الإِيمان بكمال الشريعة الإِسلامية ومرونتها وصلاحها للخلود إلى يوم القيامة
إن شريعة الله -تعالى- تمثل منهجًا متكاملًا شاملًا لشعب الحياة الإِنسانية كلها في العقيدة والعبادة والسياسة والسلوك وحتى أمور الغيب ومشاهد القيامة وأحوالها والتطبيق العملي لأحكامها والإلتزام بما جاءت به والوقوف على حدودها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها هو المحور المحرك لعوامل النصر والثبات والسعادة والإستقرار.
وأحكام الشريعة نظم متكامل متسق، لا يعتوره التخليط أو التناقض بل يشتمل على مصالح كلية في الجملة وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على وجه الخصوص ولا مكان لعنصر ناشز غريب فيه من ابتداع أهواء البشر، بل خطة ثابتة أبدًا يعتنقها المرء على وجه القطع لا التجريب، ويتخذها منهجًا دائمًا لا تدبيرًا مؤقتًا لبعض مراحل حياته أو ظروفها.
أما المصالح الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قاعدة معينة من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، إذ ليس الإِنسان كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها بل هو مكلف يرتاض بلجام الشرع، فإذا سار المكلف
[ ٧٤ ]
تبعًا لهواه فقد خلع ربقة التقوى من عنقه وتمادى في متابعة هواه، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه وقدم ما أخره.
وأما المصلحة الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته.
وقد توافرت نصوص كثيرة من القرآن والسنَّة لتدل على وحدة الشريعة ووحدة العقيدة وأنها السبيل القاصد إلى الله رب العالمين، وكل سبيل غيره جائر. قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
قال في الظلال: (فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معًا فهذا هو الدين، ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين نقصًا يستدعي الِإكمال، ولا قصورًا يستدعي الِإضافة، ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير وإلَّا فما هو بمؤمن، وما هو مقر بصدق الله، وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين إن الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإِطار الذي تنموفي داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان، دون أن تخرج عليه، إلَّا أن تخرج من إطار الإيمان إن إرتضاء الله الإِسلام دينًا لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الإختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار وإلَّا فما أنكد وما أحمق من يهمل -بَلْهَ أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله! .. وإنها -إذن- لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيًا أبدًا وقد رفض ما ارتضاه له الله ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإِسلام دينًا لهم، يرتكبون
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٣.
[ ٧٥ ]
ويمهلهم إلى حين فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير الذي ارتضاه لهم الله فهم بهذا معرضون أنفسهم للعقاب والعذاب الشديد إن لم يتوبوا إلى الله ويرجعوا إلى شرعه ودينه) (١)
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -﵀-: في قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، أي: (بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، والأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لابد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم، غير علم الكتاب والسنَّة من علم الكلام وغيره فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلَّا بما قاله ودعا إليه) (٢).
وقال جلت حكمته: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ (٣).
ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-، في تفسير قول الله
_________________
(١) بتصرف من في ظلال القرآن الكريم، للسيد قطب ٢/ ٨٤٣، ٨٤٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ٢/ ٢٤٢ - مطابع الدجوي بالقاهرة.
(٣) سورة المائدة: آية ٤٨.
[ ٧٦ ]
-تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قال: (إن القرآن الكريم قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين عن ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الِإلهية وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلَّا بعض ما جاء به القرآن ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره) (١).
نعم: إن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - هو منبع الخير كله ومطلع الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس فبدد منها الظلمات واستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢).
فما أحوجَ -من لم يحكم بما أنزل الله- إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياته على أسس أصيلة متينة من تعاليمه سواء ما يتصل منها بالعقيدة والعبادات أو الأخلاق والمعاملات أو السياسة والإقتصاد أو الأدب والثقافة والإجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله ليسطع على العالم ما
_________________
(١) انظر: فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ١٧/ ٤٤، ٤٥.
(٢) سورة فصلت: آية ٤٢.
[ ٧٧ ]
بقي الدهر وليقود الإِنسانية إلى الرشد لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ الآية (١).
نعم: لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله أو ترك شيء من حكمه إلى حكم آخر ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى، وقد علم الله حين رضيه للناس أنه يسعهم جميعًا ويسع حياتهم جميعها ويحقق الخير لهم جميعًا إلى يوم الدين وأن أي تعديل في هذا المنهج -دعك من العدول عنه- هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من الدين بالكلية ولو قال باللسان ألف مرة إنه من المسلمين (٢).
قال -تعالى-: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (٣).
فهاتان الآيتان تقرران حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور، وبيان أن هذا الكتاب نزل مفصلًا محتويًا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة
_________________
(١) سورة الأنعام: آية ٣٨.
(٢) في ظلال القرآن للسيد قطب ٢/ ٩٠٢ وجواهر التفسير للخليلي ١/ ١١ "بتصرف" طبعة ١٤٠٤ هـ الأولى - مطابع الإستقامة بسلطنة عمان.
(٣) سورة الأنعام: آية ١١٤، ١١٥.
[ ٧٨ ]
جملة، كما أنه تضمن أحكامًا تفصيلية في المسائل الأخرى سواء منها الاقتصادية أو العلمية أو السياسية أو الواقعية وغيرها، ولم يبق قول لقائل في عقيدة أو مبدأ أو تصور أو شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد: قال قتادة: صدقًا فيما قال وعدلًا فيما حكم يقول صدقًا في الإِخبار وعدلًا في الطلب فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مريةَ فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلَّا عن مفسدة.
لا معقب لحكمه -تعالى- لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو"السميع" لأقوال عباده "العليم" بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (١).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٢).
"فهذه الآية خوطب بها جميع العالم لبيان أن القرآن الكريم من عند الله وأنه موعظة للعالمين وشفاء للمؤمنين وأنه اشتمل على مالهم وما عليهم، وأنه من عند الله -تعالى- لم يختلقه محمد - ﷺ -، بل هو من عند الله -﷿- فيه دواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة والشكوك الواهية" (٣).
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لإبن كثير ٢/ ١٦٧، ١٦٨، في ظلال القرآن للسيد قطب "بتصرف" ٢/ ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥.
(٢) سورة يونس: آية ٥٧.
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لإبن عطية الأندلسي ٧/ ١٦٧ طبع مؤسسة دار العلوم بقطر - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ، والفتوحات الإِلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية لسليمان بن عمر العجيلي الشافعي (الشهير بالجمل) ٢/ ٣٥٧.
[ ٧٩ ]
قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
( فلرسالته - ﷺ - عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإِيمان به إلَّا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج فرع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. وقد توفى رسول الله - ﷺ - وما طائر يقلب جناحيه في السماء ألا ذكر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب والركوب والنزول، والسفر والإِقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأى عين. وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعرِّفْه نبيٌّ لأمة قبله
وكذلك عرفهم - ﷺ - من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فجاءهم بخيري الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟! ومن ظن ذلك فهو كمن ظن
[ ٨٠ ]
أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا إليكم وهو عهدنا إليكم وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١) " (٢).
إن القرآن الكريم الذي تعبدنا الله بتلاوته وأمرنا باتباعه ولزوم أحكامه تناول في نحو خمسمائة آية جملة القواعد والأصول التشريعية وبعض الأحكام العقدية والخلقية والعملية (٣). وعكف العلماء على تفصيل آياته هذه
وقسموها باعتبار موضوعها إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: العبادات وتشمل نحوًا من أربعين ومائة آية.
القسم الثاني: المعاملات: وتتفرع إلى سبعة أقسام:
القسم الأول:
يمكن إدراجه في الفقه العام وهو:
١ - الأحكام الدستورية الضابطة لنظام الحكم وأصوله والمحددة للعلاقة
_________________
(١) سورة العنكبوت: آية ٥١.
(٢) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين للإِمام شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر "ابن قيم الجوزية" ٤/ ٣٧٥، ٣٧٦ - مطابع دار السعادة، القاهرة.
(٣) انظر في هذا: وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٢١، ٢٢. وهو من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي ١٤٠٤ هـ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية - طبع ونشر إدارة الثقافة والنشر بالجامعة ١٤٠٤ هـ.
[ ٨١ ]
بين الحاكمين والمحكومين والمقررة لحقوق الأفراد والجماعة وهي عشر آيات تقريبًا.
٢ - الأحكام الدولية المنظمة للعلاقة بين الدولة الإِسلامية، وبين غيرها من الدول في حالتي السلم والحرب وهي خمس عشرة آية تقريبًا.
القسم الثاني:
النظم الاقتصادية التي شرعها الإِسلام أو ما يتصل بها مما يسمى عند الفقهاء بالمعاملات وهي:
١ - الأحكام الاقتصادية والمالية القائمة على تنظيم العلاقة المالية من موارد وطرق إنفاق وغيرها وهي نحو عشر آيات تقريبًا.
٢ - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة وغير ذلك وهي نحوًا من سبعين آية.
القسم الثالث:
الحدود والقصاص: وهي الأحكام الجنائة المتعلقة بما يصدر عن المكلفين من جنايات وجرائم، وما يترتب على ذلك من عقوبات تحفظ على الناس أنفسهم وأعراضهم وحقوقهم وهي نحوًا من ثلاثين آية تقريبًا.
القسم الرابع:
نظام الأسرة وما يتصل بوضع الأفراد فيها: كالأحوال الشخصية المتناولة للزواج والطلاق والإِرث والوصية والحجر وغير ذلك مما يتصل بأحكام الأسرة، ويشمل هذا القسم نحوًا من سبعين آية تقريبًا.
[ ٨٢ ]
القسم الخامس:
الأحكام الشرعية المتصلة بالقضاء والشهادة واليمين وغير ذلك من الإجراءات الشرعية والترتيبات التي تمكن كل ذي حق من حقه ويشمل هذا القسم نحوًا من ثلاث عشرة آية.
القسم السادس:
الآيات الدالة على التيسير ورفع الحجر عن المكلفين وهي كثيرة كقوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١).
وكقوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٢).
وكقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).
وغيرها وسنزيد هذا القسم بيانًا عند الحديث عن يسر الشريعة وسماحتها - إن شاء الله (٤).
القسم السابع:
القواعد العامة الكلية والأصول الثابتة الشرعية، ومنها:
١ - الآيات الواردة بشان التصرفات المالية .. كقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). وقوله
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٨٥.
(٢) سورة النساء: آية ٢٨.
(٣) سورة البقرة: آية ٢٨٦.
(٤) انظر ص ٩٧.
(٥) سورة النساء: آية ٢٩.
[ ٨٣ ]
-تعالى-: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (١).
الآيات المتعلقة بلزوم العدل وتقوى الله عند رد العدوان مثل قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢).
٣ - الآيات المحددة للمسؤُولية وما ينتج عنها من جزاء كقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
٤ - الآيات المتعلقة بالتكليف بما في الطاقة والوسع مثل قوله -تعالى-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
٥ - الآيات الدالة على الوفاء بالعهد والعدل .. كقوله -تعالى-: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٥).
وقوله -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٦).
٦ - الآيات الدالة على رفع الحرج ودفع الأذى ومنها: قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا﴾ (٧).
_________________
(١) سورة النساء: آية ٤.
(٢) سورة البقرة: آية ١٩٤.
(٣) سورة فاطر: آية ١٨.
(٤) سورة الطلاق: آية ٧٥.
(٥) سورة الحج: آية ٢٩.
(٦) سورة النحل: آية ٩١.
(٧) سورة البقرة: آية ١٧٣.
[ ٨٤ ]
وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وجميع الآيات الواردة فيما سبق جئت بها على سبيل الإستشهاد لا الحصر.
هذا: ومن الأمور المقررة شرعًا أن السنَّة هي المصدر الثاني للتشريع وعلى هذا لا ينبغي أن يفوتنا أن النبي - ﷺ - بين جميع أصول الدين وفروعه وظاهره وباطنه وعلمه وعمله، وقد جاءت سنته - ﷺ - وافية شافية كافية فيها كل ما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم
فقد جاءت إما: مؤكدة لأحكام القرآن فيما هو قطعي الدلالة من نصوصه، لا تقبل التغيير والتبديل والتعميم والتخصيص. مثل: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج والنهي عن الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من النواهي.
وإما: مفسِّرة ومفصِّلة: كبيان صفة الصلاة، ومقادير الزكاة، وتقييد المطلق كبيان أن الحد في السرقة القطع من الرسغ، وتخصيص العام كمنع الولد القاتل لأبيه من الميراث.
وإما: قواعد عامة اعتبرت أساسًا تشريعيًا وأصلًا من أصول الدين اعتمده الفقهاء في ضبط الأحكام وتفريعها عنه .. وتلك أقوال كثيرة من كلامه - ﷺ - منها:
(لا ضرر ولا ضرار)، و(الولد للفراش)، و(إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وغير ذلك.
ومن السنَّة ما ليس تفسيرًا ولا تأكيدًا وإنما مرجعه إما وحي أوحي إلى النبي - ﷺ - عند البعض، وإما اجتهاد منه - ﷺ - عند البعض الآخر كتحريمه - ﷺ - الحُمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها
[ ٨٥ ]
أو خالتها، وجواز خيار الشرط وجواز الرهن وما إلى ذلك مما أساسه القرآن أو مرجعه تطبيق الأحكام العامة والمبادئ الأساسية لشريعة القرآن التي ملأت نفسه - ﷺ - وكانت له أصلًا يقيس عليه ويعتمد فيما يأمر به أو ينهى عنه وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
ومع الإِيمان المطلق بكمال هذا الدين، وفهم هذه الحقيقة بجانب الإِيمان بقاعدة الوجود الكبرى وفهمها: وهي قوله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣).
يتلخص مما سبق أن الِإطار العام للشريعة، والدائرة الشاملة للحياة البشرية لا تزيد على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإِنسان أنى وجد في أي زمان أو مكان، تلك الحقيقة التي لا تتغير، ولا تتبدل على الإِطلاق، وهذه جاءت الشريعة لها بأحكام تفصيلية ثابتة كثباتها وقد فصلها الله تفصيلًا: كالشعائر التعبدية المحضة من صلاة وصيام وحج وكأحكام الطهارة، وأحكام الأسرة، والمحرمات الرئيسية: من زنًى وخمر وسرقة وخيانة إلخ؛ فهذه فصلت بمقتضى الحكمة والهداية الربانية التي لا يملكها البشر ولو وكل إليهم منها شيء لضلوا وتاهوا.
_________________
(١) سورة النجم: آية ٣، ٤.
(٢) سورة الحشر: آية ٧.
(٣) سورة الذاريات: آية ٥٦.
[ ٨٦ ]
القسم الثاني:
جوانب ثابتة الجوهر والهدف لكنها متجددة الصورة متغيرة الأساليب حسب سنَّة الله في الكون: مثل نوع الحكم وطريقته ومنهج الحياة الاقتصادية والخطط التعليمية وغيرها، وهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يصح أن تخرج عنها ولكن تركت تفصيلاتها - رحمة من غير نسيان - إلى اجتهاد الأمة في حدود تلك القواعد والضوابط الشرعية.
القسم الثالث:
الأمور الدنيوية المحضة: وقد اقتضت حكمة الله أن توكل إلى سعي الإِنسان وخبرته كي يحقق بنفسه معنى استخلافه في الأرض واستعماره فيها: كالضرب في الأرض وشؤون الزراعة والصناعة والعمارة وكل مظاهر الحياة المادية.
وبما أنه ليس في الحياة البشرية شيء يبقى بعد هذه الأقسام أو يخرج عنها فلم يعد هنالك ما يبرر أية شبهة حول إسلام الحياة كلها لله خالصة له وحده مستقيمة على حكمه وشرعه" (١).
وبعدُ: فإن منهج الإِسلام كل متكامل يشد بعضه بعضًا ونظم متناسق تتحد معانيه وتلتقي فيما يحقق سعادة البشرية. قال -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ (٢).
_________________
(١) انظر: العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإِسلامية المعاصرة، تأليف: سفر بن عبد الرحمن الحوالي ص ٦٩٥، ٦٩٦، ٦٩٧ - طبع جامعة أم القرى ١٤٠٢ هـ.
(٢) سورة البقرة: آية ٨٥.
[ ٨٧ ]
وكل زيادة أو إضافة يتكلفها المرء ليست من الشريعة بل هي بدعة مردودة. قال - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١).
فإذا صح عزم المرء وخلصت نيته في التوجه إلى الله فإن في أحكام الشريعة لدليلًا له إلى معالم الصراط المستقيم: قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
• • •
_________________
(١) رواه مسلم عن عائشة - ﵂ -، صحيح مسلم ٣/ ١٣٤٣، رقم الحديث ١٧١٨، باب ٨ كتاب ٣٠.
(٢) سورة الأنعام: آية ١٥٣.
[ ٨٨ ]