الحكمُ بغير ما أنزل اللهُ كُفرٌ غيرُ مُخرج عن الملَّةِ
تحت هذا العنوان يُتصوَّر السؤال الآتي:
متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا غير مخرج عن الملة؟
وللإِجابة عن هذا السؤال نقول:
إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه بهذا قد تجاوز الحق وخالف الصواب وعصى الله ورسوله "فهو كافر" ويسمى هذا بالكفر العملي أو المجازي أو الكفر الأصغر. ولا يخرجه هذا الكفر عن ملة الإِسلام.
وإليك بعض النصوص الواردة في هذا المجال:
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(إذا كان الحاكم دينًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين فجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، والسنَّة بدعة والبدعة سنَّة، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا
[ ١٩٦ ]
لون آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾) (١) (٢).
وقال شارح الطحاوية: (إن اعتقد الحاكم وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله مع بذل جهده واستفراغ وسعه بمعرفة الحكم وأخطأ فهذا مخطئ له أجر على اجهاده وخطؤه مغفور) (٣).
وقال ابن الجوزي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "فأما قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، وقوله -تعالى- بعدها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فاختلف العلماء في من نزلت فيه على خمسة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة. رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس وبه قال قتادة.
والثاني: أنها نزلت في المسلمين. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى.
والثالث: أنها عامة في اليهود وفي هذه الأمة. قاله ابن مسعود والحسن والنَّخِعِي والسُّدَّي.
_________________
(١) سورة القصص: آية ٧٠.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٣٥/ ٣٨٨.
(٣) شرح الطحاوية ص ٢٧٥، طبع جامعة الإمام محمد ابن سعود الإِسلامية ١٣٩٦ هـ، والمكتب الإِسلامي، بيروت. الطبعة الرابعة.
[ ١٩٧ ]
والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى. قاله أبو مَجْلَز.
والخامس: أن الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى. قاله الشعبي.
وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان:
أحدهما: أنه الكفر بالله -تعالى-.
والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم وليس بكفر ينقُل عن الملة.
وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله ميلًا إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق) (١).
وقد ارتضى هذا المذهب أبو جعفر الطبري في تفسيره .. فإنه قال: (فكل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فهو بالله كافر كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي) (٢).
وقال القرطبي في تفسيره:
(وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار: أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له فأما من فعل
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي ٢/ ٣٦٦، جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري ١٠/ ٣٥٧.
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر الطبري ١٠/ ٣٥٨.
[ ١٩٨ ]
ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله -تعالى- إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
" وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج عن الملة فهو الموافق تفسير ابن عباس - ﵄ - لقول الله -﷿-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٢). وذلك قوله - ﵁ -: (كفر دون كفر)، وقوله أيضًا: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه)، وهو: بأن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهوى، فهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة. فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر: كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا - أعظم من معصية لم يسمها كفرًا. نسأل الله -تعالى- أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه انقيادًا ورضاءً إنه ولي ذلك والقادر عليه) (٣).
والخلاصة: أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس على درجة واحدة، وإنما له درجات متفاوتة وأنواع متعددة بمعرفتها وتصورها يكون الحكم على من حكم بغير ما أنزل الله. ويمكن تقسيم ذلك -حسب ما أراه- إلى أربعة أصناف:
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ١٩٠.
(٢) سورة المائدة: آية ٤٤.
(٣) تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- ص ٦، ٧.
[ ١٩٩ ]
الصنف الأول:
الذين حكموا القوانين الوضعية راضين مختارين - في كل شؤون حياتهم وجعلوها بدلًا من الأحكام الشرعية اعتقادًا منهم أنها أدق وأتم وأشمل وأكمل من شرع الله -تعالى-أو أن شرع الله كان لفترة وانتهى الحكم به بانتهاء تلك الفترة، أو يعتقد الحاكم أن تحكيم القوانين الوضعية كتحكيم الشريعة الإِسلامية، أو غير ذلك مما يفتريه هؤلاء. فهؤلاء كفار لا شك في كفرهم وخروجهم عن ملة الإِسلام.
الصنف الثاني:
الذين أطاعوا المبدلين لشرع الله: اقتنعوا بآرائهم واعتبروا ما وضعوه من قوانين يحقق طموحاتهم ويصلح شأنهم وينظم حياتهم ووجدت لديهم قناعة تامة بذلك. فهؤلاء كفار أيضًا خارجون عن ملة الإِسلام.
الصنف الثالث:
الذين غُلبوا على أمرهم، فهم يعتقدون أن حكم الله أتم وشرعه أولى في الحكم بين الناس ويعترفون أنهم بهذا قد تجاوزوا الحق وأخطأوا وخالفوا الصواب، وعصوا الله ورسوله فهذا هو ما يسمى بالكفر العملي لا الاعتقادي. أي أن هؤلاء كفرهم كفر عمليٌّ لا يخرجهم عن ملة الإِسلام.
الصنف الرابع:
الذين يجهلون أحكام الشريعة عمومًا من عبادات ومعاملات، وأقضية ونحو ذلك وليس عندهم من العلم ما يميزون به بين حكم الله وحكم القوانين الوضعية وإنما عاشوا وتربوا في المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية فألفوا أحكامها ولم يعرفوا سواها، فهؤلاء جهلهم بأحكام الله -تعالى-
[ ٢٠٠ ]
مساو لجهلهم بفرائض الإِسلام الأخرى من عبادات ومعاملات وحدود إلخ، إذ الكل عبادة وطاعة لله -تعالى- وتبصير هؤلاء بدينهم وتعريفهم بأحكام شريعة ربهم من ألزم الواجبات على علمائهم، فإذا ما قصَّر العلماء أو تقاعسوا عن أداء هذا الواجب العظيم فهم متحملون قَسطهم من تبعات ذلك وسيحملون أوزارهم وأوزار من قصروا في إسداء النصح إليهم (١) نسأل الله الهداية والتوفيق للجميع في اتباع شرعه والعملِ بسنة نبيِّه - ﷺ -.
• • •
_________________
(١) وهذه الخلاصة أعدها المؤلف (غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين).
[ ٢٠١ ]