعه واتباع أمره لناكبون.
كلَّا كلَّا: إن رباط المسلم برسوله - ﷺ - أقوى وأعمق من هذه الروابط المكذوبة الملفقة على الدين، إنه رباط ينهض المرء فيه إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه حتى يكون على هدي من سنة محمد - ﷺ - في معاشه ومعاده وحربه وسلمه وعلمه وعمله وعاداته وعباداته، (٢).
• • •
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ١٠١.
(٢) انظر: فقه السيرة، للغزالي ص ٥، مطابع علي بن علي، الدوحة - قطر.
[ ٦٦ ]