اتهام التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطور العصر:
وتلك فرية أخرى دبرها أعداء الإِسلام للنيل منه وأنى لهم ذلك؟! إنهم يتهمون التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطورات العصر مما يتعارض وحاجات المجتمع إلى شريعة متطورة.
ويزعمون أن الدين الإِسلامي دين قبلي صحراوي وتشريعاته لا تنسجم والحياة العصرية المتمدنة وأن السبيل إلى التطور والحضارة ليكمن في نبذ المسلمين لنبيهم وكتابهم وراءهم ظهريًا.
وهذا اتهام يعد من أعظم دسائس الإستعمار وأخطر مؤامراته التي أراد بها تهديم المجتمع الإِسلامي والإتيان عليه من القواعد.
ويقوم أساسًا على استغلال الشعور بالنقص والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإِسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية.
وهي فرية لم تنهض على دعامة من المنطق أو ميزان من العلم بل تقوم على ركام كبير من الجهل بأحكام الإِسلام وشريعة الإِسلام، فإن الشريعة الإِسلامية ما جمدت في عصر أو تخلفت عن ركب التقدم في دولة وإنما هم
[ ٢٥٢ ]
أنفسهم الذين جمدت عقولهم وعميت أبصارهم عن الحق والصواب: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (١).
فإن الشريعة الإِسلامية السمحة دين ودولة، واقع ونظام، ماض وحاضر، علم وثقافة سياسة واجتماع، أدب وأخلاق، حكم وتشريع، مصحف وسيف، لا كما يتوهمه الدساسون والشكاكون بانها مجرد عقائد فردية وشعائر روحية وصلة بين العبد وربه، ولا دخل لها بأمور الحكم والحياة الإجتماعية والنشاط الإقتصادي وإن شئت فقل ليس لها في واقع الحياة العملية نصيب!!
وقد استوفيت هذه المسألة وأطلت الكلام فيها وبينت أن الشريعة الإِسلامية شريعة متطورة متقدمة وافية بحاجات البشر في كل زمان ومكان (٢).
والذي يعنينا هنا أن هذا الدس الخبيث يرتبط به ويتعلق بأسبابه دس آخر وهو ما قالوا وقولهم النكر والضلال والزور والتلفيق "ما دام الإسلامُ عاجزًا عن مسايرة ركب الحضارة وما دام الدين لا يساير ركب الزمن فمن الواجب على الدولة الإِسلامية أن تفصل الدين عن الدولة كما فعلت أوروبا في عصر النهضة والتطور، وقد اتخذت الأنظمة المعادية للإسلام من الأقليات النصراينة ذريعة لرفع الشعار العلماني "الدين لله والوطن للجميع" وذلك لمنع تطبيق الشريعة الاسلامية" (٣).
وهذا معناه: أن نقطع الصلة بديننا الذي فيه سعادتنا وتنظيم حياتنا
_________________
(١) سورة الكهف: آية ٥.
(٢) انظر ص ٩٧: ١٤٢.
(٣) انظر: العلمانية: سفر الحوالي ص ٥٥٩، والغزو الفكري ص ٧٢.
[ ٢٥٣ ]
ونكون كما وقع بالفعل في كثير من بلدان الإِسلام "عالة على الغرب في استيراد النظم والقوانين من هنا وهناك ونصير كَلًّا على الكفار نأخذ منهم بعد أن كنا نعطيهم!!.
ومن يتصور أن الدين في الإِسلام منفصل عن الدولة فهو متكبر ظالم أو غبي جاهل، إذ أن الإِسلام دين ودولة وكلاهما شيء واحد لا ينفصم أحدهما عن الآخر.
وبعدُ: فتلك هي أهم الشبه العامة التي تتعلق بمضمون الشريعة وجوهرها.
[ ٢٥٤ ]