(أ) شبهات عامة: وهذا هو المطلب الأول.
(ب) شبهات خاصة: وهذا هو المطلب الثاني.
فمن الشبهات العامة التي تتعلق بِكُلِّيِّ الشريعة دون النظر إلى أي جانب من الجوانب الأخرى يدعون:
بأن تطبيق الشريعة الإِسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة هذا ما يزعمونه ويَدَّعونه ويروجون له:
والحقيقة أَنَّ: "موقف الطوائف غير المسلمة من حكم الإِسلام مسألة يقال عنها دائمًا إنها شائكة ودقيقة، يتجنب الناس الحديث فيها خشية وقوع الفتنة بين المسلمين وغير المسلمين (١) والسبب في ذلك ما يتذرع به أعداء الإِسلام ويتهمون به المسلمون بما يشيعونه كذبًا:
"من أن تطبيق الشريعة الإِسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة ويهيج نوازع الأحقاد الطائفية في نفوسهم، مما يعرض الأمة لخطر التدابر والانقسام، ويهدد وحدتها وتآلفها، وخير للأمة أن تكون في مأمن من هذا الخطر عندما يلتقي أبناؤها على شرعة وضعية لا صلة لها بعقيدة أو دين مما يتخالف الناس فيه"!! (٢)
هكذا يقولون وهم يتهمون الشريعة الإِسلامية بأنها تتجاهل حقوق الأقليات التي لا تنتسب إلى الإِسلام، فتحرمهم من حقوقهم ولا تسمح لهم بممارسة الحياة الإنسانية في ظل الكرامة الجديرة بالإنسان.
_________________
(١) انظر: شبهات حول الإِسلام، محمد قطب ص ١٧٦ ط. السادسة ١٩٦٤ م، مكتبة وهبة بالقاهرة.
(٢) وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٣٥٦.
[ ٢٢٩ ]
ولكن على هؤلاء أن يعلموا علم اليقين:
أن هذه تهمة باطلة تكذبها النصوص ويكذبها التاريخ المعروف للمسلمين يوم كانوا يحكمون بلادًا فيها أقليات غير مسلمة، بل ويكذبها أيضًا المنصفون منهم ولا يتهمون بالتعصب للإسلام.
فأما النصوص يقول -تعالى-: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).
"فبينما كان رؤساء أكثر الأديان يأمرون أتباعهم باستعمال أشد الطرق الإكراهية لحمل الناس على الدخول في دينهم ولو أدى ذلك إلى سفك الدماء وقتل الأبرياء!! نرى أن الإِسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه بل يدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم الخاصة لا يلزمهم إلَّا بالطاعة لشرائعه الإجتماعية والأخلاقية والإقتصادية والدولية" (٢).
أما عقيدة القلب فهم فيها أحرارًا. وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرارًا يزاولونها وفق عقائدهم، والإسلام يقوم عليهم ويحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم ولا يطلب منهم سوى الإنتظام في سلك العدالة والحق في بَلَدٍ هُمْ أحق بالإنتظام فيه من غيرهم، باعتبارهم بعضًا من رعاياه أو مواطنيه.
ويقول سبحانه مخاطبًا رسوله محمدًا - ﷺ -: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ (٣).
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٢٥٦.
(٢) بتصرف من: روح الدين الإِسلامي ص ٢٧٢.
(٣) سورة يونس: آية ٩٩.
[ ٢٣٠ ]
فالرسول - ﷺ - لا يكره أحدًا على الإيمان وليس بمستطاع له ذلك ولا من وظائف الرسالة التي بعث بها أن تكره الناس على الإيمان، لأن الإيمان مشاعر القلب وتوجيهات الضمير، والعقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهى عنه هو كذلك لا ثمرة له.
فالإيمان إذن متروك للإختيار والإسلام لا يتملق أحدًا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (١) الآية.
ولكن سنَّة الله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ (٢).
"إن شياطين الإنس يخلون بالطوائف غير المسلمة في البلاد العرَبية والإسلامية فيقولون لهم: اتبعونا وسنحطم لكم هذا الإِسلام الذي يفرق بين الناس على أساس العقيدة" ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (٣). ليس الإِسلام هو الذي يفرق في نظمه ومعاملاته بين الناس على أساس العقيدة وهو الذي يمنحهم كل الحقوق الحيوية بلا تفريق ويجمع بينهم على أساس الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (٤).
"ثم يترك لهم بعد ذلك كامل الحرية في اعتناق العقيدة التي
_________________
(١) سورة الكهف: آية ٢٩.
(٢) سورة الأنعام: آية ١١٢.
(٣) سورة الكهف: آية ٥.
(٤) سورة الإسراء: آية ٧٠.
[ ٢٣١ ]
يريدونها إلَّا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر لكم دينكم ولي دين" (١).
ومن آثار هذه الحرية الدينية ما سنَّه الإِسلام من أدب المناقشة الدينية ومجادلة أهل الكتاب "اليهود والنصارى" مجادلة أساسها العقل والمنطق وعمادها الإقناع ولكن بالتي هي أحسن" (٢).
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ (٣).
وقال -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (٤).
ورغم قطع الولاء بين المسلم وأقاربه من الكفار وانفصام عرى المحبة بينه وبينهم فإن القرآن أمر بأن يصل الانسان رحمه ولو كفروا بدينه الذي اعتنقه، فإن التزامه بالحق لا يعني المجافاة للأهل ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ (٥) وهذا من الناحية الشخصية. أما من الناحية العامة فلم ينهانا الإِسلام عن برهم والإحسان إليهم إذا كفوا أيديهم عنا وأعلنوا الإنضواء تحت سلطان
_________________
(١) بتصرف من: شبهات حول الإِسلام ص ١٨٠، ١٨١.
(٢) انظر: روح الدين الإِسلامي لطبارة ص ٢٧٣.
(٣) سورة العنكبوت: آية ٤٦.
(٤) سورة النحل: آية ١٢٥.
(٥) سورة لقمان: آية ١٥.
[ ٢٣٢ ]
المسلمين: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (١).
ولم يتوقف الأمر من العدل معهم والبر بهم عند هذا الحد فحسب وإنما يسعى الإِسلام إلى توثيق الروابط بينهم وبين المسلمين بالتزاور والمؤاكلة والمشاربة وهي لا تكون إلَّا بين الأصدقاء والمتحابين ويتوج ذلك كله رباط الزواج وهو أوثق رباط: يقول جل ذكره: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ (٢) والمؤاكلة والمصاهرة تدعو للمحبة وحسن المعاشرة والإِخلاص في المعاملة.
"ولقد أعطى النبي - ﷺ - مثلًا أعلى لمعاملة أهل الكتاب وكفل لهم حقوقهم الدينية والإنسانية وحفظ لهم مواثيقهم وعهودهم وشرط لهم واشترط عليهم ووفى لهم وأوصى بهم خيرًا ما داموا يعيشون تحت مظلة الحكم الإِسلامي وعلى ذلك سار المسلمون في علاقاتهم مع أهل الأديان الأخرى والدين أقوى حاكم على شعورهم فلم يشاهد منهم ما يعابون عليه من جهة التسامع مع مخالفيهم وكف الظلم عنهم ما دامت تربطهم بهم رابطة عهد أو ذمة أو مصلحة متبادلة، ولا يعرف ذلك لدين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو أمة من الأمم غير دين الإِسلام وشريعته وأمته، والناظر في تصرفات قادة الفتوحات الإِسلامية من أصحاب رسول الله - ﷺ - وأمرائه وولاته، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم يرى أنهم كانوا أحرص الناس
_________________
(١) سورة الممتحنة: آية ٨.
(٢) سورة المائدة: آية ٥.
[ ٢٣٣ ]
على الرفق والسماحة في تنفيذ العهود والمواثيق وأحفظ من عرف التاريخ لحقوق من يقطنون ديارهم ويدينون بغير ديانتهم (١).
وإليك بعض النماذج التي تعتبر لسان صدق وشاهد عدل، وتصويرًا حيًا لحقيقة الإِسلام التشريعية وتطبيقاته السلوكية وهي حقائق مسطورة في سجل الحياة لم تستطع عوامل الجهالة والعصبية طمس معالمها وأشعة الحق لا يحجبها الضباب!!!
ومع كل حق من حقوقهم العامة والخاصة في الدولة الإِسلامية نجد أمثلة ثرة ونماذج واقعية وعتها عقول راشدة وسجلتها يد بيضاء لا تعرف الزيف والتحريف وهي ملء صفحات تاريخنا الاسلامي المشرق:
فمن ناحية حقوق غير المسلمين في أداء الشعائر الدينية وممارسة العبادات: تقوم الشريعة الإِسلامية على أسس أخلاقية رفيعة وأولها تقرير حرية العقيدة: فإن الإِسلام لا يفرض على أحد عقيدته قسرًا، ولا يرغم أحدًا على قبول شعائره التعبدية التي هي ذات صلة وثيقة بعقائده لأن هذه العبادات لا معنى لها بدون الإيمان الصحيح!!.
وإذا كان الإِسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه فإنه يكفل الحرية الدينية لكل إنسان يعيش على أرضه ويدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم وإظهار شعائرهم وممارسة عبادتهم وفق عقائدهم السماوية وليس أدل على ذلك من تلك الوثيقة التي كتبها رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم حيث وادع فيها اليهود وعاهدهم، وتركهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم، وهي صورة صادقة لحقوق الإنسان، حيث وردت بما
_________________
(١) موسوعة سماحة الإِسلام للصادق عرجون ١/ ٤٤٨.
[ ٢٣٤ ]
يجعل المجتمع المسلم مجتمعًا متلاحمًا متماسكًا وكفلت -أيضًا- حقوق أهل الديانات الأخرى وسنقتصر على ذكر بعض فقراتها التي تتصل بهذا الشأن:
جاء في أولها: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا كتاب من محمد النبي - ﷺ - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة من المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة" وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم وأن الله جار لمن بر واتقى) (١).
فهذه الوثيقة تنطق برغبة المسلمين في التعاون الخالص مع يهود المدينة لنشر السكينة في ربوعها، والضرب على أيدي العادين ومدبري الفتن أيا كان دينهم -وقد نصت -بوضوح- على أن حرية الدين مكفولة وكان حقًا على اليهود أن يخشعوا وهم أهل كتاب- إذا وجدوا من يذكرهم بالله -تعالى- لقد جاء الرسول - ﷺ - إلى المدينة فمد يده إليهم مصافحًا وتحمل الأذى منهم مسامحًا حتى إذا رآهم مجمعين على التنكيل به ومحو دينه استدار إليهم وجرت بينه وبينهم الوقائع حتى قطع دابرهم واستأصل شأفتهم من المدينة، ولا غرو: فهم قوم تتوافر فيهم سؤات التدين المصنوع والإحتراف
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لإبن كثير ٣/ ٢٢٤، ٢٢٥، طبع مكتبة المعارف - بيروت طبعة أولى ١٩٦٦ م، والأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٩١.
[ ٢٣٥ ]
السمج بالشرائع السماوية وأبرز خلالهم الحقد والنفاق والتمسك بالقشور والولع بالجدل، ومن وراء ذلك قلوب خربة، ونفوس معوجة!! " (١).
وعلى كل حال: بعدما لحق النبي - ﷺ - بالرفيق الأعلى وتتابعت الفتوحات الإِسلامية شرقًا وغربًا عامل المسلمون أهل الكتاب بمثل ما عاملهم به - ﷺ - من الرفق والسماحة وحرية العقيدة.
يقول الإمام أبو يوسف في كتابه "الخراج":
" إنما كان الصلح جرى بين المسلمين وأهل الذمة في أداء الجزية وفتحت المدن على أن لا تهدم بيعهم ولا كنائسهم داخل المدينة ولا خارجها وعلى أن يحقنوا لهم دماءهم وعلى أن يقاتلوا من ناوأهم من عدوهم، ويذبوا عنهم" (٢).
ويروي أبو يوسف أيضًا عن الإمام مكحول الشامي: "أن أبا عبيدة ابن الجراح - ﵁ - صالح أهل الذمة بالشام واشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم وطلبوا منه أن يجعل لهم يومًا في السنة يخرجون فيه صلبانهم بلا رايات وهو يوم عيدهم الأكبر، فأجابهم إلى ما طلبوا ووفى لهم المسلمون بشرطهم " (٣).
وهاك نموذجًا آخر يعتبر وثيقة من أعظم وثائق التاريخ فيه تصوير بارع لواقع سماحة الإِسلام في معاملة غير المسلمين من أهل الذمة والمصالحين
_________________
(١) انظر: فقه السيرة: محمد الغزالي، ص ١٩٩، وخلق المسلم له أيضًا ص ٥٤ مطابع قطر الوطنية، الطبعة التاسعة ١٣٩٤ هـ.
(٢) الخراج لأَبي يوسف ص ١٣٨، طبع دار المعرفة - لبنان.
(٣) الخراج لأَبي يوسف ص ١٣٨.
[ ٢٣٦ ]
خاصة فيما يتصل بقضية العقيدة: "لما وجه أبو بكر الصديق - ﵁ - خالد بن الوليد إلى العراق خرج على تعبية (أي على أهبة واستعداد) وجعل يمر على البلاد والحصون يفتحها بلدًا بلدًا وحصنًا حصنًا حتى وصل إلى الحيرة- فخرج إليه عبد المسيح بن بقيلة وإياس بن قبيصة الطائي، وصالحه إياس على أداء الجزية وقال له: ما لنا في حربك من حاجة، وما نريد أن ندخل معك في دينك نقيم على ديننا ونعطيك الجزية: فصالحهم خالد ورحل عنهم على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرًا من قصورهم التي كانوا بتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم، ولا يمنعون من ضرب النواقيس ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم وعلى أن لا يشتملوا على ريبة أو فساد" (١).
بهذه المعاملة السمحة والأخلاق الكريمة عقدت المعاهدات والمواثيق التي تعد أساسًا عمليًا لتطبيق التشريع الإِسلامي المتعلق بتحديد العلاقة فيما بين المسلمين وغيرهم من الطوائف والأمم والشعوب والتي كان لها آثار بعيدة المدى عميقة الجذور في تاريخ الفتوحات الإِسلامية وانتشار الدعوة إلى الله، والنبي - ﷺ - إذ يتولى بنفسه تطبيق هذه المبادئ التشريعية لأمته إنما يرسم بعمله هذا طريق التأسي به في تحديد العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الطوائف والأمم والجماعات.
على أن هذه المبادئ السمحة الراشدة تنقض الفكرة المتعنتة الجاحدة التي يرددها أعداء الإنسانية وأعداء الحق والحرية الذين قهرهم الإِسلام بعدله وفضله وتشريعه بتصوير فتوحاته غروًا ماديًا وإكراهًا للناس بقوة السلاح على
_________________
(١) الخراج لأَبي يوسف ص ١٤٢، ١٤٣.
[ ٢٣٧ ]
الدخول في دين الإِسلام، ومحاربة للحرية الدينية، وتدخلًا في ضمائر الناس بتغيير عقائدهم. وهو تصوير ظالم متجاهل، وتفكير عقل مظلم ورشح قلب مجهول" (١).
ذلك لأن النظرة العابرة بَلْهَ الناقدة الفاحصة في تاريخ المد الإِسلامي والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ترد ذلك وتدفعه في صدر زاعميه وقد تقدم عن النصوص القرآنية التي تنص على أن الإِسلام لم يحمل السيف ليكره الناس على اعتناقه عقيدة بعدما أعلنها القرآن مدوية في الآفاق ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ونقرأ في معاهدات الرسول - ﷺ - مع أهل الكتاب، ومصالحات قادة الفتوحات الإِسلامية أن المسلمين أبقوا على معابدهم وبيعهم وكنائسهم داخل المدن وخارجها مصونة لا يهدم منها شيء ولا يغير من معالمها شيء فهل بعد هذا يمكن أن تشتم رائحة غزو مادي، وهل يمكن أن يتصور أن الإِسلام يعتدي على حرية الأديان؟!
إن الإِسلام واضح صريح لا يخادع أحدًا ولا يرضى أن يخادعه أحد ولا يقبل الإستسلام المذل ولا يرضى لأهله بالضعف والاستكانة ولا يقبل أنصاف الحلول في مشاكل الدعوة إلى الله ولا يداور ولا يداهن: إنه يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به وهذه هي المرتبة الأولى: الدعوة إلى الدخول في الإِسلام: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (٢).
_________________
(١) موسوعة سماحة الإِسلام لعرجون ١/ ٣٤٣، ٣٣٤.
(٢) سورة آل عمران: آية ٦٤.
[ ٢٣٨ ]
فإذا قبل المدعو ذلك كان له ما للمسلمين من حقوق في الإِسلام وعليه ما عليهم من الواجبات في الإِسلام، وأصبح بدخوله في الإِسلام أخًا لجميع المسلمين يربطه بهم الإخاء الإيماني أينما كان وكيفما كان في ظل العقيدة الإِسلامية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). وإذا لم يقبل المدعو دعوة الإِسلام عرضت عليه الجزية وهي جزء قليل من المال يفرض على الأشخاص الذين هم أهل القتال من الرجال الأحرار البالغين والقادرين فإن أبي المدعو قبول الجزية بعد إبائه الدخول في الإِسلام أوذن بحرب ليكون على بصيرة من أمره: ونكرر ما قلناه قريبًا من أن الإِسلام واضح صريح لا يعرف المحاورة أو المداورة: فإِما دخول في ساحته وقبول لدعوته وإِما رضاء بحكمه في عهد مصالحة على الجزية ليدافع عن أهلها ويتحمل عبء حمايتهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وشرائعهم ويكون لهم من الحقوق الإنسانية مثل سائر المسلمين وإما إيذان بحرب لا هوادة فيها فهل بعد هذه السماحة والرحمة الرفق بأهل الكتاب يتصور أن الإِسلام يعتدي على حرية الأديان (٢)؟
إن البلاد الإِسلامية يعيش فيها على مر تاريخها نصارى ويهود بينما يعيش مسلمون في بلاد غير إسلامية، فكيف كانت معاملة هؤلاء ومعاملة هؤلاء؟
هل سمع أحد شكاية نصراني أو يهودي ضد المسلمين؟ أما المسلمون الذين يعيشون تحت كنف حكومات غير إسلامية فياللهول إننا لا نذهب إلى
_________________
(١) سورة الحجرات: آية ١٠.
(٢) بتصرف من: موسوعة سماحة الإِسلام لعرجون ٢/ ١٠١١ إلى ص ١٠٢٠، وانظر الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٢٣. طبع مؤسسة ناصر للثقافة -بيروت- لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م.
[ ٢٣٩ ]
الماضي لننكأ جروح الأندلس وهي غائرة في الصدور والقلوب ولكن يكفينا أن التاريخ المعاصر يمدنا بعشرات بل وبمئات من الأدلة والبراهين.
وعلى من جهل ذلك أو تجاهله أن يسأل الأقليات الملونة في أمريكا، والأقليات المسلمة في روسيا، والأقليات المسحوقة بل والمذابة ذوبانًا في أنظمة تلك الدول وغيرها كالفلبين والحبشة والصين ولبنان وكثير من دول آسيا وأفريقيا وأوربا إنهم يضطهدون هناك حتى الموت ويجبرون على ترك دينهم ويتعرضون لسوء العذاب وصنوف التنكيل بل وضروب القسوة والبربرية والعسف والتدمير!!.
ويرغم ذلك كله نقف عند قول ربنا تبارك -وتعالى-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ الآية.
فلسنا نأخذ الأقليات غير الإِسلامية عندنا بما تفعله الدول غير الإِسلامية بأقلياتنا، لأن الله علمنا ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وعلمنا ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وعلمنا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. ومن هنا نترك لهم عقيدتهم ونترك لهم معها عباداتهم يمارسونها وفق عقائدهم متى شاؤوا بلا خوف أو اضطهاد!!! " (١).
_________________
(١) بتصرف من: شبهات حول الإِسلام محد قطب ص ١٧٨ والغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام ص ٧٦، ٧٧، ٧٨ والإسلام في قفص الاتهام لشوقي أبي خليل ص ١١٢، ١١٣ الطبعة الرابعة ١٤٠٥ هـ مطابع دار الفكر- لبنان، ومجلة البحوث الإِسلامية الصادر عن رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، المجلد الأول، العدد الثاني ١٣٩٥ هـ/ ١٣٩٦ هـ ص ١٧٦.
[ ٢٤٠ ]
ومن حقوق غير المسلمين بل ومن آكلدها وأقواها:
المحافظة على شروط صلحهم أو معاهداتهم إن كانوا من أهل الصلح والمعاهدة، محافظة تحرم على أي مسلم أن يبخس بشيء مما جاء في تلك العهود والمواثيق فقد روى أبو داود بسنده عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا" (٢).
وكان فيما تكلم به عمر بن الخطاب - ﵁ - قبيل وفاته: (أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله - ﷺ - أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم) (٣).
ومن عهوده - ﵁ -:
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ونفائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها
_________________
(١) سنن أبي داود ٣/ ٣٧، كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب ٣٣، حديث رقم ٣٠٥٢ إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس طبع ١٣٩١ هـ.
(٢) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٢ حديث رقم ٢٧١٩ طبعة ثالثة ١٤٠٤ هـ بشركة الطباعة العربية السعودية المحدودة.
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ١٢٥.
[ ٢٤١ ]
ولا من خيرها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود) (١).
"وإذا كان بعض الملوك والأفراد في بعض العصور وبعض البلدان من ديار الإِسلام قد انحرفوا عن مِهْيَع الإِسلام وهديه في شدة حرصه على العدالة والوفاء بالعهد والرفق الرحيم بالمعاهدين في أخذهم بشروطهم ومواثيقهم فإنهم قد وجدوا من أئمة الإِسلام وعلماء الأمة والقائمين على الدعوة إلى الله بالحق والشفقة على خلق الله، من يقوم في وجوههم بكلمة الحق يجهر بها وينكر عليهم ظلمهم لأهل الذمة والمهادنين والمصالحين من أي جنس وملة" (٢).
(فهذا أبو يوسف القاضي -﵀- يقف في وجه هارون الرشيد قائلًا له: "وقد ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - ﷺ - والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ حق من أموالهم يجب لهم فقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ألا من ظلم معاهَدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه") (٣).
وهذا يوضح لنا كيف كان قادة الفتح الإِسلامي يعاملون أهل الذمة وكل من ارتبط معهم بميثاق وعقد معاملة تعتمد على أصول وقواعد من القرآن الكريم والسنَّة النبوية وتصور مواقف أئمة الإِسلام وعلمائه في يقظة ضمائرهم
_________________
(١) الفاروق عمر بن الخطاب تأليف محمد رضا ص ٢٠٦ طبع دار الكتب العلمية لبنان الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.
(٢) الموسوعة في سماحة الإِسلام لمحمد الصادق عرجون ١/ ٤٢٨.
(٣) سبق تخريجه ص ٢٣٩.
[ ٢٤٢ ]
وشجاعتهم لحراسة مناهج هذا الدين التطبيقية ومراقبة تشريعاته في واقع الحياة تطبيقًا عادلًا كريمًا (١).
ومن الحقوق العامة لأهل الذمة: حفظ النفس والأعراض:
فدم الذمي كدمنا وديته كديتنا روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ابن البيلماني قال: (قتل رسول الله - ﷺ - رجلًا من أهل القبلة قتل رجلًا من أهل الذمة، وقال أنا أحق من وفى بالذمة) (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم: (في المسلم يقتل الذمي عمدًا قال يقتل به) (٣).
وقتل رجل من بني بكر بن وائل رجل من أهل الذمة بالحيرة في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - فأمر عمر - ﵁ - بتسليم الرجل إلى أولياء المقتول: فسلم إليه فقتلوه) (٤).
وروى البيهقي في سننه بسنده عن أبي الجنوب الأسدي قال: (أُتي علي بن أبي طالب - ﵁ - برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت،
_________________
(١) الخراج لأبي يوسف القاضي الحنفي ص ١٢٤، ١٢٥.
(٢) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لإبن أبي شيبة ٩/ ٢٩٠، حديث ٧٥١٠، كتاب الديات، طبع الدار السلفية الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٠، ٣١ من عدة طرق.
(٣) المرجع السابق ٩/ ٢٩١.
(٤) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لإبن أبي شيبة ٩/ ٢٩٢، ٢٩٣.
[ ٢٤٣ ]
قال: فلعلهم هددوك، وفرقوك وفزعوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي وعوضوني فرضيت قال: أنت أعلم من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا) (١).
وورد في الدر المختار: "ويجب كف الأذى عن الذمي وتحريم غيبته كالمسلم" (٢).
فلا يجوز: إيذاء الذمي لا باليد ولا باللسان ولا شتمه ولا ضربه ولا غيبته.
ويقول الشهاب القرافي في كتاب "الفروق": (إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا وفي ذمة الله -تعالى- وذمة رسوله - ﷺ - ودين الإِسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله - ﷺ - وذمة دين الإِسلام) (٣). ومن حقوقهم كذلك:
أن لا تطبق عليهم نظم الإِسلام في الزواج والطلاق وغيرها من الأحوال الشخصية وإنما يطبق عليهم نظام دينهم إلَّا إذا طلب أحدهم أن تطبق عليه أحكام الإِسلام في هذه الأحوال، فإنه يجاب إلى ذلك.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الإمام الحسن البصري مستفتيًا: (ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٣٤، كتاب الجنايات، طبع دائرة المعارف الهندية سنة ١٣٥٤ هـ، الطبعة الأولى.
(٢) الدر المختار ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤.
(٣) الفروق: ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤، طبع دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.
[ ٢٤٤ ]
الخمور والخنازير؟ فأجاب الحسن البصري: إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون وإنما أنت متبع لا مبتدع والسلام) (١).
كما أن الأحكام الجنائية للمسلم والذمي سواء: (يتساوى فيها الإثنان درجةٌ فالذي يعاقب به المسلم على ما يأتي من الجرائم يعاقب به الذمي أيضًا إلَّا الخمر فإن أهل الذمة قد استثنوا من حدها في الإِسلام) (٢).
ويرى الإمام مالك -﵀- أن الذمي مستثنى من حد الزنا كحد الخمر اعتمادًا على قضاء عمر - ﵁ - بأن الذمي يترك أمره إلى أهل ملته أي يعمل بقانون أحواله الشخصية.
"فلهم أن يُصَنِّعوا الخمر ويشربوها ويبيعوها ولهم أيضًا أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها" (٣).
قلت: ولكن ذلك فيما بينهم ومن غير إعلام وبقيود وضوابط يحددها الحاكم المسلم.
"وعند الحنفية والمالكية يضمن المسلم قيمة خمر الذمي وخنزيره إذا أتلفه لأنه مال متقوم في اعتقاد أهل الذمة" (٤).
وقال القرطبي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خُلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلها وبين كرومهم وعصيرها ما ستروا خمورهم ولم يعلنوا بيعها من مسلم ومنعوا من
_________________
(١) حقوق أهل الذمة في الدولة الإِسلامية للمودودي ص ١٨.
(٢) كتاب الخراج ص ٢٠٨، ١٠٩، والمبسوط للسرخسي ٩/ ٥٧، ٥٨.
(٣) المبسوط ٨/ ١٣٧، ١٣٨.
(٤) الدر المختار ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ٢٤٥ ]
إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئًا من ذلك أريقت الخمر عليهم وأدب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ويجب عليه الضمان: وقيل لا يجب ولو غصبها وجب عليه ردها. ولا يعترض لهم في أحكامهم ولا متاجراتهم فيما بينهم بالربا) (١).
وليست هذه الحقوق التي ذكرت هي كل ما لغير المسلمين من حقوق في الدولة المسلمة وإنما لهم إلى جانب ذلك ما يراه الإمام المسلم مما لا يتعارض مع شرائع الإِسلام كحرية الرأي والتعبير عنه بالخطابة والكتابة وما إلى ذلك وهذا ما لا ينكره أحد في عصرنا هذا بعد أن نال أهل الكتاب أوفر نصيب من الحرية في كثير من البلاد الإِسلامية.
وبعدُ: "فهل رأى الناس أو سمعوا بسماحة رحيمة ومساواة عادلة ومواساة ورفق وإخاء وود مثل هذا الذي عامل به خلفاء الإِسلام وقواده وأمراؤه أهل الذمة والمعاهدين".
إن الناس في هذا العصر يتحدثون عن التكافل الإجتماعي وعن كفالة الدولة للشيوخ والعجزة فهل قرؤوا أو سمعوا عن هذه السماحة الإِسلامية في إلزام الدولة بهذه الصورة من الكفالة التي تحمي الكرامة الإنسانية من المهانة وتحفظها من الضياع؟!!
إن التكافل الإجتماعي في ظل الإِسلام لا يرضى أن يُذَلَّ رجل ليس على دين الإِسلام وهو يحيا في كنفه وظله فيعيش على الصدقة يتكفف
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ١١٣ طبع ونشر دار الكاتب العربي القاهرة ١٩٦٧ م.
[ ٢٤٦ ]
الناس، ولكن الإِسلام يحميه ويكرمه ويوجب على الدولة أن تحميه وتعول عياله معه (١).
وليس أدل على ذلك من قصة عمر بن الخطاب - ﵁ - مع اليهودي الذي رآه يسأل الناس على الأبواب:
فقد روى القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: (أن عمر بن الخطاب - ﵁ - مر بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضد ٥ من خلفه وقال من أي أهل الكتاب أنت فقال يهودي؟ قال: فما ألجأك إلى ما أرى، قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى بيته؛ فأعطاه شيئًا من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال. فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) والفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب وهذا منهم ووضع عنه الجزية وعن ضربائه) (٢).
وهذا خالد بن الوليد في مصالحته أهل الحيرة وهم يومئذ سبعة آلاف رجل يُخرج من به زِمَانةً منهم وتبلغ عِدَّتهم ألف رجل قد أعفوا من الجزية، وجعل لهم "أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت عنه الجزية وعيل من بيت مال المسلمين وعياله" (٣).
بهذه المعاملة الطيبة التي عامل بها المسلمون أصحاب الديانات
_________________
(١) بتصرف من: موسوعة سماحة الإِسلام لعرجون ١/ ٤٤٦، ٤٤٧.
(٢) كتاب الخراج لأبي يوسف ص ١٢٦.
(٣) انظر: الخراج لأبي يوسف ص ١٤٣، ١٤٤، والأموال لأبي عبيد ص ٢٢.
[ ٢٤٧ ]
الأخرى من أهل البلاد التي فتحوها جعلت الكثير من عقلاء المفكرين المسيحيين المنصفين يعترفون بتلك الحقيقة ويشيدون بالمسلمين وبمعاملاتهم السمحة الندية
يقول الكونت هنري كاستروا في كتابه (الإِسلام خواطر وسوانح):
"ولقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإِسلام فخرجت منه بحقيقة مشرقة وهي أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة وترفع عن النلظة وعلى حسن مسايرة ورقة مجاملة" (١).
وبهذا التشريع المستنبط من عدالة الإِسلام وروح الوحدة الإنسانية عامل المسلمون غير المسلمين ولا يزالون على هذه السُّنَّة الإِسلامية الحميدة إلى اليوم لم يشاهد منهم ما يعابون عليه أو يكون مذمة في حقهم. وتلك المعاملة الكريمة تعد أساسًا أسلوب دعوة إلى الله -تعالى- على الدعاة إلى الله أن لا يغفلوه عليهم أن يدعو إلى الله على بصيرة بإبراز آداب الإِسلام.
ولا يقصد أبدًا أن يقوم بين المسلم وغير المسلم ولاء وتناصر وتواد على حساب العقيدة إذ أن الولاء الحق: لا يكون إلَّا لله ودينه ورسوله والمؤمنين خالصًا في قلب يؤمن بالله حقًا مدركًا لحقيقة التوحيد لا إله إلَّا الله محمد رسول الله ممتثلًا لها مدركًا مدلولها ومعناها عارفًا بمقتضياتها ولوازمها ثم علمه بحقيقة "الولاء والبراء" في المفهوم الإِسلامي الصحيح وهو أن: الولاء والحب والنصرة للمؤمنين من أي جنس كانوا، وبأي لغة نطقوا وفي أي مكان حلوا، فهو معهم بقلبه ولسانه وماله ودمه يألم لألمهم ويفرح
_________________
(١) انظر: في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإِسلامية لمصطفى فرغلي الشقيري ص ٣٢.
[ ٢٤٨ ]
لفرحهم ويعلن بغضه وبراءه لجميع أعداء الله سواء كانوا كفارًا أصليين أم مرتدين أم منافقين وبهذا يكون مسلمًا واعيًا يعرف من يوالي ومن يعادي وماذا يريد الإِسلام منه، وماذا يراد للإسلام من أعدائه!!.
يقول الشهاب القرافي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
"إنه يتعين علينا أن نبرهم -أهل الذمة- بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبيل ما نهى الله عنه في قوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ (١) الآية .. وغيرها من الآيات. فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم، ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شان المنادي بها ، وتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه كل ذلك ممنوع وحرام. وأما ما أمرنا به من برهم من غير مودة باطنية فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، والدعاء لهم بالهداية، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه. وينبغي لنا أن نستحضر دائمًا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شافتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا -﷿- ونعاملهم بما تقدم ذكره امتثالًا لأمر ربنا وأمر نبينا - ﷺ - لا محبة فيهم ولا تعظيمًا لهم" (٢).
_________________
(١) سورة الممتحنة: آية ١.
(٢) بتصرف من: الفروق، لشهاب الدين القرافي ٣/ ١٣، ١٤.
[ ٢٤٩ ]
"والحق أن التهم التي وُجِّهت إلى النظم الإِسلامية كثيرة ومتنوعة والحرب لم ولن تضع أوزارها، ومخططات الأعداء ماضية في طريقها آخذة كل يوم وسيلة من وسائل الخداع والكيد، وقد شاركهم في إطلاقها بعض المسلمين السذج المنتسبين إلى الإِسلام بالإسم والرسم وهؤلاء وأولئك يقومون بعمل منظم وخطط مرسومة أبعادها وأهدافها والقصد منها عزل الأمة الإِسلامية عن دينها وعن منهجها في الحياة" (١).
"ولكن شمس الهداية كانت ولا زالت أقوى في إشعاعها من ظلام عقولهم وقلوبهم وأرواحهم بددت أضواءها -ولا زالت تبدد- سحب الباطل بما تنشره من أنوار في آفاق الحياة. لو كان لأعداء الإِسلام عقول يفقهون بها لرأوا أن في صنيع المسلمين ومعاملتهم لأهل ذمتهم دليلًا قاطعًا على أن هذه الفتوحات المتتابعة في أقصر زمن وأقل قوة حربية بالنسبة لقوة أعداء الإِسلام كانت فتوحات للقلوب الكسيرة بمفاتيح الإيمان والحق والعدل والرحمة ونصرة المظلومين وحماية المستضعفيت، إن أهل الذمة لما رأوا وفاء المسلمين لهم وحسن سيرتهم فيهم وجربوا معاملاتهم صاروا حربًا على أعداء المسلمين وعونًا لهم وكان هذا الوفاء باعثًا على دخول كثير من المعاهدين على الجزية في الإِسلام" (٢).
وهذا ما تنبه له أعداء الإِسلام اليوم ولكن بأسلوب ماكر وطرق خبيثة:
فهم يوالون إرسال البعثات وتكثير الإرساليات التبشيرية لتنشر مكامن التبشير في كل مكان وتشكك الشباب المسلم في دينه وعقيدته وتتخذ جميع
_________________
(١) بتصرف من الغزو الفكري ص ٧٢.
(٢) موسوعة سماحة الإِسلام لعرجون ١/ ٤٣٤، ٤٣٥.
[ ٢٥٠ ]
الوسائل الممكنة والموصلة إلى هذا الهدف الخبيث: إنهم يخصصون جزءًا من أموالهم لفتح المستشفيات والمستوصفات ودور التمريض والرعاية الإجتماعية والنوادي الماسونية وينفقون الأموال الكثيرة على من يستطيعون تنصيره من المسلمين وإخراجه من حظيرة الدولة الإِسلامية.
أفلسنا نحن المسلمين بأولى منهم في هذا الشأن (١).
وهاك أمرًا آخر على جانب كبير من الأهمية:
ذلك: أن الإِسلام حين يبيح للمسلم معاملة من لا يحاربه في دينه بالحسنى ويدعو إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم يقصد من وراء ذلك تأليفهم وترغيبهم في الإِسلام لا غير.
• • •
_________________
(١) انظر المخططات الإستعمارية لمكافحة الإِسلام: محمد محمود الصواف ص ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠، طبع مكتبات الدار السعودية للنشر والتوزيع، ومكتبة الجيل بمكة المكرمة.
[ ٢٥١ ]