التدرج في الأخذ بأحكام الشريعة الإِسلامية
(إن الطريق إلى الحق في مجال الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلوك لا يكون بالغاء الواقع الجاهلي القائم على أساس الباطل وحذفه بصفة جمليَّة لتنزيل الحق منزلته، بل يكون بالانطلاق من ذلك الواقع إبقاءً على ما تبقى فيه من قِيَم الخير ورفعًا لما فيه من الفساد رفعًا تدريجيًا لتحل محله بالتدرج أيضًا صورة الحق في السلوك مراعاة لما ركب في "واقع الطبيعة الإجتماعية" من سنَّة التشبث بالموروث ومشقة الانقلاب الفوري من طور في السلوك إلى طور آخر مناقض له، وليس ما ورد في التشريع الإِسلامي من تنجيم في النزول ومن تدرج في بناء الأحكام إلَّا إرشادًا إلى هذه الطبيعة يتجاوز الحالة الخاصة المتمثلة في تحويل أهل الجاهلية من واقع جاهليتهم الباطلة إلى واقع الحقيقة الإِسلامية) (١).
(إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية يجب أن تكون جامعة بين تحريك الإيمان في النفوس وإثارة الشعور الديني وبين إكمال الوعي وتنميته
_________________
(١) بتصرف من الدعوة الإِسلامية، الخطط، الوسائل، المداخل من ص ٢٠٢: ٢٢٣
[ ٣٠٥ ]
وتربيته) (١)، ومعنى هذا: أن الكثير من متطلبات التغيير الذي يستلزمه الإصلاح يحتاج إلى استعداد نفسي كبير، فإذا فرض من غير طريق الإستعداد النفسي العميق لم يثمر الثمرة المرجوة ونذكر على سبيل المثال "قصة الخمر" وتحريمها في الإِسلام، فقد كانت شائعة في المجتمع الجاهلي شيوعًا كبيرًا وكانت الظاهرة البارزة المتداخلة في تقاليد هذا المجتمع فبماذا قاومها التشريع الإِسلامي؟ وماذا صنع ليقف في وجه هذه العادة القديمة التي تتعلق بها تقاليد اجتماعية كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟
لقد عالجها التشريع الإلهي ببضع آيات من القرآن الكريم وعلى مراحل وفي رفق وتؤدة دون حرب ودون إراقة دماء!!
قال في الظلال:
"عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني أي بمسألة اعتقادية فإن الإِسلام يقضي فيها قضاءً حاسمًا منذ اللحظة الأولى، ولكن عندما يتعلق الأمر والنهي بعادة وتقليد أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإِسلام يتريث فيه ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج ويهيء الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة، فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك أمضى أمره منذ اللحظة الأولى في ضربة حازمة جازمة لا تردد فيها ولا تلفت ولا مجاملة فيها ولا مساومة ولا لقاء في منتصف الطريق، لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (٢).
_________________
(١) الدعوة الإِسلامية، الوسائل، الخطط المداخل ص ٣٩٩، ٤٠٠.
(٢) سورة البقرة: آية ٢١٧.
[ ٣٠٦ ]
وكمسألة التوحيد والشرك فإنه يأمر بالأول أمرًا جازما ويندد بالثاني تنديدًا لا هوادة فيه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ (١).
فأما في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف والعادة تحتاج إلى علاج، فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس المسلمين: قال -تعالى-: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ (٢).
والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليس رزقًا حسنًا، وفي هذا توطئة لما جاء بعدُ من تحريمها ولكن عادة الشراب أو تقليد الشراب في مكة كان أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة. وقامت للإسلام دولة في المدينة وكان له سلطان لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان ولكن بدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر ولين: بدأ بآية البقرة ردًا على أسئلة تنبيء عن يقظة الضمير المسلم ضد الخمر والميسر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٣) الآية.
إجابة عن سؤال عمر بن الخطاب ومعاذ ونفر من الصحابة حين قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مُذهِبة للعقل مُسلِبة للمال؟ فنزل قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٧٢.
(٢) سورة النحل: آية ٦٧.
(٣) سورة البقرة: آية ٢١٩.
[ ٣٠٧ ]
لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون "ثم دعا عبد الرحمن بن عوف -﵁- أناسًا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقَلَّ من شربها ثم حدثت أحداث أخرى: واجتمع قوم من الأنصار ومنهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرًا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله - ﷺ - فقال عمر - ﵁ -: اللهم بيِّن لما في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (١)، فقال عمر - ﵁ - انتهينا يارب (٢)!!.
قال القفال -﵀-: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله -تعالى- علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرًا فعلم أن لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فلا جرم أن استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق" (٣).
ويحضرني هنا مثل من سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين المهديين المقتدى بهم "فقد أراد عمر أن يعود بالحياة إلى هدي الخلفاء الأربعة وذلك بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه، ولكن كان ابنه الشاب الغيور عبد الملك من الأتقياء المتحمسين وهذا هو ينكر
_________________
(١) سورة المائدة: الآيتان ٩٠، ٩١.
(٢) انظر: في ظلال القرآن الكريم لسيد قطب ١/ ٢٢٩، ٢/ ٩٧٤، ٩٧٥، ٤/ ٢١٨١.
(٣) انظر: الخمر وسائر المسكرات، تحريمها وأضرارها، تأليف أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي ص ٣٤ طبعة رابعة ١٣٩٧ هـ ١٩٨٧ م - الدوحة، قطر.
[ ٣٠٨ ]
على أبيه عدم إسراعه في إزالة بقايا الإنحراف والمظالم والتعفية على آثارها وَرَدِّ الناس إلى سنن الراشدين فقال عبد الملك لأبيه يومًا: مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!! فكان جواب الأب الفقيه المؤمن: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة فيكون من ذا فتنة" (١).
"ومن هنا كان لزاما على الذين يدعون إلى استئناف الحياة الإِسلامية وإقامة دولة الإِسلام في الأرض أن يرعوا سنَّة التدرج في تحقيق ما يريدون من أهداف آخذين في الإعتبار سمو الهدف ومبلغ الإمكانات وكثرة المعوقات (٢)، ولابد أن يأخذوا أسوة العهد النبوي الزاهر ويسيروا بطريق متزن ويدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على النحو الذي بيناه.
فيجب أن تخلص القلوب أولًا لله وتعلن عبوديتها له وحده بقبول شرعه وحده ورفض كل ما سواه. ثم بعد أن تتقرر "عقيدة التوحيد" على مهل وفي عمق وتثبت وبعد أن تتمثلها نفوس حية وضمائر حية متكيفة بها ومتفاعلة معها ومستجيبة لها ثم يأتي بعد ذلك التدرج في الخطوات وإعطاء كل خطوة ما تستحقها من العناية والدراسة وسنفصل ذلك قريبًا إن شاء الله -تعالى- (٣).
_________________
(١) الموافقات في أصول الأحكام للشاطبي ٢/ ٦٦ مطابع المدني بالقاهرة.
(٢) الصحوة الإِسلامية د. يوسف القرضاوي ص ١٠٥.
(٣) انظر ص ٣١٥: ٣٤٤.
[ ٣٠٩ ]