الإِيمان بأن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة
إن ثمةَ حقيقة لا ريب فيها: وهي: أن دين الله واحد جاءت به الرسل جميعًا، وتعاقبت عليه الرسل جميعًا، وعهد الله واحد أخذه على كل رسول من لدن آدم - ﵇ - إلى خاتم الرسل محمد ﷺ.
ولكن كما كان دين الأنبياء والمرسلين دينًا واحدًا وأمتهم أمة واحدة كان لكل واحد منهم شرعةً ومنهاجًا. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (١) الآية.
فهذه الحقيقة أعلنها القرآن وهي تدحض شبه المارقين والماديين الذين ينكرون الأديان بسبب اختلافها في جوهرها وأصولها، ويدَّعون -وهم الظالمون- بأن كل نبي يأتي من عنده بدين يناقض سابقيه وهذا ادعاء كاذب مُجافٍ للواقع ولا يمت إلى حقيقة الأديان بصلة، فالدين واحد في أصوله، ولكن تختلف الأديان في تشريعاتها لإختلاف أحوال الأمم الإجتماعية ودرجة استعدادها العقلي.
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٤٨.
[ ٨٩ ]
لقد كانت الرسالات قبل الرسالة المحمدية رسالات محلية، قومية، محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين - وكانت كل رسالة تتضمن تعديلات وتحويرًا في الشريعة يناسب تدرج البشرية، وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة حتى جاءت رسالة محمدبن عبد الله - ﷺ - إلى الإِنسانية كلها وختم الله سبحانه بها جميع الرسالات السماوية وجعلها ناسخة لها، وأتم بها نعمته على العالمين، واختار الأمة المسلمة لتتلقى تراث الرسالة كله وتقوم على دين الله في الأرض) (١).
﴿ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ (٢) الآية.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلَّا كان من أصحاب النار" (٣).
هذا: وإذا كان الإِسلام يقر جميع ما سبقه من الرسالات فإنه يقرها على وجهها الصحيح لا على ما آلت إليه من التُّرُّهات والأباطيل ويطلب بعد ذلك الإِيمان بأن محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين، وبأن رسالته تضمنت خلاصة الرسالات السابقة، وزادت عليها ما به كمال الإِنسانية والطريق
_________________
(١) انظر: الرسل والرسالات لعمر سليمان الأشقر ص ٢٣٩. الطبعة الثانية مكتبة الفلاح بالكويت.
(٢) سورة الحج: آية ٧٨.
(٣) صحيح مسلم ١/ ١٣٤ - باب ٧٠ حديث رقم ١٥٣ مسلسل ٢٤٠.
[ ٩٠ ]
الواسع نحو التطور الصحيح، والرقي الروحي والحضاري، ولأنه ليست هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان.
نعم: لقد وسع الإِسلام كل الرسالات قبله وشملها، ولكنه أعلن ولاءه لها والِإيمان بها جملة قال -تعالى-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (١).
فهذا هو الإِسلام في سعته وشموله لكل الرسالات قبله، وفي ولائه لكافة الرسل حملته، وفي توحيده لدين الله كله ورجعه جميع الدعوات وجميع الرسالات إلى أصلها الواحد والِإيمان بها جملة كما أرادها الله لعباده.
قال في الظلال:
(إن الإِسلام -بمعنى إسلام الوجه لله وحده- كان هو الرسالة الأولى وكان هو الرسالة الأخيرة والإيمان بالله يقتضي الإعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين بعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم، ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم؛ فكلهم جاء من عند الله بالإِسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين - محمد - ﷺ - فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة) (٢).
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٣٦.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١/ ١١١، ٣٤٢.
[ ٩١ ]
وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ (١).
قال ابن كثير -﵀- في تفسيره:
[يخبر -تعالى- أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم - ﵇ - إلى عيسى - ﵇ - لَمَهْمَا أتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هوفيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ولهذا قال - تعالى وتقدس -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية
وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس - ﵄ -: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلَّا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمد - ﷺوهو حي ليُؤمِنَنَّ به ولينصُرنَّه.
وقال طاووس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه] (٢).
ويروي الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن ثابت قال: (جاء عمر إلى النبي - ﷺ، فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال
_________________
(١) سورة آل عمران: الآيتان ٨١، ٨٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم للإِمام ابن كثير -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ١/ ٣٧٨.
[ ٩٢ ]
عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله - ﷺ -. فقال عمر: رضيت بالله ربًّا وبالِإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - رسولًا. قال: فسُرِّي عن النبي - ﷺ - ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - ﵇ - ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) (١).
وللحافظ أبي يعلى: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركهم ما حل له إلَّا أن يتبعني).
وروى الإمام أحمد -﵀- بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: (قيل لرسول الله - ﷺأي الأديان أحب إلى الله: قال: الحنيفية السمحة) (٢).
نعم: لقد جمعت الشريعة الخاتمة محاسن الرسالات السابقة، وفاقتها كمالًا وجلالًا. قال الحسن البصري -﵀-: (أنزل الله مائة وأربعة كتب أودع علومها أربعة: التوراة، والِإنجيل، والزبور، والفرقان "القرآن" ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان) (٣).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(إن القرآن قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا، وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٧١.
(٢) مسند الإمام أحمد ١/ ٢٣٦.
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٣/ ٣٣٦، طبع وتوزيع الرئاسة العامة للإِفتاء بالسعودية.
[ ٩٣ ]
الرسل كلها ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرِّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه.
فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الِإلهية، وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاحها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلَّا بعض ما جاء به القرآن) (١).
نستخلص مما سبق: أن الإِسلام هو آخر الشرائع الِإلهية إلى البشر وأن محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين، وأن شريعة الإِسلام ودعوته خالدتان، فليست شريعة الإِسلام موقوتة بوقت مستقبل محدود يقف عنده وجوب تطبيقها لإِصلاح الحياة البشرية بل هي رسالة عامة للبشرية كلها رسالة خاتمة أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل. رسالة تخاطب "الإِنسان" من وراء الظروف والبيئات والأزمنة، لأنها تخاطب فطرة الانسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ (٢) الآية.
_________________
(١) انظر: فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- ١٧/ ٤٤، ٤٥.
(٢) سورة الروم: آية ٣٠.
[ ٩٤ ]
وقد فصلت هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإِنسان من جميع أطرافها وفي كل جوانب نشاطها وتحتوي على كل ما يحتاج إليه منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان.
وبرهان آخر على نسخ الشريعة الإِسلامية للشرائع السابقة: قال
-تعالى-: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ﴾ (١) الآية.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ (٢) الآية.
فأهل الكتاب مأمورون بالإيمان بمحمد - ﷺ - وبالكتاب الذي أنزل عليه وألا يسارعوا إلى الكفر به، فيصبحوا أول الكافرين وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين!!. ولا يحكم عليهم بالكفر إلَّا إذا كانت الشريعة الإِسلامية ناسخة لشرائعهم، وقد أمر الله -تعالى- بقتالهم حتى يؤمنوا بشريعة محمد - ﷺ -. يقول -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣).
• • •
_________________
(١) سورة البقرة: آيتان ٤٠، ٤١.
(٢) سورة النساء: آية ٤٧.
(٣) سورة التوبة: آية ٢٩.
[ ٩٥ ]